تاريخ الافراج : 8 آگوست 2016


والمتمسکون به التزاماً بالشریعه المقدسه، یرون فیه رمزاً للإسلام والإیمان، وسمه لهما، مع ما یترتب علیه من أفعال وتصرفات یجب أن تتحلى بها المرأه المسلمه إلى جانبه.
وهذا المقال إطلاله على الحجاب بأبعاده المختلفه، إذ إن هذه القضیه ما تزال حیه وحاضره بتفاعلاتها وأصدائها فی مجتمعاتنا الإسلامیه کما فی غیرها من المجتمعات العالمیه.
المرأه ودورها کإنسان
قبل الحدیث عن الحجاب، نلقی الضوء على دور الإنسان فی الأرض کما جاء فی القرآن الکریم، فدور الإنسان، أرجلاً کان أم امرأه هو دور خلافه الله تعالى على الأرض: (وَإِذْ قَالَ رَبُّکَ لِلْمَلاَئِکَهِ إِنِّی جَاعِلٌ فِی الأَرْضِ خَلِیفَهً).
وقد وهبه تعالى المؤهلات التی تمکّنه من ممارسه دوره کخلیفه، من إراده وحریه وعقل واختیار.. فالرجل والمرأه یتمتعان بالمؤهلات نفسها التی تخولهما ممارسه دور الخلافه، فهما یتجهان نحو الهدف نفسه، إذاً فهما متساویان فی التکلیف الإلهی، ومتساویان فی الحساب، ولا فضل لرجل على امرأه ولا لامرأه على رجل إلاّ بالتقوى (یَا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاکُم مِّن ذَکَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاکُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاکُمْ).
أما التفاوت فی الخلقه فأمر طبیعی تتطلبه الحیاه واستمراریتها وتوازنها، وهذا التفاوت یقتضی توزیع الأدوار فی الحیاه دون المساس بإنسانیه الطرفین.
فالمرأه، بالإضافه إلى دورها الأساس (الخلافه فی الأرض) لها دور آخر تقتضیه طبیعتها الأنثویه (دور الزوجه، الأم)، ولتأدیه هذا الدور یجب أن تتمتع المرأه بمواصفات خاصه (أنوثه، رقه، حنان، عاطفه…).
والرجل أیضاً له دور آخر بالإضافه إلى دوره الأساس (الخلافه فی الأرض)، فإلى جانب کونه زوجاً وأباً مع ما یتطلب ذلک من مسؤولیات جسام، فإن ما یتطلب منه القیام به فی المجتمع یتناسب مع ذکورته من قوه وخشونه وصلابه ورجوله.
الحجاب دوافع وهموم
إنّ المرأه بحسب طبیعتها التی خلقها الله بها هی الإنسان الرمز للإثاره، وهی عاده تعیش حاله لا شعوریه تدفعها إلى إظهار مفاتنها لجذب انتباه من حولها فی حین لا یعیش الرجل مثل هذه الحاله إلاّ نادراً. من خلال هذه الأجواء انطلقت مسأله الحجاب فی الفهم الإسلامی، فالحجاب هو الحدّ المتعارف علیه فی الشرع الإسلامی من ستر جسد المرأه عند خروجها من المنزل أو عند ملاقاتها الرجال الأجانب (أی الذین لا یحلّ لهم النظر إلیها).
فالإسلام أراد أن ینظر الرجال إلى المرأه بصفتها إنسان لا أنثى تثیر غرائزهم، وهنا تبرز أمامنا مسأله الحجاب کمفهوم یدعو للنظر إلى المرأه ـ الإنسان بغضّ النظر عن الاختلاف فی تکوینها عن الرجل، فالأنوثه أمر ثابت فی ذاتیه المرأه، والإسلام لا یرید أن یلغی هذه الأنوثه عندها، بل یؤکد علیها أن تختزن أنوثتها فی شخصیتها، کما یختزن الرجل الذکوره فی شخصیته، ولکن حتى لا یؤدی النظر إلیها إلى تشابک بین ما هی علیه من إنسان، وما هی علیه من أنثى فی المواقع التی یجب أن تظهر فیها بقدراتها الإنسانیه من ثقافه وعلم وطاقات عقلیه، إلى ما هنالک من قدرات إنسانیه، نظّم لها عندئذٍ حرکه الأنوثه فی حیاتها وشخصیتها، بحیث لا تتحوّل الأنوثه عندها إلى قیمه أساسیه تُنسیها وتُنسی الآخرین قیمتها الإنسانیه، ولها مع ذلک کله أن تعبّر عن عمق الأنوثه الجسدیه مع زوجها من دون قید أو شرط، وهذا من شأنه أن یشبع الجانب العاطفی عندها. وهذا هو الدافع الأکبر لمفهوم الحجاب فی الإسلام، وبتعبیر آخر، هو إیجاد التوازن النفسی داخل المرأه، وإیجاد التوازن الأخلاقی داخل المجتمع.
مستتبعات الحجاب
إلى جانب الحجاب، یجب على المسلمه أن تتحلّى بمزایا أخلاقیه حمیده، وأن یکون حجابها مرآه لنفسها وروحها، ویجب أن یشی سلوکها الخارجی بمقومات شخصیتها، کأن تغضّ البصر (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ یَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) [النور: ۳۱]، وأن لا تخضع بالقول کتلیین الکلام وما یصحبه من غنج ودلال (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَیَطْمَعَ الَّذِی فِی قَلْبِهِ مَرَضٌ) [الأحزاب: ۳۲] کما إن المسؤولیه الملقاه على عاتق الفتاه المحجبه کبیره، إذ علیها أن تجاهد نفسها أسوه ببقیه المؤمنین، فتبتعد عن الغیبه والنمیمه والکذب والحسد، وأن تحرّم على نفسها ارتکاب الفواحش کالسرقه والزنا والقتل وأشباه ذلک. ویجب أن لا ترتاد أماکن اللهو المشبوهه.
وکم یُنظر إلى الفتاه المحجّبه بصفتها قدّیسه أو ملاک، وهذا یغایر الواقع، فالفتاه المحجبّه بشر من لحم ودم، یمکن أن ترتکب المحرّمات والأخطاء الشرعیه، إن هی ترکت نفسها من دون حسیب أو رقیب، أو أودعت عقلها جانباً لتحلّ مکانه الغرائز والشهوات، ومن المعلوم أن الحدود أو القصاص نزل فی مجتمع المدینه فی صدر الإسلام، أی فی المجتمع الذی فُرض فیه على النساء الستر، وهذا یعنی أن کل إنسان، أرجلاً کان أم امرأه، معرّض لارتکاب ما حرّم الله تعالى، بما فیهم الفتاه المحجّبه، ومن هنا کان القصاص مفروضاً على مجتمع المسلمین زمن الرسول صلى الله علیه وآله وصدر الإسلام، ولم تکن الفتاه المحجّبه بمنأى عن القصاص إن هی ارتکبت ما یوجب ذلک، لأنها لیست فوق البشر، ومن هنا کان دأب الإسلام حثّ المسلمین على التحلّی بالأخلاق الحمیده وتحصین أنفسهم بتقوى الله، وبالتالی تحصین المجتمع من الوقوع فی مستنقع الرذائل وما یستتبع ذلک من مفاسد تفکک ذلک المجتمع بدءاً بالفرد ومروراً بالأسره ثم بالمجتمع أجمع.
الحجاب وحریه المرأه
یعتقد البعض أن حجاب المرأه هو امتهان لکرامتها الإنسانیه، وفقدان لحریتها أو تقیید لها، وأن الرجل فی الإسلام یتمتع بحریته الکامله، ولکن هذا المنطق لیس له أی أساس فی الفکر الإسلامی، فکما أن المرأه فی الإسلام لا یجوز لها أن تظهر فی المجتمع بأنوثتها عن طریق إظهار مفاتنها، کذلک لا یمکن للرجل أن یظهر فی المجتمع بالجانب الذکوری، ولکن بما أن جاذبیه المرأه وطبیعه الإثاره فی جسدها أشد تأثیراً من جاذبیه الرجل وطبیعه الإثاره عنده، من هنا کان الحجاب بالصوره المفروضه على المرأه أوسع وأشمل من حجاب الرجل.
وإذا أُثیرت مسأله أن حجاب المرأه یمنعها من الاختلاط بالرجل، وبالتالی یحرمها من فرص کثیره فی المجتمع على مستوى طلب العلم والعمل، نقول إن الإسلام لم یحرّم الاختلاط مطلقاً، فلیس کل اختلاط محرّماً، إنما الاختلاط المحرّم هو ذلک الذی تؤدی أجواؤه إلى الانحراف، کما أن الإسلام فسح المجال للمرأه لتتعلّم وذلک من خلال قول رسول الله صلى الله علیه وآله : ((طلب العلم فریضه على کل مسلم ومسلمه))، فجعل طلب العلم واجباً على المرأه تماماً کما هو واجب على الرجل لکی تکون إنساناً بالمعنى الصحیح للإنسانیه. کما أن الإسلام یعتبر المرأه إنساناً مستقلاً، له احترامه وحقوقه. وهی تمتلک حریه القیام بأی عملٍ أحلّه الله تعالى.. مع مراعاه عدم الإخلال بواجباتها الزوجیّه التی یقتضیها تکامل وتوزع الأدوار بینها وبین الرجل فی إقامه صرح الحیاه الإنسانیه. وإذا ادّعى مدّع بأن الحجاب هو الذی یمنعها من القیام بدورها المعنی فی حقل العمل، فإن ذلک لیس له أی أساس فی المفهوم الإسلامی للحجاب، فالحجاب لا یعطّل أی طاقه من طاقات المرأه، فلها الحق فی أن تقوم بمسؤولیاتها کافه فی ما یمکن لها أن تمارسه فی نطاق ثقافتها وقدراتها التی تملکها فی ساحات العمل.
والتاریخ الإسلامی حافل بقصص الکثیرات من النساء المسلمات المجاهدات اللاتی شارکن فی الأعمال ومارسن أدواراً عظیمه فی حیاتهن، فهذه خدیجه بنت خویلد (رض) دعمت مسیره الإسلام بمالها، فکان هذا المال أحد الرکائز التی استطاع الإسلام الفتی الاتکاء علیه فی مکه والصمود بوجه المشرکین.
وهذه فاطمه الزهراء (علیها السلام) قامت بدورها فی نصره الحق والرساله حین دعت الحاجه إلى ذلک، أما الحوراء زینب (علیها السلام) بنت أمیر المؤمنین الإمام علی (ع) فقامت تدافع بجرأه عن الإسلام والحق حین رافقت أخاها الإمام الحسین (ع) إلى کربلاء.
وإذا کان الرسول صلى الله علیه وآله قد أخذ البیعه من الرجال، فإنه صلى الله علیه وآله أخذها أیضاً من النساء، کما کان صلى الله علیه وآله یصطحب معه النساء إلى المعارک لمداواه الجرحى وسقایه العطشى، وربما خاضت هؤلاء النسوه غمار المعرکه إذا دعت الحاجه إلى ذلک، مثلما فعلت نسیبه بنت کعب الأنصاریه، حتى امتدحها الرسول صلى الله علیه وآله أکثر من مرّه. والشیء نفسه قامت به سویده الهمدانیه فی المعارک التی خاضها الإمام علی (ع).
هذا غیض من فیض، فالتاریخ الإسلامی حافل بقصص الکثیرات من أمثال هؤلاء النسوه. أما الیوم فإن النهضه التی تشهدها المرأه فی مختلف أنحاء العالم الإسلامی، ومنه الجمهوریه الإسلامیه الإیرانیه، کافیه لإبطال دعاوى الأکاذیب والأباطیل بحق المرأه المسلمه المحجبه.
ونظره فیما تقوم به المرأه المسلمه المحجبه فی حاضرنا، تدلنا على وعی هذه المرأه بقضایا المجتمع المختلفه، جنباً إلى جنب مع القضایا الدینیه الخاصه.
کما تشهد المرأه المسلمه فی الوطن العربی والعالم الإسلامی نهضه کبرى ووعیاً لدورها فی کل مستویات الحیاه.. فهل یمکن لأحد بعد هذا أن یدّعی أن الدین الإسلامی ظلم المرأه حین فرض علیها الحجاب، وأنه جعلها أسیره المنزل، سجینه المطبخ، معزوله عن دورها فی المجتمع؟ وإذا کانت تصرفات المسلمین فی حقبات تاریخیه ماضیه، وحتى الیوم هی التی تعطی هذا الانطباع عن الفتاه المسلمه المحجبه، فینبغی لنا عند التعامل مع هذه الظواهر، التمییز بین الثوابت الإسلامیه المنطلقه من تشریع إسلامی لهذه المسأله، وبین التصرفات غیر الإسلامیه حتى ولو کانت منطلقه من المسلمین أنفسهم.
فالحجاب لا یؤدی ـ إذاً ـ إلى تضییع قدرات المرأه وتعطیل قواها الفکریه والنفسیه، وإلى الوقوف حجر عثره فی طریق تقدّمها العلمی والاجتماعی والاقتصادی. وإن ارتداء الحجاب فی المجتمع، ولا سیما فی أثناء العمل یمنع الآخرین من استغلالها کأنثى، مثلما یحصل للأخریات، فلا یکون جمالها وجسدها هو المعیار، بل المعیار هو ما تتقنه من أداء لدورها الإنسانی، وما تحققه على مستوى العلم والعمل. أما الموانع الاجتماعیه والنفسیه من عدم ارتداء کثیر من المسلمات، الحجاب فی العصر الحالی، ودور الغزو الثقافی والسیاسی للدول الأجنبیه فی إضعاف ظاهره الحجاب فی المجتمعات الإسلامیه، فنتحدث عن ذلک فی حلقه مقبله إن شاء الله.


برچسب ها :
، ، ، ، ، ، ،
دیدگاه ها

تعليقاتك