الإسلام وتجدد الحیاه

0 15

 لیس الإنسان هو الکائن الحی الوحید الذی یحیا حیاه اجتماعیه ، فکثیر من الحیوانات وخاصه الحشرات تحیا حیاه اجتماعیه أیضاً ، وتتبع مجموعه من المقرّرات والأنظمه الحکیمه ، ویحکمها التعاون وتوزیع الأعمال ، والإنتاج والتوزیع والأمر والطاعه .
فللنحل وبعض أنواع النمل والأرضه (۱) حضارات وأنظمه وتشکیلات لن یبلغها الإنسان إلاّ بعد سنوات بل قرون وهو أشرف المخلوقات .
وحضاره هذه الحیوانات عکس حضاره الإنسان فهی لم تمر بمراحل من قبیل عصر الغابه والعصر الحجری وعصر الحدید والصلب ، وعصر الذرّه . بل إنّها منذ أن وضعت أقدامها فی هذه الدنیا کانت لدیها نفس هذه الحضارات والتشکیلات التی لها الیوم ولم یتغیّر حالها أبداً . أمّا الإنسان فطبقاً للآیه الکریمه : (وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِیفاً) بدأت حیاته من الصفر وستستمر إلى ما لانهایه .
ومقتضیات العصر بالنسبه للحیوانات واحده على الدوام لا تتغیّر . ولیس لحب التجدّد وعباده الجدید معنى لدیها ، ولا یوجد عندها عالم جدید وآخر قدیم والعلم یکتشف لها کل یوم اکتشافاً جدیداً یغیّر أوضاعها ، والمصنوعات الخفیفه والثقیله لا تردّ أسواقها کل یوم بأشکال أحدث وأکمل . لماذا ؟ لأنّها تحیا بالغریزه لا بالعقل .
أمّا الإنسان فحیاته الاجتماعیه دائماً عرضه للتغیّر والتحوّل . ففی کل قرن تتغیّر حیاته ، وسرّ کون الإنسان أشرف المخلوقات یکمن فی أنّه ابن الطبیعه البالغ الرشید . وقد بلغ مرحله استغنى فیها عن قیمومه الطبیعه ورعایتها المباشره له باسم الغریزه . إنّه یحیا بالعقل ولیس بالغریزه .
إنّ الطبیعه قد اعترفت ببلوغ الإنسان وترکته حرّاً ورفعت عنه وصایتها . وإنّ ما ینجزه الحیوان بالغریزه والقانون الطبیعی الذی لا یقبل التمرّد ، ینجزه الإنسان بوساطه القوى العقلیه والعلمیه والقوانین الوضعیه والتشریعیه القابله للتمرّد ؛ وهنا یکمن سر الفساد والانحراف الذی یطرأ على مسیره التقدّم والتکامل الإنسانیه وسرّ التوقّف والانحطاط ، وسرّ السقوط والهلاک .
وکما أنّ طریق التقدّم والرقی مفتوح أمام الإنسان ، کذلک فإنّ طریق الفساد والانحراف والسقوط لیس موصداً بوجهه .
إنّ الإنسان قد بلغ المرحله التی سمّاها القرآن الکریم مرحله حمل الأمانه التی أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال . أی إنّه قبل الحیاه الحرّه ومسؤولیه التکلیف والقانون ، وهو لهذا السبب لیس مصوناً من الظلم والجهل ومن الخطأ وعباده الذات .
والقرآن الکریم بعد أن یبیّن الاستعداد العجیب للإنسان فی تحمّل أمانه التکلیف یصفه مباشرهً بصفتی : (الظلوم) و(الجهول) .
إنّ هذین الاستعدادین لدى الإنسان (استعداد التکامل واستعداد الانحراف) ینفکّان عن بعضهما . فالإنسان لیس کالحیوان الذی لا یتقدّم فی حیاته الاجتماعیه ولا یتأخّر ولا یذهب یمیناً ولا شمالاً ، ففی حیاه الناس تقدّم وتأخّر ، وإذا کانت فی حیاتهم حرکه وسرعه ففیها کذلک توقّف وانحطاط ، وإذا کان فیها تقدّم وتکامل ، ففیها أیضاً فساد وانحراف ، وإذا کان هناک عدل وخیر کذلک یوجد ظلم واعتداء ، وإذا کانت هناک مظاهر للعلم والعقل فکذلک توجد مظاهر للجهل والعبث .
والتغییرات والظواهر التی تستجد فی کل عصر یمکن أن تکون من النوع الثانی . 
الجامدون والجاهلون
 الإفراط والتفریط من جمله خواص الإنسان ، فهو إذا أراد أن یقف عند حد الاعتدال ؛ وجب علیه أن یسعى لفصل التغییرات التی هی من النوع الأول عن التغییرات التی هی من النوع الثانی … أن یسعى لتطویر العصر بقوّه العلم والابتکار والسعی والعمل … أن یسعى للانسجام مع مظاهر الرقی والتقدّم فی عصره ، ویسعى أیضاً للحیلوله دون وقوع الانحرافات العصریه واجتناب الاصطباغ بصبغتها .
لکن للأسف لیس الأمر دائماً کذلک ، فهناک مرضان خطیران یهدّدان الإنسان فی هذا المجال هما مرض الجمود ومرض الجهل . عاقبه المرض الأوّل التوقّف والسکون والتخلّف ، وعاقبه المرض الثانی السقوط والانحراف .
فالجامد ینفر من کل جدید ولا یأنس إلاّ بالقدیم ، والجاهل یبرّر کل جدید باسم مقتضیات العصر وباسم التجدد والرقی ، والجامد یعد کل جدید فساداً وانحرافاً ، والجاهل یحسب کل شیء على الحضاره والتقدم العلمی .
الجامد لا یفرق بین البذره والقشره ، ولا بین الوسیله والهدف ، فالدین فی نظره ملزم بحفظ الآثار القدیمه ، والقرآن فی نظره إنّما نزل من أجل أن یوقف حرکه التاریخ ویثبت أوضاع العالم فی أوضاعها التی هی علیها .
وفی نظره أنّه قراءه جزء عمّ ، والکتابه بالقصبه ، واستعمال محفظه قلم من الورق المقوى ، والغسل فی حوض الحمام القدیم ، وتناول الطعام بالید ، واستعمال مصباح نفطی والعیش فی الجهل والأمیّه … هی شعائر دینیه المحافظه علیها . والجاهل على عکس ذلک ، أنظاره مشدوده إلى العالم الغربی یرقب أی موضه جدیده ظهرت وأی عاده بدأت لیقوم فوراً بتقلیدها وإطلاق اسم الحتمیه التاریخیه علیها .
إنّ الجامد والجاهل کلیهما یفترضان أنّ کل وضع قدیم هو جزء من الشعائر الدینیه ، مع فارق أنّ الجامد یرى أنّ هذه الشعائر یجب حفظها ، والجاهل یرى أنّ الدین أساس یقترن بعباده القدیم وحب السکون والثبات .
فی القرون الأخیره ، کانت مسأله تعارض العلم والدین محل الجدل وأخذ ورد کبیرین بین شعوب الغرب . وفکره تعارض الدین والعلم لها جذران .
الأول : أنّ الکنیسه کانت قد تبنت مجموعه من المسائل العلمیه والفلسفیه القدیمه على أنّها قضایا دینیه یجب الاعتقاد بها ، ثم أثبت تقدّم العلوم خلافها .
الثانی : کون العلم قد غیر وجه الحیاه وطرق العیش .
إنّ المتدیّنین الجامدین بنفس الطریقه التی أضفوا بها على بعض المسائل الفلسفیه لوناً دینیاً ، حاولوا أن ینسبوا إلى الدین الشکل المادی الظاهر للحیاه فتصوّر الجاهل أنّ المسأله هکذا فی الواقع وأنّ الدین قد تبنّى صوره مادیه لحیاه الناس ، ولمّا کان الشکل المادی للحیاه ـ بفتوى العلم ـ یجب أن یتغیّر ، إذا اصدر العلم فتوى إلغاء الدین .
وعى هذا فالجمود بالدرجه الأُولى والجهل بالدرجه الثانیه جاءا بخرافه تعارض العلم والدین .
أمثال القرآن : الإسلام دین متطوّر ومطوّر ، والقرآن الکریم ـ من أجل أن یوجّه أنظار المسلمین إلى أن یکونوا دائماً فی حاله نمو وتکامل على ضوء الإسلام ـ یورد مثلاً واصفاً المجتمع المسلم فیقول : (کَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى‏ عَلَى‏ سُوقِهِ یُعْجِبُ الزّرّاعَ) (۲) .
هذا مثل للمجتمع الذی یریده القرآن ، ونموذج لما یأمله القرآن ، إنّه یخطّط للمجتمع لیکون دائماً فی حاله نمو وتوسّع وانبساط .
یقول (ویل دیورانت) : (لم یدع دین أتباعه إلى القوّه کما دعا الإسلام ، وتاریخ صدر الإسلام یریک إلى أی مدى استطاع الإسلام أن یبنی المجتمع من جدید ویدفعه إلى أمام) .
إنّ الإسلام یعارض الجمود کما یعارض الجهل ، والخطر الذی یهدّد الإسلام آت إمّا من هذه الفقره أو تلک . فالجمود وتحجّر الأدمغه والتمسّک بکل قدیم إضافه إلى أنّها لا تمتّ إلى الإسلام بصله ، فهی تعطی المبرّر للجهله من الناس لیتصوّروا أنّ الإسلام یعارض التجدّد بمعناه الحقیقی ، ومن ناحیه أُخرى فإنّ التقلید وعباده الموضه والتأثّر بالغرب والاعتقاد بأن سعاده شعوب الشرق تکمن فی أن یصبحوا أفرنجه جسماً وروحاً وباطناً وظاهراً وأن یقبلوا جمیع عاداتهم وآدابهم وسننهم ، وینسّقوا قوانینهم المدنیه والاجتماعیه بطریقه عمیاء طبق قوانین الغربیین ، کل هذا یمنح الجادین المبرّر لأن ینظروا بعین الریبه إلى کل جدید ویعدونه خطراً على دین واستقلال وشخصیه شعوبهم الاجتماعیه .
وبین هذا وذلک فإن الإسلام هو الذی یجب أن یدفع ثمن خطأ الفریقین .
فجمود الجامدین یمنح الجاهلین مجالاً للهجوم ، وجهل الجاهلین یزید الجامدین إصراراً على البقاء على عقائدهم الجامده .
العجیب أنّ هؤلاء الجهّال المتظاهرین بالتحضر یظنون الزمان (معصوماً) وهل تغیّرات الزمان والعصر الإنتاج جهود الإنسان ؟ فمنذ متى أصبح البشر معصومین عن الخطأ لکی تکون تغیرات العصر معصومه هی الأُخرى ؟
إنّ الإنسان کما یتأثّر بالمیول العلمیه والأخلاقیه والذوقیه والدینیه ویقوم فی کل عصر بابتکار ما یصلح حال البشریه ، کذلک یتأثّر بمیول عباده الذات وطلب الجاه ، والعبث الجنسی وحب المال والاستغلال . والإنسان کما یوفق أحیاناً إلى اکتشافات جدیده ویعثر على طرق وأسالیب علمیه جدیده کذلک یقع أحیاناً أُخرى ضحّیّه الخطأ والاشتباه لکن الجاهل لا یفهم هذا الکلام إنّما محور کلامه أنّ العالم الیوم کذا وکذا .
والأعجب من هذا أنّهم یقیسون مبادئ حیاتهم على الحذاء والقبعه والملابس . فکما أنّ من الحذاء والقبعه جدیداً وقدیماً وکما أنّه حین یکون جدیداً یکون ذا قیمه فیشترى ویحتذى فإذا قدم رمی بعیداً ، فحقائق العالم إذاً من هذا القبیل ، لیسل للجیّد والردیء ـ فی نظر هؤلاء الجاهلین ـ مفهوم غیر مفهوم الجدید والقدیم ، فالاقطاعی فی نظرهم ـ وهو الذی نصب نفسه مالکاً ظلما ، وجلس لتقوم بالعمل مئات الأیدی والسواعد من أجله ـ سیّئ لأنّه صار قدیماً یرفضه العالم الیوم ، مرحلته انتهت ، وقدمت موظته . أمّا فی الیوم الذی وجد فیه وخرج حدیثاً من القالب ، وعرض فی أسواق العالم فقد کان جیّداً .
فی نظر هؤلاء استغلال المرأه سیء ؛ لأنّ عالم الیوم لم یعد یعجبه ذلک ولا یرضى به . أمّا فی الأمس حیث لم یکونوا یورثون المرأه ، ولا یعترفون لها بحق التملّک ولا یحترمون إرادتها ورأیها فقد کان ذلک جیّداً ؛ لأنّه کان جدیداً فی وقته .
یعتقد هؤلاء الأفراد ، أنّ العصر بما أنّه عصر الفضاء فلا یمکن أن نترک الطائره ونرکب الحمار ، ونترک الکهرباء ونوقد المصباح النفطی ، ونترک معامل النسیج الضخمه وننسج بالید ، نترک مکائن الطباعه العملاقه ونکتب بالید ، وکذلک لا یمکن أن نترک المشارکه فی حلقات الرقص ، ولا نترک الذهاب إلى حفلات العری (إلاّ من المایو) أو حفلات الطعام الباذخه ولا نترک السکّر والعربده ، ولا نترک لعب القمار ولا نترک موضه الملابس القصیره فکل هذه من ظواهر القرن . وإن لم نفعل فقد رجعنا إلى عصر رکوب الحمیر . کم أدّت کلمه (ظاهره القرن) إلى تحطیم أفراد ، وکم قضت على عوائل تفوق الحصر .
یقولون : عصر العلم ، وقرن الذرّه ، وزمن الأقمار الصناعیه ، ومرحله الصواریخ عابره القارات . حسناً ، ونحن نشکر الله على أنّنا نعیش فی هذا العصر والزمان وفی هذا القرن والعهد ، ونأمل أن نفید أکثر فأکثر من مزایا العلوم والصناعات . ولکن هل نضبت العیون فی هذا العصر إلاّ عین العلم ؟ وهل جمیع ظواهر هذا القرن هی من نتائج التقدّم العلمی ؟ وهل یدعی العلم أنّ الطبیعه تجعل من شخص العالم شخصاً هادئاً ومطیعاً وإنسانیاً مئه فی المئه .
إنّ العلم لا یدعی مثل ذلک بالنسبه لشخص العالم ؛ إذ تجد أنّ مجموعه من العلماء ینهمکون فی البحث العلمی بکل صفاء وصدق نیه وتأتی مجموعات من طالبی الجاه وأصحاب الهوى وعباد المال لیستخدموا نتائج جهودهم من أجل نیل مقاصدهم الدنیئه ، وأنّ العلم لیئنّ بسبب استغلاله فی غیر وجوهه الإنسانیه لإرضاء الطبیعه المتمرّده للإنسان ، وما منشأ تعاسه هذا القرن ومصائبه إلاّ من ذلک .
علم الفیزیاء یتقدّم ویکتشف قوانین الضوء فتأتی مجموعه من النفعیین لیستخدموا ذلک فی إنتاج الأفلام التی تهدم الأُسره . وعلم الکیمیاء یتطوّر لیکتشف خواص العناصر المختلفه فیأتی بعض الأفراد لیستخدموا هذه الإمکانیه فی تهیئه ما یقتل روح الإنسان کالهیروئین . وینفذ العلم إلى باطن الذرّه ویطلق طاقتها العجیبه ، لکن قبل أن تستخدم أدنى استخدام لصالح الإنسانیه یهرع طلاّب الجاه والشهره لیصنعوا منها القنبله الذرّیّه العجیبه ویلقوها فوق رؤوس الأبریاء . حین أقاموا لـ (اینشتاین) عالم القرن العشرین العظیم احتفالاً تکریمیّاً ، قام هو ووقف خلف المنصّه وقال : إنّکم تحتفلون بعالم کان سبباً فی صناعه القنبله الذرّیه ؟!
إنّ اینشتاین لم یستخدم طاقته العلمیه من أجل أن تصنع القنبله الذرّیّه ، إنّما طلاّب الجاه هم الذین استخدموا علمه فی هذا المجال .
إنّ الهیروئین والقنبله الذرّیّه والأفلام المختلفه لا یمکن تبریرها بأنّها (ظاهره القرن) . فلو أنّ أقوى القنابل صبّت على رؤوس الأبریاء بواسطه أحدث أنواع القاذفات نتیجه لأحسن جهود العلماء ، فلن یقلّل ذلک من وحشیّه هذا العمل مقدار ذرّه .
 (3) الإسلام وتجدّد الحیاه
 إنّ کل ما یتذرّع به الداعون إلى اتباع النظم الغربیه فی الحقوق الأُسریه هو أنّ وضع العصر قد تغیّر ، وأنّ مقتضیات القرن العشرین تتطلّب ذلک ، فإذا لم نوضح نظرتنا فی هذا الباب ، فسیکون بحثنا ناقصاً . لکن لو أردنا أن نشبعه بحثاً وتحقیقاً فلن تستوعبه هذه المجموعه من المقالات ؛ إذ إنّ هناک مسائل کثیره یجب أن تُطرح وتبحث ؛ بعضها فلسفی وبعضها فقهی وبعضها الآخر أخلاقی واجتماعی . وآمل أن یتم ذلک فی الرساله التی أزمع إعدادها تحت عنوان : (الإسلام ومقتضیات العصر) والتی أعددت أوراقها الأساسیه . أمّا الآن فأکتفی بتوضیح أمرین :
 
الأوّل : التواؤم مع تغییرات العصر
 إن التواؤم مع تغیّرات العصر لیس بالبساطه التی یتصوّرها الأدعیاء الجهّال ویکثرون فیه الحدیث . فإنّ فی العصر تقدّماً کما أنّ فیه انحرافاً ، فیجب المضی قدماً مع تقدّم العصر ، ومحاربه الانحراف فیه . ومن أجل تشخیص هاتین المسألتین وفصلهما عن بعضهما ، یجب أن ینظر إلى الظواهر والحوادث العصریه من أین تنبع وإلى أین تجری ؟ کما یجب أن یحدّد من أی طبع فی الوجود الإنسانی ، ومن أی طبقه من طبقات المجتمع تصدر ؟ أمن الطباع والرغبات الخیّره والإنسانیه فی الإنسان ، أم من میوله الحیوانیه والدنیئه ؟ أهی صادره من العلماء وبحوثهم النزیهه أم عن العبث وطلب الجاه وعباده المال لدى الطبقات الفاسده فی المجتمع ؟ وهذا الأمر قد وُضّح فی المقالتین السابقتین .
 
الثانی : سرّ المرونه فی القوانین الإسلامیه
 أمّا الأمر الثانی الذی یجب توضیحه فهو أنّ المفکّرین الإسلامیین یعتقدون أنّ فی الإسلام سرّاً ورمزاً یمنحان هذا الدین القابلیه عن التکیف مع تطورات العصر . ویعتقدون أنّ هذا الدین یتماشى مع التقدّم العصری والتطوّر الثقافی والتغیّرات الناتجه عنهما . ولنعرف الآن ما هو هذا السر ؟ وبتعبیرٍ آخر ما هذه الروابط والفواصل التی تخلّلت بناء هذا الدین ومکّنته من التکیّف مع الأوضاع المتغیّره الناشئه عن تطوّر العلم والثقافه دون أن یصطدم بها ، أو أن یتخلّى عن أحد قوانینه من أجل الانسجام معها ؟ هذا هو ما سنوضحه فی هذه المقاله .
لقد فطن بعض القرّاء وفطنت أنا إلى أنّ هذه المسأله لها جانب فنّی وتخصّصی ویجب ألاّ تُطرح إلاّ على أهل الاختصاص .
ولکن نظراً لأنّ بین السائلین والمهتمّین بهذه المسأله کثیراً من المتشائمین الذین یصدقون أنّ الإسلام یمتلک مثل هذه الخاصیه ؛ لذا فسنبیّن منها ما یکفی لإقناع المتشائمین وما یصلح نموذجا جیّداً أمام الآخرین .
ومن أجل أن یعلم القرّاء المحترمون أنّ مثل هذه البحوث لم تکن خافیه على علماء الإسلام ، فلیراجعوا الکتاب النفیس المسمّى (تنبیه الأُمّه) تألیف العلاّمه المرحوم آیه الله النائینی (أعلى الله مقامه) والمقاله القیّمه (ولایت وزعامت) أی : (الولایه والزعامه) للأُستاذ والعلاّمه الکبیر المعاصر السید الطباطبائی (مدّ ظله) (۳) فی کتاب (مرجعیت وروحانیت) أی (المرجعیه ورجال الدین) وکلا الکتابین باللغه الفارسیه .
إنّ السرّ فی انسجام الدین الإسلامی المقدّس ـ بقوانینه الثابته التی لا تقبل الغییر ـ مع التطوّر الحضاری والثقافی ومواءمته للصور الحیاتیه المتغیّره یکمن فی عدّه أمور.
ـــــــــــــــــ
(۱) الأرَضَه بالتحریک : دوده بیضاء شبه النمله تظهر فی أیام الربیع فمنها صغار وهی آفه الخشب خاصه ، ومنها کبار مثل کبار النمل ذوات أجنحه وهی آفه کل شیء من خشب ونبات ، غیر أنّها لا تعرض للرطِب . (لسان العرب ، ج۷ ، باب المعجمه ، فصل الألف) .
(۲) سوره الفتح ، الآیه ۲۹ .
(۳) توفّی العلاّمه الطباطبائی عام ۱۴۰۲هـ ، الموافق لعام ۱۹۸۱م .

Leave A Reply

Your email address will not be published.