الاستقلال الاجتماعی للمرأه

0 11

الاستقلال فی تقریر المصیر
 جاء فی المرسل عن ابن عبّاس (رض) أنّ جاریه بکراً جاءت النبی (صلّى الله علیه وآله) فقالت :
(إنّ أبی زوّجنی من ابن أخ له لیرفع خسیسته وأنا له کارهه .
ـ أجیزی ما صنع أبوک .
ـ لا رغبه لی فیما صنع أبی .
ـ فاذهبی فانکحی مَن شئت .
ـ لا رغبه لی عن ما صنع أبی ، ولکن أردت أن أعلم النساء أن لیس للآباء فی أُمور بناتهم شیء) .
أورد هذه الروایه الشهید الثانی فی المسالک ، وصاحب الجواهر (۱) ، وغیرهم من الفقهاء نقلاً عن العامّه .
فی الجاهلیه العربیه ـ کما فی الجاهلیه غیر العربیه ـ کان الآباء یعطون لأنفسهم الولایه المطلقه على البنات والأخوات ، وحتى الأُمّهات فی بعض الأحیان ، ولا یعترفون لهنّ بأیّ حق فی اختیار الزوج ، وهذا الاختیار ـ فی تصوّرهم ـ حق مطلق للأب أو الأخ وعند عدم وجودهما ، فالولایه للعم ، وقد بلغت الولایه على النساء فی التزویج إلى حدّ أنّ بعض الآباء کانوا یزوّجون بناتهم قبل ولادتهن ! فإذا وُلدت البنت وجدت مَن ینتظرها لیأخذها زوجه له بعد أن تکبر .
التزویج قبل الولاده
فی آخر حجّه حجّها رسول الله وبینما کان راکباً وبیده سوط اعترض طریقه رجل وقال له :
ـ أشکو إلیک یا رسول الله .
ـ قل
ـ قبل سنوات وفی الجاهلیه اشترکت مع طارق بن مرقع فی أحدى المعارک فاحتاج طارق فی أثناء القتال إلى سهم فنادى : مَن یعطینی سهماً ویأخذ أجره ؟ فتقدّمت منه وقلت له : وما أجره ؟ قال : أعدک أن أعطیک أول فتاه تولد ، فقبلت وأعطیته السهم . ومرت الأیام والسنون حتى علمت أخیراً أنّ فی بیته فتاه ناضجه ، فذهبت إلیه وذکرته بالقضیه وطالبته بالوفاء بالوعد الذی قطعه ، لکنّه نکص وأخذ یتذرّع بالحجج وطالبنی بمهر وقد جئتک یا رسول الله لأرى هل الحق معه أم معی ؟
ـ وما عمر الفتاه ؟
ـ إنّها کبیره ، وقد ابیض بعض شعر رأسها .
ـ لیس الحق معک ولا مع طارق ، انصرف إلى عملک وخلّ سبیل هذه الفتاه المسکینه .
تحیّر الرجل وبقی ینظر إلى الرسول (صلّى الله علیه وآله) وهو غارق فی التفکیر فی أنّه أی حکم جائر هذا الذی أصدره الرسول (صلّى الله علیه وآله) ؟ … ألیست للآباء ولایه على بناتهم ؟ ولماذا یحق للأب أن یأخذ مهراً جدیداً ویعطی ابنته برضاه ؟
لکنّ الرسول (صلّى الله علیه وآله) أدرک من نظراته الحائره ما یدور فی ذهنه فقال له : (اعلم أنّک إن اتبعت قولی لن تأثم أنت ولن یأثم رفیقک طارق) .
مبادله البنات
 أمّا نکاح الشغار فقد کان مظهراً آخر من مظاهر الولایه المطلقه للآباء على بناتهم ، ونکاح الشغار هو مبادله البنات ؛ وذلک بأن یتفق رجلان على أن یزوّج کل منهما ابنته للآخر ، وتکون کل منهما مهراً بالنسبه للأُخرى ، لقد حرّم الإسلام هذا النوع من الزواج واعتبره باطلاً .
 الرسول (صلّى الله علیه وآله) ، منح ابنته الزهراء حرّیه اختیار الزوج
 لقد زوّج الرسول الأکرم (صلّى الله علیه وآله) عدداً من بناته دون أن یصادر حقّهن فی الاختیار ، وعندما خطب علی بن أبی طالب (علیه السلام) الزهراء (علیها السلام) من أبیها قال له الرسول (صلّى الله علیه وآله) إنّ رجالاً آخرین کانوا قد طلبوا یدها ، وأنّه (صلّى الله علیه وآله) سوف یأخذ رأیها فی الخاطب الجدید .
وذهب الرسول (صلّى الله علیه وآله) إلى ابنته الزهراء وأطلعها على الموضوع ، بید أنّ الزهراء لم تعرض هذه المرّه کما کانت تفعل من قبل بل عبّرت عن رضاها بسکوتها فخرج الرسول (صلّى الله علیه وآله) من عندها وهو یکبّر .
النهضه الإسلامیه للمرأه کانت نهضه بیضاء
لقد قدّم الإسلام أعظم الخدمات لجنس المرأه ، ولم یکن سلب الولایه المطلقه للآباء على بناتهم الخدمه الوحیده التی قدّمها الإسلام فی هذا المیدان . لقد منحها حریتها وشخصیتها واستقلالها الفکری واعترف بحقوقها الطبیعیه ، لکن هناک فرقین أساسیّین بین ما فعله الإسلام فی هذا السبیل وبیّن ما یجری فی بلاد الغرب ویقلّده الآخرون هنا .
الأوّل : من وجهه نظر علم النفس إذ صنع الإسلام المعجزات فی هذا المجال ، وسوف نبحث هذا الموضوع فی الفصول القادمه ونعطی نماذج له .
الثانی : یتمثّل فی أنّ الإسلام ـ وهو یعرف النساء بحقوقهن الإنسانیه ، ویعترف لهن بشخصیتهن وحریتهن واستقلالهن ـ لم یدعهن إلى التمرّد والعصیان والطغیان ضد جنس الرجال ، ولم یزرع فی نفوسهن التشاؤم منهم .
لقد کانت النهضه الإسلامیه النسویه نهضه بیضاء ، ولم تکن سوداء ولا حمراء ولا زرقاء ولا بنفسجیه ؛ فلم یقض الإسلام على احترام البنات لآبائهن والنساء لأزواجهن ، ولم یزعزع أسس البناء العائلی ، ولم یفسد نظره المرأه إلى الحیاه الزوجیه والأُمومه وتربیه الأطفال ، ولم یجعل المرأه متاعاً للعزّاب الذین یبحثون عن صید ، ولم ینتزع النساء من أحضان أزواجهن والفتیات من کنف أُمّهاتهن وآبائهن ویسلّمهن إلى المترفین من أصحاب المناصب العلیا ، لم یفعل الإسلام ما یؤدّی إلى ارتفاع صیحات الاستغاثه إلى السماء من الجانب الآخر من المحیط داعیه بالویل والثبور لانهیار کیان العائله المقدّس وفقدان الاطمئنان الأبوی : ماذا نفعل مع کل هذا الفساد ؟ ماذا نفعل مع قتل الأطفال وإسقاط الأجنّه ؟
وبنسبه الـ (۴۰%) من الولادات غیر الشرعیه لموالید یعرف آباؤهم ، وأُمّهات لا یرغبن فی تربیتهم ؛ لأنّهم لم یلدنهم فی بیوت یظلّلها حنان الآباء ، فیرمین بهم فی المؤسسات الاجتماعیه وتنقطع علاقتهن بهم إلى الأبد .
إنّ بلادنا محتاجه إلى نهضه نسائیه … نهضه إسلامیه بیضاء ، لا نهضه سوداء على الطریقه الأوروبیه … نهضه لا تتدخّل فیها الأیدی الدنسه لعباد الشهوات من الشبّان … نهضه تنبع فعلاً من التعالیم السامیه ولا تسخر القوانین الإسلامیه للأهواء والشهوات باسم تغییر القانون المدنی ، نهضه تقوم أوّلاً بالدراسه المنطقیه والمعمقه التی تهدف إلى معرفه مدى تطبیق التعالیم الإسلامیه فی المجتمعات التی تطلق على نفسها اسم الإسلام .
وإذ وفقنا الله تعالى لإکمال هذه المقالات وبحث النقاط الضروریه ، فسوف نعرض نتائج ومکاسب النهضه الإسلامیه للمرأه وسوف تجد المرأه الإیرانیه أنّ باستطاعتها القیام بنهضه حدیثه ـ مستقلّه ومنطقیه ـ تنبع من فلسفتها المستقلّه التی ظهرت قبل أربعه عشر قرناً من غیر أنّ تمدّ ید الضراعه إلى عالم الغرب .
إذن الأب
 المسأله المطروحه حول ولایه الآباء على بناتهم هی : هل تشترط موافقه الأب فی زواج ابنته البکر أم لا ؟
من وجهه النظر الإسلامیه هناک عدّه نقاط لا جدال فیها :
یتمتّع الابن والبنت ـ کلاهما ـ بالاستقلال الاقتصادی ؛ إذ یحق لکل منهما التصرّف فی أمواله أو الاحتفاظ بها إذا کان بالغاً عاقلاً ورشیداً أیضاً ، أی ناضجاً فکریاً من وجهه نظر المجتمع ، ولیس للأب أو الأم أو الزوج أو الأخ ، أو أی شخص آخر حق الإشراف علیهما ، أو التدخّل فی شؤونهما من هذه الناحیه .
وإذا بلغ الفتى سن الرشد وکان عاقلاً رشیداً فإنّه یملک أمره ، ولا یحق لأحد أن یفرض علیه شیئاً فی موضوع زواجه .
أمّا الفتاه فإنّها إن کانت ثیّباً فهی أیضاً تملک أمرها کما هو الحال بالنسبه للفتى . ولکن ما هو حکم الفتاه البکر التی ترید الاقتران برجل لأوّل مرّه ؟
لا شک فی أنّه لیست لأبیها علیها سلطه مطلقه ، ولا یحق له أن یزوّجها من یشاء بدون رضاها ، فقد رأینا کیف أنّ الرسول (صلّى الله علیه وآله) کان صریحاً فی جوابه للفتاه التی زوّجها أبوها بدون أن یأخذ رأیها ، إذ قال (صلّى الله علیه وآله) لها : بأنّها تستطیع ـ إن لم تکن راغبه بذلک ـ الزواج من غیره . إنّ الاختلاف الموجود بین الفقهاء ، یدور حول مسأله : ألاّ یحق للفتیات الباکرات الزواج بدون موافقه آبائهن ؟ أم أنّ موافقه الآباء لیست شرطاً فی صحّه الزواج فی أیّ حالٍ من الأحوال ؟
وهناک مسأله أخرى لا خلاف فیها أیضاً وهی : إذا لم یأذن الأب بزواج ابنته ولم یکن لدیه سبب معقول ، فإنّ ولایته تسقط ویحق للبنت أن تختار الزوج المناسب لها باتفاق کافّه الفقهاء .
أمّا هل تعتبر موافقه الأب شرطاً أم لا ؟ فقد قلنا بأنّ هناک اختلافاً بین الفقهاء حول هذه المسأله ، ولعلّ أغلبهم ـ وخصوصاً المتأخّرین ـ لا یعتبرون موافقه الأب شرطاً ، بینما یرى بعضهم أنّه شرط . وقانوننا المدنی یتقیّد برأی هذا البعض ؛ وهو الرأی الأقرب للاحتیاط .
وحیث إنّ هذه المسأله لیست من القضایا الإسلامیه الثابته ، فسوف لا أتناولها بالبحث من وجهه النظر الإسلامیه ، ولکنّی أرى ضروره بحثها من زاویه اجتماعیه ؛ إضافه إلى رأیی الشخصی الذی أرى فیه أنّ قانوننا المدنی قد نحا المنحى الصحیح فی هذه القضیه .
ـــــــــــــــــ
(۱) جواهر الکلام ، ج۲۹ ، ص۱۷۷ ، عن سنن ابن ماجه ، ج۱ ، ص : ۵۷۸ .

Leave A Reply

Your email address will not be published.