بحث حول مراحل معرفه الله تعالى

0

قال تعالى :  *(سَنُرِیهِمْ آیَاتِنَا فِی الآفَاقِ وَفِی أَنْفُسِهِمْ حَتَّى یَتَبَیَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ یَکْفِ بِرَبِّکَ أَنَّهُ عَلَى کُلِّ شَیْءٍ شَهِیدٌ ، أَلاَ إِنَّهُمْ فِی مِرْیَهٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِکُلِّ شَیْءٍ مُحِیطٌ)(فصلت/۵۴). الآیه الکریمه تبین لنا أربعه طرق لمعرفه الله تعالى : ۱- طریق الآفاق ۲- طریق الأنفس ۳- طریق الشهود ۴- الوصول أو اللقاء *الأوّل : السیر الآفاقی : وهو ما یسمى ببرهان النظم وخلاصته : أنَّ العالم مُنظَّمٌ و کُل کلٍ مُنَظَّم یفتقر إلى من یُنَظِّمه فالنتیجه: العالم یحتاج الى من ینظمه. وقد صرح القرآن الکریم بذلک فی آیات کثیره نشیر إلى آیتین فقط : ۱- (إِنَّ فِی خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّیْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْکِ الَّتِی تَجْرِی فِی الْبَحْرِ بِمَا یَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْیَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِیهَا مِنْ کُلِّ دَابَّهٍ وَتَصْرِیفِ الرِّیَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَیْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآیاتٍ لِقَوْمٍ یَعْقِلُونَ)(البقره/۱۶۴). ۲- (وَهُوَ الَّذِی أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ کُلِّ شَیْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاکِبًا وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِیَهٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّیْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَیْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَیَنْعِهِ إِنَّ فِی ذَلِکُمْ لآیاتٍ لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ)(الأنعام/۹۹). تلاحظ فی آخر الآیتین (لآیات لقوم یعقلون ، لآیات لقوم یؤمنون) فلا یمکن الوصول إلى معرفه الله إلا بالتعقل والتفکر ثم الوصول إلى الإیمان بل الیقین کما قال تعالى (وَفِی الأَرْضِ آیَاتٌ لِلْمُوقِنِینَ)(الذاریات/۲۰). (وَفِی أَنفُسِکُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ)(الذاریات/۲۱).
*الثانی :السیر الأنفسی : وهو من خلال التعرّف على النفس وخصوصیاتها : فینبغی للإنسان السالک هو أن یعرف نفسه حیث أنه قال النبی صلى الله علیه وآله (من عرف نفسه فقد عرف ربه ) فالعارف لنفسِه یکشف من عرفانه هذا أنه قد عرف ربَّه قبل ذلک و من ناحیه أخرى یقول سبحانه : (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) الحشر ۱۹ و المفروض أن لا ینساه الله (وما کان ربُّک نسیاً) ولکن هذا یفتقر إلى شرطٍ وهو أن یذکر الإنسانُ ربَّه (اذکرونی أذکرکم). قال علی علیه السلام (المعرفه بالنفس انفع المعرفتین أو أنفع المعارف) و السر فی ذلک یکمن فی أمور کثیره نذکر أمرین منها:- الأوّل:- إنه لو أردنا أن نعرف الله من خلال الآیات الآفاقیه و النظم فی الطبیعه فنحن قد استطعنا أن نجتاز مرحلهً واحدهً فحسب وهى معرفه الله. ولکن هذه الأسلوب سوف یترک لنا سؤال وهو:- *کیف نؤدِّى مسئولیاتنا و وظائفنا قبال الله ؟ وأمّا لو سلکنا من أول الأمر المسلک النفسانى و دخلنا فی ساحه النفس و شئوناتِه سوف نتعرف على الأعداء و نمیزهم عن غیرهم فی عملیه واحده. الثانی:- المعرفه من خلال الآفاق تختلف عن المعرفه من خلال النفس حیث أن المعرفه الآفاقیه تفتقر إلى تشکیل استدلال بذکر مقدمتین و من ثم الاستنتاج و أمَّا لو ورد الإنسان من خلال معرفته لنفسه فلا یحتاج إلى أیِّ نوعٍ من المقدَّمات بل سوف یصل إلى ربِّه بالشهود و العیان ومن هنا قد وردت أحادیث کثیره تؤکِّد على المعرفه المباشره . (… عن ابى حمزه الثمالى انه قال کان على بن الحسین صلوات الله علیهما ….یقول … وان الراحل الیک قریب المسافه و انک لا تحجب عن خلقک و لکن تحجبهم الاعمال السیئه دونک )البحار ج ۹۸ ص ۸۲ روایه ۲ باب ۶ ثمّ إن النفس لیست مادیه بل هی مجرّده وقد استدل على ذلک بأدلّه کثیره : منها: أن خصائص النفس و آثارها و أفعالها على النقیض من خصائص الأجسام و آثارها و أفعالها و هذا دلیل على أن النفس لیست جسما. ومنها: إن الجسم ترتسم فیه الصوره المتناهیه. أما فی النفس فترتسم الصور غیر المتناهیه. و لهذا فهی تحکم على الأمور غیر المتناهیه. والجدیر بالذکر : أن النفس لا تأخذها سنه ولا نوم بدلیل أن الإنسان حین الیقظه تکون نفسه یقظه وحین النوم أیضاً کذلک فیرى فی المنام رؤى صادقه حیث أن النفس حینئذٍ تنتقل إلى عالم الملکوت فتسیر فی عالم الأرواح فتشاهد الحقائق … فمتى تنام ؟ هذه صفه من صفات الله تعالى حیث قال سبحانه (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَیُّ الْقَیُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَهٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ) من هنا نعرف معنى قوله تعالى (فَإِذَا سَوَّیْتُهُ وَنَفَخْتُ فِیهِ مِنْ رُوحِی فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِینَ) (الحجر/۲۹).
*الثالث: المعرفه الشهودیه : وهذه الطریقه هی التی أکّد علیها أئمتنا الأطهار علیهم السلام کما فی قول افمام الحسین علیه السلام فی دعاء عرفه : وهو الدعاء الذی یقول عنه السید الإمام رضوان الله تعالى علیه فی وصیته : (نحن نفخر أن تکون منّا المناجات الشعبانیه للأئمه، ودعاء عرفات). قال الإمام الحسین علیه السلام: ( اِلهى تَرَدُّدى فِى الاْثارِ یُوجِبُ بُعْدَ الْمَزارِ، فَاجْمَعْنى عَلَیْکَ بِخِدْمَه تُوصِلُنى اِلَیْکَ، کَیْفَ یُسْتَدَلُّ عَلَیْکَ بِما هُوَ فى وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ اِلَیْکَ، اَیَکُونُ لِغَیْرِکَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَیْسَ لَکَ، حَتّى یَکُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَکَ، مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ اِلى دَلیل یَدُلُّ عَلیْکَ، وَمَتى بَعُدْتَ حَتّى تَکُونَ الاْثارُ هِىَ الَّتى تُوصِلُ اِلَیْکَ، عَمِیَتْ عَیْنٌ لا تَراکَ عَلَیْها رَقیباً، وَخَسِرَتْ صَفْقَهُ عَبْد لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّکَ نَصیباً، اِلهى اَمَرْتَ بِالرُّجُوعِ اِلَى الاْثارِ فَاَرْجِعْنى اِلَیْکَ بِکِسْوَهِ الاَْنْوارِ، وَهِدایَهِ الاِْسْتِبصارِ، حَتّى اَرْجَعَ اِلَیْکَ مِنْها کَما دَخَلْتُ اِلَیْکَ مِنْها، مَصُونَ السِّرِّ عَنِ النَّظَرِ اِلَیْها، وَمَرْفُوعَ الْهِمَّهِ عَنِ الاِْعْتِمادِ عَلَیْها، اِنَّکَ عَلى کُلِّ شَىء قَدیرٌ) وإلیه أشار الامام زین العابدین علیه السلام بقوله 🙁 بک عرفته وأنت دللتنى علیک ،ودعوتنى إلیک ،ولولا أنت لم أدرما أنت) . وفی الحدیث عن أبی عبدالله علیه السلام قال : قال أمیرالمؤمنین علیه السلام : (إعرفوا الله بالله ، والرسول بالرساله ،واولی الامر بالمعروف والعدل والاحسان ) وهذا الطریق هو ما یسمّى ببرهان الصدیقین وهو أشرف البراهین وأسدها ،وهو الاستدلال به تعالى علیه ،والاستشهاد بذاته تعالى على صفاته ،وبصفاته على أفعاله * النور: ومن أفضل وأدّق الأمور التی یمکن من خلالها الوصول إلى الله تعالى هو آیه النور حیث یقول سبحانه ( الله نور السماوات والأرض) ولیس مُنوِّر السماوات والأرض حیث أنَّ الآیه صریحه بأن الله نور، فمإذا تعنی هذه الآیه المبارکه ؟ إنّ السماوات والأرض التی تشیر إلى جمیع الکون سواء المُنَور منه أو غیر المنور ، أعماق الأرض أو سطح الأرض أو الکواکب المنوره التی لا تصل إلیها نور الشموس کلها لها نور ، نورُها هو الله سبحانه وتعالى . *مقطع من دعاء الجوشن : وقد ورد فی دعاء جوشن الکبیر : (یا نور النور یا منور النور یا خالق النور یا مدبر النور یا مقدر النور یا نور کل نور یا نورا قبل کل نور یا نورا بعد کل نور یا نورا فوق کل نور یا نورا لیس کمثله نور). * شرح : * ( یا نور النور ) فالله سبحانه وتعالى هو نور النور باعتبار إن النور لا یکون نوراً إلا إذا کان موجوداً ولم یکن النور نوراً إلا لأن الوجود نور ، وکل شیء سوى النور هو الظلمه و العدم ، فنور النور هو الله سبحانه وتعالى . * ( یا منور النور)إذا کان نور النور هو الله سبحانه وتعالى فمنور النور أیضاً هو الله . * ( یا خالق النور) ( یا مدبر النور) ( یا مقدِّر النور) باعتبار أن النور الحسی له قَدَر فمهما تصورنا النور الحسی فبالأخیر سوف ینتهی أمد هذا النور من ناحیه الزمان فلیس هو أزلی ،وتنتهی سعه هذا النور من ناحیه المکان فهناک أماکن لا یصل إلیها نور الشمس.
* (یا نور کل نور ) ( یا نوراً قبل کل نور ) ، ( یا نوراً بعد کل نور ) لأن کل هذه الأنوار لم تتنور إلاّ بالنور المطلق الذی هو الله سبحانه وتعالى وهو الوجود المطلق الذی لا حدّ له فالأشیاء بما أنّها موجوده تنورت، فالبرکه کلها فی الوجود حیث أنّ نورانیه النور من الوجود ، فجمال الجمیل من الوجود ، وقدره القادر من الوجود * (یا نوراً فوق کل نور ) ، ( یا نوراً لیس کمثله نور ) کل هذه العبارات واضحه. أیضا قد اتضح لنا قول الإمام علیه السلام ( یا من له نورٌ لا یَطْفى ) باعتبار أن جمیع الأنوار تنطفئ لأنها محدوده لأنَّ کلّ ما له حد فهو متغیر ، وکل متغیر حادث أی لم یکن وکان فلیس وجوده من نفسه بل هو محتاج والنتیجه أنّ کل شیء محدود فهو فقیر ، وکل فقیرٍ محتاج فالنور الذی لا یطفئ و لا یعتریه العدم هوالوجود المطلق وهو الله سبحانه وتعالى . قال علی علیه السلام فی دعاء کمیل ( وبنور وجهک الذی أضاء له کل شیء ) فمن المستحیل أن ینطفئ النور المطلق (یُرِیدُونَ أَنْ یُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَیَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ یُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ کَرِهَ الْکَافِرُونَ)(التوبه/۳۲). ( کل من علیها فان ، ویبقى وجه ربک ) قال تعالى : ( قل أیُّ شىء أکبرُ شهادهً قل الله ) وقال (… هُوَ کُلُّ شَیْءٍ هَالِکٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُکْمُ وَإِلَیْهِ تُرْجَعُونَ)(القصص/۸۸
*أهل البیت علیهم السلام تجل لنور الله : وقد تجلّى هذا النور فی أهل البیت علیهم السلام فهم وجه الله ، وقد ورد فی زیاره الإمام الحسین علیه السلام : (اشهد انک نور الله الذى لم یطفا و لا یطفا ابدا و انک وجه الله الذى لم یهلک و لا یهلک ابدا) و قال علی بن الحسین (علیهما السلام): نحن الوجه الذی یؤتى الله منه ، ولابد من أن یتوسّل الإنسان بوجه الله کی تشمله النعم الإلهیه فی الدنیا والآخره قال تعالى : *(وَمَا ِلأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَهٍ تُجْزَى ، إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ، وَلَسَوْفَ یَرْضَى )(اللیل/۱۹-۲۱).
*الرابع : الوصول إلى اللقاء : وهذه المرحله لا نصل إلیها نحن الضعفاء بل هی لأولیاء الله علیهم السلام قال تعالى : (یَا أَیَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّهُ ، ارْجِعِی إِلَى رَبِّکِ رَاضِیَهً مَرْضِیَّهً ، فَادْخُلِی فِی عِبَادِی، وَادْخُلِی جَنَّتِی )(الفجر/۲۷-۳۰). والآیه نزلت فی سید الشهداء أبی عبد الله الحسین علیه السلام ، واللقاء یعنی مشاهده جمال الحق وجلاله لا الإحاطه بالذات المقدّسه فهذا غیر ممکن کیف وهو تعالى یقول : (أَلاَ إِنَّهُمْ فِی مِرْیَهٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِکُلِّ شَیْءٍ مُحِیطٌ)(فصلت/۵۴). فالمحیط بکلّ شیء هو الله تعالى حیث وسع کرسیه السماوات والأرض ، فلو رفع المؤمن الحجب بینه وبین الحق لوصل إلى مستوى من الدنو حیث قال تعالى (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ، فَکَانَ قَابَ قَوْسَیْنِ أَوْ أَدْنَى)(النجم/۸،۹). فی الحدیث الشریف “إنَّ رُوحَ المُؤْمِنِ لأَشَدُّ اتِّصالاً بِرُوحِ اللهِ مِنْ اتِّصالِ شُعاعِ الشَّمْسِ بِهَا”وفی دعاء الکمیل ” فـَهـَبـْنی صـَبـَرْتُ عَلى عَذابِکَ فَکَیْفَ أصْبِرُ عَلى فِراقِکَ” وفی المناجاه الشعبانیه (إلهی هَبْ لِی کَمَالَ الانْقِطَاع إلَیْکَ، وَأَنْرَ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِیاءِ نَظَرهَا إلَیْکَ، حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ القُلُوبِ حُجَبَ النُّورِ، فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ العَظَمَهِ، وَتَصیرَ أَرْوَاحُنَا مُعَلَّقَهً بِعزِّ قُدْسِکَ).

Leave A Reply

Your email address will not be published.