موقع الإمام المهدی (عجّل الله فَرَجه) فی عملیه التغییر

0

الأمر الذی أضفى على حرکه المجتمع البشری ـ وعلى مدى التاریخ ـ طابع الشهوانیه والعدوان, فکانت المحصله الحضاریه على مستوى العقائد والسیاسه والتشریع والآداب مملوءه بفیض ذلک الطابع, ومبرزه لمدى السقوط والانحراف الذی عایش تلک المجتمعات.
من أجل ذلک یعتبر( التغییر) باتجاه الخیر, وتهذیب تلک النوازع وإصلاحها الهدف الأساس لدعوه کل نبی أرسله الله تعالى, وبالأخص الأنبیاء الکبار الذین عایشوا الحضارات الکبرى, وبعثوا فی الأوقات الحرجه والحاسمه من تاریخ الإنسانیه, فواجهوا بکل قوه مظاهر الانحراف الفردی والاجتماعی, وعملوا جاهدین على إحلال قیم الخیر والفضیله ومبادئ الحق والعدل, ومن ثم إنشاء مجتمعات موحده مؤمنه تعتبر البدیل الأفضل والأمثل للمواصفات والمفاهیم القائمه.
وقد واکبت إراده الإصلاح والتغییر إراده البغی والانحراف, فهما تصطرعان أبداً على مدار تاریخ البشر فی کل زمن وفی کل قطر وفی قلب کل حضاره, فیفرز کل صراع بین جیلین أجیالاً أخرى جدیده تتابع المسیره وتستمر فی المواجهه. وکان المجتمع البشری فی ظل هذا الصراع یسیر باتجاه الذروه , فالأنبیاء (سلام الله علیهم) والمؤمنون بهم ینجحون مره , وینهزمون أخرى, ویمحصون بین هذه وتلک فیطورون أسلوب المواجهه وعدتها, وینتقلون من مرحله إلى مرحله, والمجرمون وأتباعهم ـ أیضاً ـ یتفننون فی الکید والمکر فینجحون وینهزمون وینتقلون من مرحله إلى مرحله , فکل من المؤمنین والمنحرفین کان یقوى بهذا الصراع وینمو حتى یصل فیه إلى الذروه فی النضج والوضوح والإصرار.
ویتأکد هذا الأمر عند ملاحظتنا تطور المواجهه على مستوى الأنبیاء (علیهم السلام) , فمنذ آدم (علیه السلام) وحتى طوفان نوح (علیه السلام)اقتصرت الدعوه الإلهیه على التعلیم والتوجیه والتحذیر فی ظل توزع أبناء آدم فی مواطن مختلفه وتأسیس کل واحد منهم لأسره کانت تتحول إلى شعب بعد عده قرون , حیث یبدو أنه لم تکن قد نشأت کیانات قویه أو دول , ولا وصل الصراع بین المنحرفین عن تعالیم آدم (علیه السلام) والمؤمنین بها إلى حد الصراع المسلح أو الحرب , وکانت ذروه الإصرار قد تجلت فی استمرار نوح (علیه السلام) یدعو إلى الحق عشره قرون, ومواجهه قومه لدعوته بالإصرار على الباطل طوال هذه المده , فانتصر الحق بالطوفان.. وبنشوء مجتمع الثمانین المؤمنین , وانطلاقه التوحید فی مجتمع ما بعد الطوفان , حیث شهدت هذه المرحله انطلاقه التاریخ وقیام الحضارات.
فیما نلاحظ فی مرحله نبوه إبراهیم (علیه السلام) وقیام الدوله الیهودیه فی أیام داود وسلیمان (علیهما السلام) والى بعثه النبی محمد  (صلى الله علیه وآله وسلم) أنها تمیزت بخطاب تبلیغی أقوى موجه إلى الحکام والدول , وأن التحدی اشتد وتمثل بضروره قیام دوله مؤمنه من أجل حمایه مکتسبات الدعوه الدینیه ونشرها فی رقعه أکبر وتحطیم وتقلیص القوى والدول الوثنیه.
 
مرحله الإسلام:
أما المرحله الإسلامیه فإنها تمیزت باعتماد الجهاد قریناً للکلمه , ووصول الصراع إلى درجه الذروه , إذ کانت معظم الحضارات القدیمه قد تآکلت وتقوضت, والحضاره الفارسیه لم تصمد کثیراً أمام الإسلام الذی سرعان ما استوعبها ونشر لواءه فی جمیع ربوعها, کما أن الحضاره الرومانیه قد انحسر نفوذها وتقلص ثم ظل یتقلص حتى صارت دویله غیر ذات شأن فی عالم القرون الوسطى , بینما تعاظم الإسلام وتعاظم حتى أصبح القوه الأولى والحضاره الرافده للعالم کله على مدى قرون عدیده.. بل على مدار القرون السالفه. هذا التصاعد فی حرکه الصراع مرکز فعالیه التغییر على القوه, فکلمه الحق وإن کانت نافذه ومقنعه.. بل وضروریه لدین یهدف إلى حدوث التغیر العمیق والراسخ , وهو لا یحصل إلا بالقناعه ,ولکن الکلمه إنما تنفع فی معظم الأحیان الأفراد, وتحدث تغیّراً متناثراً غیر فاعل فی مظاهر الانحراف الکبرى والمجتمعات المتلوثه به, بینما تمثل القوه الرادع الذی یطال المظهر العام, والذی یسحب تأثیره الشامل على جمیع جوانب الحیاه , إن مظاهر الانحراف وشیوعه فی أمه من الأمم تقوم فی غالب الأحیان على الحماسه والانفعال وحب التقلید وانعدام المثل أو ضعفها, فإذا تقدم الحق بقوه وبرز سلطانه فی الأمه, ورکز القیم الفاضله, ونشرها, فسوف تنحسر موجه الانحراف فوراً وتتراجع أمام نقاء الحق وسطوعه.
 
فکره الدوله الدینیه:
من هنا فإن فکره الدوله لیست مقحمه ولا ناشزه فی الفکر الدینی بل هی ـ بما تمثل من حمایه للحق وترکیز له ـ منسجمه تماماً مع أهداف الدین الکبرى ومع حرکته التاریخیه, کما أن تراکم تلک الانجازات التاریخیه للدین حتى یومنا هذا إنما تصب فی الهدف الأصلی الذی هو سیاده الإسلام وظهوره على الدین کله.. حتى یصل إلى کل رکن والى کل إنسان فی هذا العالم فیحرره من طغیان الشهوه , ومن طغیان الظلم , ویستقیم العالم کله فی منظومه ربانیه عادله.
 
دور الإمام المهدی (عجّل الله فَرَجه):
ومن هنا فإن موقع الإمام الحجه (عجّل الله فَرَجه) فی عملیه التغییر على درجه عالیه من التمیز والفراده , لأنه هو الذی سوف یقود عملیه المواجهه الفاصله والأخیره من أجل الإجهاز على الباطل واستئصاله بجمیع ما یتجلى به من کیانات البغی والانحراف, ولأن الأسلوب الذی سوف یستخدمه یکاد ینحصر بالسیف بوصفه رمزاً للقوه و الحاکمیه , وإن العالم ـ حینئذ ـ لن یتغیر على طبق الإراده الإلهیه إلا إذا تمت تصفیه الکیانات الکبرى الحاکمه التی ترعى الفساد والجور, وتنثره فی ربوع البلاد المستضعفه المقهوره, ثم استبدالها بکیانات الحق اللائقه بالحکم ونشر الصلاح والعدل.
ولذلک فإن الإمام الحجه (عجّل الله فَرَجه) سوف یشکل الذروه التی سوف تصل إلیها المواجهه , والانتصار الکامل الموعود, والأمل التاریخی الذی رافق جهاد الأنبیاء ونشاطهم على مدى القرون, والوریث لجمیع الإنجازات التی کانت تتحقق تباعاً وتمهد لهذا الوارث العظیم الجلیل, ولهذا الحدث الأعظم, کما أنه سوف یکون الشخصیه الأکثر إثاره, والأعظم أهمیه فی تاریخ الدین والعالم على الإطلاق, مضافاً لما یعکسه ذلک من تمیز وفراده فی الصفات والقابلیات بوصفه حامل هذا الإرث الضخم, ومحقق ذلک الإنجاز العظیم. وإذا کانت الذروه المرحلیه التی وصل إلیها موسى (علیه السلام) فی مواجهته للحضاره الفرعونیه الأقوى فی ذلک الزمان .. هی التمکین فی الأرض, وانبثاق کیان التوحید , وقیام دوله الحق فی ظل الدیانه الیهودیه , فی قوله تعالى: (وَنُرِیدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِینَ اسْتُضْعِفُوا فِی الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّهً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِینَ *  وَنُمَکّنَ لَهُمْ فِی الْأَرْضِ وَنُرِیَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مّا کَانُوا یَحْذَرُونَ) القصص / ۵ ـ ۶ .
فإن ذروه المواجهه من أجل تغییر العالم بنحو نهائی قد تمثلت فی مواجهه الإسلام لحضارت زمانه, وانتصاره علیها على مرحلتین:
 الأولى : انهیار الحضاره الفارسیه والرومانیه فی العصر الإسلامی الأول وما تلاه.
 والثانیه : انهیار الحضاره الحدیثه التی یتمثل فیها تراث الأقدمین من الفساد وذروه الانحراف العالمی .. فی عصر الإمام الحجه (عجّل الله فَرَجه) , لیکون الانهیار الأخیر للباطل, والقیام الدائم لدوله الحق والهدى,
وذلک کما فی قوله تعالى: ( هُوَ الّذِی أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى‏ وَدِینِ الْحَقّ لِیُظْهِرَهُ عَلَى الدّینِ کُلّهِ وَلَوْ کَرِهَ الْمُشْرِکُونَ ) الصف / ۹٫
وفی قوله تعالى (وَلَقَدْ کَتَبْنَا فِی الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّکْرِ أَنّ الْأَرْضَ یَرِثُهَا عِبَادِیَ الصّالِحُونَ) الأنبیاء/۱۰۵٫
ولا شک أن التغیر الذی سوف یحدث فی عصر الظهور المبارک سوف یکون على درجه عالیه من الشمول والنقاء , إذ إنه سوف یضع الإسلام من حیث السداد الذی یتمتع به فی عقیدته وشریعته فی المرتبه الأولى من الظهور والحاکمیه والمقبولیه , کما وأنه سوف تنجلی عنه جمیع الشوائب التی ألصقت أو التصقت بالإسلام بسبب غیاب المعصوم الحافظ له, کذلک سوف یتم تطبیقه ومعرفته بدرجه واسعه, کما سوف یشیع العدل لیعم البراری والقفار, بل سوف ینعکس هذا التغیر حتى على الطبیعه فتظهر الأرض خیراتها وبرکاتها, وهو إنجاز فی التغییر لم یحدث قط على مستوى العالم عدا بقاعاً محدوده فیه وفی أزمنه خاصه .. من جهاد الأنبیاء والأوصیاء والأولیاء.
وفی أیامنا هذه حیث المواجهه محتدمه بین الإیمان والکفر, فإننا نعتبر أن کل بروز لحرکه الإیمان فی أی بقعه من الوطن الإسلامی أو من العالم یسعى إلى تقویض کیان الباطل والثوره علیه , إنما هو خطوه باتجاه الظهور المبارک ومقدمه له, وذلک ـ لدى استشراف معمق له ـ یعطی صوره قویه الوهج عن مدى التقدم الذی یحرزه المسلمون على صعید الصحوه المیمونه والانبعاث المجید , فإن فیما یحدث لخیراً کثیراً.. وإنها تصب فی تلک اللحظه المقدسه التی نأمل قرب حدوثها . داعین الله تعالى أن یجعلنا من أنصاره وأعوانه إنه سمیع الدعاء.

Leave A Reply

Your email address will not be published.