شهر محرم الحرام و تاریخ العزاء الحسیني علیه السلام
شهر محرم الحرام و تاریخ العزاء الحسیني علیه السلام
کلما بدت طلعه العام الهجری تذکّر المسلمون ببالغ الأسى و عظیم التأثر مصارع آل الرسول و أهل بیته و ما أمعنه الجیش الأموی فیهم من القتل و التنکیل و التمثیل . . و تذکروا کیف دکّت حوافر خیول هذا الجیش جناجن صدورهم و ظهورهم بشکل لم یشهد التاریخ نظیرها فظاعه و بشاعه . . و کیف ساروا برؤوس القتلى على الرماح مع نساء الرسول سبایا إلى الکوفه فالشام باسم سبایا الروم ثم إلى مدینه جدّهم یثرب عاریات فی أحزن منظر . .کل هذا و الدین الحنیف فی أول عهده . . و الإسلام فی ربیع حیاته . .
لذلک حین یحل هذا التاریخ من کل عام . . و یهل هلال محرم الحرام یستعد المسلمون فی معظم أنحاء المعموره للتعبیر عن شعورهم إزاء هذه الذکرى الدامیه و خاصه فی یوم العاشر من محرم . . المعروف بیوم « عاشوراء » حیث أنهم یقیمون العزاء فیه بهذه المناسبه الألیمه متذکرین مصارع آل النبی فی کربلاء فی حزن عمیق و شجن عظیم . . یستعرضون مواقف الإمام الحسین و من استشهد معه بما یناسبها من الإشاده و التکریم . . . و منهم من یبالغ فی إظهار شعائر الحزن و الأسى حسبما یتصوره و یرتاح إلیه حسب تأثره و معتقده اتجاه هذه الفاجعه الدامیه . . التی أثرت فی العالم الإسلامی تأثیراً بالغاً ما ظل ملازماً له منذ ذلک الحین أی قبل ألف و قرون الى یومنا هذا . . . إلى ما شاء الله من أیام الدهر .
و قد یتصور البعض أنّ هذه الشعائر و المظاهر التی تقام فی العشره الأولى من محرم الحرام من کل عام من قبل المسلمین فی مختلف أنحاء الأرض و بمختلف أشکالها إنّما هی من محدثات العصور الأخیره فی حین أنّ هذا التعبیر عن شعور التأثر و التألم تجاه مصرع الإمام الحسین . . إنّما یرقى تاریخه إلى عهد قدیم فی الإسلام أو هو قریب العهد من الصحابه و التابعین لهم بإحسان . . غیر أنّه کان فی أول أمره محدوداً جداً و صغیر الحجم یقام بمحضر أخص الناس بالحسین کالأعلام من ذریته . . للتسلیه و المؤاساه . . و للتخفیف عن لوعه المصیبه .
مظاهر العزاء لآل البیت فی العصر الأموی
و کما کان الآفاق العربیه یومها تردد صدى هذه الفاجعه المؤلمه . . و قسوه ما اقترفه الأمویون بآل الرسول فی کربلاء . . کانت العائله النبویه تجدد ذکراها صباحاً و مساء فی حزن عمیق و شجن عظیم . . . و تبکی علیه رجالاً و نساءً . . و کلما رأوا الماء تذکروا عطش قتلاهم . . فلم یهنأوا بطعام و لا بمنام . .
و کان وجوه المسلمین و الموالون لآل البیت یفدون على بیوت آل النبی ( صلى الله علیه و آله ) بالمدینه معزین و مواسین و کان الواحد منهم یعبّر عن مشاعره و أحزانه بأبلغ ما أُوتی من روعه القول و قوه البیان و حسن المؤاساه لهذه المصیبه . . حتى ترکوا ثروه أدبیه رائعه فی أدب التسلیه و المؤاساه . .
و بقیت بیوت آل البیت مجلله بالحزن و السواد و لا توقد فیها النیران . . حتى نهضت فی العراق ثله من فتیانه الأشاوس و من زعماء العرب الأقحاح أمثال المختار الثقفی و إبراهیم بن مالک الأشتر النخعی و سلیمان الخزاعی و المسیّب الفزاری و غیرهم حیث أخذوا ثأر الحسین و قتلوا جمیع قتله الحسین أمثال ابن زیاد و ابن سعد و سنان و شمر و حرمله و غیرهم . . . فخفت من ذلک لوعه الأشجان فی بنی هاشم . . و هدأ منهم نشیج الزفرات و نزیف العبرات . . فصارت المآتم منهم و فیهم تقام فی السنه مره بعدما کانت مستمره . .
ففی ذلک العهد ـ عهد السلف الصالح ـ یحدثنا التاریخ الإسلامی عن أعلام أهل البیت النبوی ، أنهم کانوا یستشعرون الحزن کلما هلّ هلال محرم . . . و تفد علیهم وفود من شعراء العربلتجدید ذکرى الحسین ( علیه السلام ) لدى أبنائه الأماجد . .
و قد ألقوا روائع فی فن الرثاء و التسلیه و التذکیر بأُسلوب ساحر أخاذ ما ظل شعرهم خالداً رغم کرّ العصور .
فقد کان الشاعر العربی « الکُمیت بن زید الأسدی » من شعراء العصر الأموی و المتوفى سنه ۱۲۶ للهجره قد جعل معظم قصائده فی مدح بنی هاشم و ذکر مصائب آل الرسول ( علیهم السلام ) . . حتى سمیت قصائده « بالهاشمیات » و کان ینشد معظمها فی مجالس الإمام الصادق و أبیه الباقر محمّد و جدّه علی بن الحسین ( علیهم السلام ) .
و من تلک القصائد التی ألقاها بین یدی الإمام علی بن الحسین السجّاد ( علیه السلام ) قصیدته المشهوره التی مطلعها :
من لقلب متیم مستهام *** غیر ما صبوه و لا أحلام
و قتیل الطف غودر عنه *** بین غوغاء أمه و طغام
قتلوا یوم ذاک إذ قتلوه *** حاکماً لا کسائر الحکام
قتل الأدعیاء إذ قتلوه *** أکرم الشاربین صوب الغمام
ولهت نفسی الطروب إلیهم ***ولهاً حال دون طعم الطعام
فلما بلغ آخرها حتى قال السجاد ( علیه السلام ) له « ثوابک نعجز عنه . . و لکن الله لا یعجز عن مکافأتک . . . »
فقال الکمیت :
سیدی إن أردت أن تحسن إلیّ فادفع لی بعض ثیابک التی تلی جسدک أتبرّک بها . . فنزع الإمام ثیابه و دفعها إلیه . و دعا له . .
ومن تلک القصائد قصیدته التی ألقاها فی مجلس الإمام الصادق ( علیه السلام ) و التی مطلعها :
طربت و ما شوقاً الى البیض أطرب *** و لا لعباً منّی و ذو الشیب یلعب
و لکن الى أهل الفضائل و النهى *** و خیر بنی حواء و الخیر یطـلب
الى أن یقول :
و من أکبر الأحداث کانت مصیبه *** علینا قتیل الأدعیاء الملحّب
قتیل بجنب الطف من آل هاشم *** فیالک لحماً لیس عنه مذبّب
و منعفر الخدین من آل هاشم ***ألا حبذا ذاک الجبین المترّب
و قد نال هذا الشاعر الجوائز الکثیره من أئمه آل البیت ( علیهم السلام ) حتى أن الإمام الصادق ( علیه السلام ) أکرمه مرّه على قصیده ألف دینار و کسوه فقال الکمیت : والله ما أحببتکم للدنیا . . و لو أردت الدنیا لأتیت من هی فی یدیه . . و لکنی أحببتکم للآخره . . أمّا الکسوه فأقبلها لبرکتها و أمّا المال فلا أقبله .
و مثله الشاعر السید إسماعیل الحمیری أحد الشعراء المشهورین فی العصر الأموی فقد جعل معظم قصائده فی آل البیت و فی هذا المصاب . . و قد دخل على الإمام الصادق ( علیه السلام ) مرّه یستأذنه أن ینشد له من شعره فأذن الإمام فأنشد :
أُمرر على جدث الحسین *** و قل لأعظمه الزکیه
یا أعظماً ما زلت من *** و طفاء ، ساکبه رویه
و إذا مررت بقبره *** فأطل به وقف المطیه
و ابکِ المطهر للمطهر *** و المطهره النقیه
کبکاء معوله أتت *** یوماً لواحدها المنیه
فما بلغ هذا الحد حتى أخذت الدموع من الإمام تنحدر على خدیه و ارتفع الصراخ من داره . . . فأمره الإمام بالإمساک فأمسک . . ثم أوصله بهدیه ثمینه . .
و هکذا کان الشعراء یقصدون مجالس آل البیت النبوی و سائر مجالس الهاشمیین فی هذا الموسم لإلقاء خیره ما نظموه حول هذا الموضوع على سبیل العزاء . . من مدیح و ثناء . . و ینالون علیه خیر العطاء . . .
مظاهر عزاء الحسین فی العصر العباسی
لقد کانت لمجالس الهاشمیین دورها الفعّال فی جمع صفوفهم من الطالبیین و العلویین و العباسیین و أنصارهم الموتورین من الحکم الأموی القائم . . و تنظیم الحمله ضدّهم و انطلقت الألسنه بإعاده الحکم لآل هاشم و تقاضی الحکم الجائر . . .
و قد حدّثنا التاریخ الإسلامی . . أنّ تأسیس الدوله لعباسیه کان قائماً على دعوه الهاشمیین على أساس الثأر النهائی لقتلى الطف و الانتقام للعلویین بالقضاء على الأمویین . .
و کان الشعراء لم یعدو فرصه تفلت أو مناسبه تمرّ إلاّ ذکّروا بهذا الثأر ، الى أن هیّأ الله لهم ذلک و مکّنهم من الأمر و قضوا على الحکم الأموی و تربّع أبو العباس السفاح على الحکم کأوّل خلیفه هاشمی . .
یذکّرنا التاریخ بولیمته المشهوره التی حضرها ثمانون رجلاً من عیون الأمویین و هم على سمط الطعام فدخل شبل مولى بنی هاشم على السفاح فأنشد فی الحال قصیدته المشهوره و الغیظ قد أخذه :
أصبح الملک ثابت الأساس *** بالبهالیل من بنی العباس
أنت مهدی هاشم و هداها *** کم أُناس رجوک بعد أُناس
طلبوا وتر هاشم فشفوها *** بعد میل من الزمان و یاس
لا تقبلن عبد شمس عثاراً *** و ارمها بالمنون و الاتعاس
و اذکرن مصرع الحسین و زیداً *** و قتیلاً بجانب المهراس
فقام السفاح فی الحال مغتاضاً و قتلهم جمیعاً ثم أباد الأمویین عن آخرهم . . . و هکذا اتسع المجال أمام الشعراء فی رثاء آل البیت النبوی و ذکر مصابهم فی قتلى الطفوف .
و من هؤلاء الشاعران المشهوران دعبل بن علی الخزاعی و إبراهیم بن العباس اللذان قصدا من بخراسان . . فقدم الأوّل على الإمام الرضا علی بن موسى بن جعفر أیام ولایه عهده فی خلافه المأمون العباسی ۲۰۳ للهجره فأنشد قصیدته المشهوره التی یقول فی مطلعها :
تجاوبن بالأنّاه و الزفرات . . الى أن یقول :
مدارس آیات خلت من تلاوه ***و منزل وحی مقفر العرصات
أفاطم لو خلت الحسین مجدّلاً *** و قد مات عطشاناً بشط فرات
إذن للطمت الخدّ فاطم عنده *** و أجریت دمع العین بالوجنات
أفاطم قومی یا ابنه الخیر و اندبی *** نجوم سماوات بأرض فلات
دیار رسول الله أصبحن بلقعاً *** و آل زیاد تسکن الحجرات . . . الخ
وقد أجازه الإمام الرضا ـ بعد أن بکى هو و أهله ـ بعشره آلاف درهم من المسکوک باسمه الکریم ، و خلع علیه جبته . . فکان هذا خیر رمز للتقدیر و الإعجاب . و قد اشترى القمیون « الجبه » من دعبل أثناء عودته الى العراق بألف دینار .
و هکذا زمیله الشاعر إبراهیم بن العباس فقد أنشد الإمام الرضا ( علیه السلام )
قصیدته الدالیه المشهوره التی یقول فی مطلعها :
أزال عزاء القلب بعد التجلد *** مصارع أولاد النبی محمّد
فأکرمه الإمام بمثل ما أکرم به زمیله الخزاعی .
و کانت جوائز أئمه البیت النبوی فی هذا المجال مشهوره بالسخاء و البرکه حتى ذهبت مثلاً : « ما بلغت صره من موسى بن جعفر لأحد إلاّ استغنى » لذلک کان الشعراء یتفننون فی هذا الباب الى جانب تأثرهم بروعه فاجعه الطف و فظاعه وقعها . . و کذلک تأثروا بأقوال أئمه أهل بیت النبی فی شأن من یرثی الحسین . . و ماله من فضیله عند الله سبحانه . . فقد قال الإمام جعفر الصادق لجعفر بن عفان : « مامن أحد قال فی الحسین ( علیه السلام ) شعراً فبکى و أبکى به إلاّ أوجب الله له الجنه و غفر له . . . » .
و هکذا کان الشعراء یتبارون فی الرثاء و المواساه و الإبداع فیها بهذه المناسبه ، فی مجالس آل البیت النبوی و مجالس الطالبیین . و ما من شکّ أن هذا العزاء کان فیه العزاء لکل مظلوم و کل ذی حق مهضوم بأعظم السلوان تأسیاً بالحسین ( علیه السلام ) .
و کیفما کان فی هذا العزاء عرض لتلک المأساه فإنّه لم یخل من فرض لجور الحاکمین و تعریض لضروب الظلم الذی أصاب آل البیت النبوی منهم و تهدید الظالمین بالعاقبه الوخیمه لفتکها بأعلام بیت النبوه . . و ما ناله الظالمون من سوء المنقلب کل ذلک على لسان الشعراء و الخطباء و فی أروع أسلوب مما کان له أثره فی جذب النفوس و تقویه القلوب . .
حتى قال أحد الشعراء :
تالله ما صنعت أمیّه فیکم *** معشار ما صنعت بنو العباس
و کانت السلطات الحاکمه یومها و فی فتره من الزمن وراء هذه المجالس تطارد الملقین و تفتک بالحاضرین و لقی الموالون لآل البیت من الشده ضروب العذاب . .
و أُتلفت معظم تلک القصائد و الأشعار و غیرها من الآثار ذات العلاقه بالإمام الحسین ( علیه السلام ) . و لو کانت باقیه لکانت ثروه أدبیه رائعه عن تلک الفتره .
و قد وصف ابن الأثیر حوادث دمویه مسببه عن ذکرى عزاء الحسین ( علیه السلام ) جرت بصوره فظیعه بین الحزب المتشیع لآل البیت و بین الحزب المخالف له ببغداد عاصمه الهاشمیین یوم ذاک . . کانت تتسع و تتقلص حسب لون السیاسه الحاکمه و اجتهاد الحکام ذهبت بسببها ضحایاً کثیره لا لشیء سوى التعصب الممقوت . و بسبب الجهل بمکانه آل البیت من الرسول . . . و عدم تقدیرهم لشعائر الود و المحبه لصاحب الرساله و أهل بیته .
و کان « عزاء الحسین » رغم جمیع هذه الأحوال قائماً کل عام فی موسمه من محرم الحرام و انّما یختلف تقلصاً و اتساعاً حسب الظروف و لکنه فی جمیع الأحوال کان یزداد تمکناً فی النفوس و استقراراً فی القلوب و کان للشعراء الفضل الأکبر فی تقویه هذا العزاء و جذب القلوب إلیه . . بقصائدهم الغر فی تصویر مصاب الحسین و أهل بیته . . . حتى أنّ غالبیه الموالین لآل البیت کانوا لا یحفلون بقسوه الحکام قدر اهتمامهم للحضور الى مجالس العزاء کائناً ما یکون المصیر . . .
مجالس النیاحه لعزاء الحسین
و لما توسّع التشیع و خفت وطأه السلطات المعادیه التی أتلفت معظم تلک القصائد و الآثار . . صار الموالی لآل الرسول ( صلى الله علیه و آله ) یقم ذلک العزاء باسم « النیاحه » أو الرثاء بمشاهد الأئمه من عترته أو بمحضر من یوثق بتشیّعه و موالاته . . و ما یجدر ذکره أنّه لم یکن فی القرن الأول أی القرن الذی قتل فیه الحسین أثر و لا عین من جماعه أهل العزاء سوى الراثین و النائحین فی بیوت أهل البیت النبوی فقط و کذا الحال فی القرن الثانی . . إلى أن ظهر فی القرن الثالث اسم النائح علماً لمن یرثی الحسین و یقرأ الشعر على حسابه . . و یقیم النیاحه علیه من أمثال دعبل الخزاعی إلى علی الناشیء الأصغر .
فأصبحت المجتمعات تنعقد باسم « النیاحه على الحسین » على ما هم فیه من التستر فیبکون على مصاب الحسین و ینوحون علیه بقریض ینشؤه أو ینشده الناشد و یسمى « النائح » و یذکر المؤرخان الشهیران یاقوت الحموی فی معجمه و ابن خلکان فی وفیاته قضیه الناشیء الأصغر على الشاعر المشهور و مجالس النیاحه على الحسین . . و فیها ما یدل على أنّ هذه المجتمعات کانت تنعقد فی ذلک الزمن باسم « النیاحه على الحسین » . و لیس هذا فی العراق فحسب ، بل فی الحجاز و بلاد فارس و مصر . . .
ثم تطورت مجالس العزاء عقب النیاحه بقراءه المقاتل لابن نما و ابن طاووس و نحوهما فسموا بالقراء أو قارئ الحسین لا یزالون یعرفون حتى الیوم بهذا الاسم فی بلاد العرب .
بدء المواکب و الحسینیات
و قد سجل التاریخ اهتمام معز الدوله البویهی و سائر الملوک البویهیین فی الدوله العباسیه ببغداد عام ۳۵۲ هجریه بشأن إقامه مآتم الحسین و إبرازها فی هیئه مواکب خارج البیوت . . . فکانت النساء یخرجن لیلاً و یخرج الرجال نهاراً . . حاسری الرؤوس حفاه الأقدام . . . تحیتهم التعزیه و المواساه بمأساه الحسین ( علیه السلام ) و لا تزال هذه العاده الى الآن فی مدن العتبات المقدسه فی العراق و إیران . و بعد ما دالت الأیام بالدوله إلى آل محمّد و اتباعهم سواءً فی حکومه الفاطمیین فی مصر أیام المعز لدین الله الفاطمی أو فی حکومه الحمدانیین فی حلب أیام سیف الدوله الحمدانی أو فی حکومه الصفویین فی إیران أو ملوک فی ممالک أُخرى من بلاد الترک و الهند . .
أنشىء للنیاحه بیوت أحزان فی کل مکان لتعازی الحسین سمّیت عند العرب « بالحسینیات » کما سمّیت عند الهنود بـ « إمام بان » و عند الفرس و الترک « بمأتم سرای » کما کانت تسمى هاتیک المجالس « بالمآتم » أو « تعازی الحسین » و خصصت لها أوقات و صدقات جاریه لا یستهان بها و بأرباحها الوفیره . .
فأخذ العزاء الحسینی دوراً متسع النطاق فی ظل عنایه الهیئات الحاکمه . . و نال الموالون لآل البیت کل حریتهم فی إظهار رغباتهم و شعائرهم .
فالناظر إلیها لأول وهله یخالها تشکیلات تولدت من عهد الملوک الصفویه أوهی من مستحدثات الأعاجم . . لکنما المتصفح لکتب التاریخ و الآثار یجد لهذا الأمر أدواراً أو أطواراً فی عصور سابقه على العصر الصفوی . . و فی أمم لا مساس لها بالعجم . . . بل هی من غروس العراق القدیمه و أشجارها الصلبه التی نبعت فی ضفاف الرافدین قبل أیه أمه أخرى . . ثم تسربت و امتدت الى الأمم الأخرى . . .
و کل من جاب عواصم الأمم الإسلامیه و غیر الإسلامیه یرى فی الکثیر منها إن لم یکن فیها کلّها سیما المجتمعات الموالیه لآل بیت الرسول . . المبانی الضخمه التی خصصت لإقامه هذه المجالس فی هذا الموسم لإحیاء ذکرى شهید الحق الإمام الحسین ( علیه السلام ) .
اهتمام الأقطار الإسلامیه بعزاء الحسین
و هکذا أصبح المسلمون فی الیوم العاشر من محرم کل عام یحتفلون بذکرى « عاشوراء » إحیاءً لذکرى شهید الطفوف الإمام الحسین ( علیه السلام ) فی جمیع الأقطار الإسلامیه . . و یُعتبر هذا الیوم عطله رسمیه لدى معظم هذه الدول و یشترک کثیر من رؤساء الدول الإسلامیه فی مراسیمه .
و حین تمر هذه الذکرى بالمسلمین سواء فی العشره الأولى من محرم أو فی الیوم العاشر منه فإنّها تغمر غالبیه العالم الإسلامی بموجه من الأسى و یخیم علیه سحاب من الحزن ، کأنّ الإمام الحسین قد قتل حدیثاً و کأنّ أشلاء آله و أنصاره . . لا تزال على منظرها المؤلم فوق تلک الترب و کأنّ دم اولئک الضحایا من الشهداء لم یزل یفور على تلک الأرض . . فیثیر فی نفوس المسلمین کل تلک المشاعر و الأحزان . . . مما جعلت معظم الحکومات العربیه و الإسلامیه أن تحافظ على حرمه هذه المناسبه . . و تلاحظ شعور المسلمین نحوها . .
و من أجل ذلک تصدر أوامرها بغلق دور اللهو و اللعب و حانات الخمور و الشراب و المسارح و أمثالها مما تحمل طابع اللهو و الطرب . . کما تقلص على غرارها ما فی برامج الإذاعه و التلفزیون خلال العشره الأُولى من محرم ببرامج تتسم بالطابع الدینی و الروحی و العلمی مجرداً من کل أسباب اللهو و الطرب . . کل ذلک رعایه لشعور المسلمین و احتراماً لمکانه هذه الذکرى . کما هو الحال فی العراق و إیران و فی الهند و الباکستان و عدید من الدول الإسلامیه الأخرى .
و المسلمون إذ یحتفلون بهذه الذکرى الدامیه ببالغ الأسى و عظیم الألم . . إنّما یشیدون فیها على موقف الإمام الحسین فی ساحه الطف و یمجدون مواقف آله و أصحابه و ما قدموه فی ذلک الموقف من جسیم التضحیه و عظیم البساله التی أدهشت الأجیال و أذهلت التاریخ .
ثم إذ یعبرون فی إحیائهم لهذه الذکرى الدامیه عن شعورهم نحو الإمام الشهید فإنّهم یختلفون فی هذا التعبیر حسب معتقداتهم فیه و فی حرکته و استشهاده و باختلاف مدارکهم و عاداتهم .
فمنهم من یعتبره عیداً مجیداً لأنّ الفضیله فیه قد انتصرت على الرذیله و أنّ الإمام الحسین بموقفه ذاک من یزید قد أسند تعالیم جدّه سیّد الرسل . . و جدد مجد شریعته السمحاء . . . کما هو الحال لدى المسلمین فی الشمال الإفریقی و المغرب العربی الذین یعتزون بهذه الذکرى .
و منهم من یندفع مع العاطفه الى إیلام نفسه و إیذائها بمختلف الوسائل و الأسالیب کضرب نفسه بالسلاسل أو بالتطبیر ظناً منه أنّ هذا النحو من الإیذاء لمن دلائل المواساه أو الاقتداء بأولئک الشهداء . . کما هو الحال فی بعض أنحاءالعراق و إیران و الهند و الباکستان .
عزاء الحسین فی أمریکا الوسطى
و منهم من یحصرها فی هودج کبیر ضخم کما هو الحال فی أمریکا الوسطى و فی مدینه بورت أو اسباین عاصمه جزیره فی ترینیداد الواقعه فی البحر الکاریبی من شمال أمریکا الجنوبیه حیث یزین المسلمون هذا الهودج بالذهب و الفضه و بأزهى الألوان الوهاجه و أحلاها و یشترک المسیحیون و الهنود مع المسلمین فی احتفالاتهم العظیمه بیوم عاشوراء فی مسیره عظیمه فی طلیعتها هذا الهودج الفخم . . . و تسیر الجماهیر وراءه تحف بها الطبول و آلات الموسیقى بأنغامها الحزینه تطوف شوارع العاصمه و بین تعالی العویل و الهتاف بحیاه الحسین ( علیه السلام ) سیّد الشهداء فی ذکرى مصرعه یلقى بالهودج الى البحر الصاخب فتحمله الأمواج الى الأعماق الزرقاء المجهوله . . و یعود الجمیع الى مجالس العزاء بذکرى الحسین ( علیه السلام ) . . . و أغلب الظن أن هذه الظاهره انتقلت الى هذه الجزیره مع الهنود المسلمین . . . حیث یمارسون على غرارها فی الهند تعبیراً عن عواطفهم نحو هذه الذکرى . . على هذا النحو فی معظم الأقطار الإفریقیه و الآسیویه یعبّر المسلمون عن مشاعرهم حسب تصورهم و معتقداتهم فی هذه المناسبه . .
و منهم من ینحو بها کعرض لذلک المسرح الحزین یوم الطف بالمنطق الرزین . . و بأرق الأسالیب الأخّاذه بالمشاعر مستوحین من قدسیه ذلک الیوم التاریخی ضروب العبر و أنواع البطوله و الإیمان بالحق . . فینتزعون من ذکراه أروع الصور و أبلغ الدروس ، و أسمى العظات ، و إن کانت منهم مجرد سرد و تردید .
عزاء الحسین فی مدن العتبات المقدسه
و الى جانب ما تقدم تلبس مدن العتبات المقدسه فی العراق و إیران و المساجد المهمه و الأماکن المتبرکه فی الهند و الباکستان و غیرها من الأقطار و المناطق التی یتعصب أهلها فی الحب و الولاء لآل البیت النبوی حلّه من السواد کشعار للحزن و الحداد . . و تبتعد عن مظاهر الزینه و البهرجه و مباعث الأُنس و الانشراح . . .
هذه هی الحاله فی العشره الأولى من شهر محرم الحرام عند المسلمین بالنسبه لهذه الذکرى إن لم یکن الشهر کلّه من کلّ عام و من الأقطار الإسلامیه کالعراق و إیران و الهند و الباکستان إلى ما بعد العشرین من صفر حیث تستکمل هذه الذکرى یومها الأربعین . و لها زیارتها الخاصه و مراسیمها المختصه فی کربلاء بالعراق . . . حیث یؤمها أکثر من ملیون زائر فی یوم واحد لزیاره قبر الحسین و الطواف حول ضریحه فی ذکرى أربعینه . . و تطوف المواکب الزاخره حول مشهده للیُمن و البرکه .
هذا و تواصل مجالس العزاء الحسینی خلال شهری محرم و صفر فی مدن العتبات المقدسه و غیرها حیث تجذب هذه المجالس إلى ساحتها کالمغناطیس شتات المسلمین إخواناً على سرر متقابلین تصفّ أجنحتها حول منبر یرتقی علیه الخطیب فیفتتح الکلام بآی من الذکر الحکیم و تفسیر علومها من أحادیث الرسول الکریم . . ثم یتلو ذلک بفصول من التاریخ الإسلامی أو تواریخ الرسل السالفین . . و یختم کلامه بتاریخ الحسین و ما جرى علیه و على آل بیت المصطفى صلوات الله علیهم . . و لا بد أن یتخلل هذه الخطابه وعظ و إنذار و تلطیف القرائح بلطیف الأشعار مما یجعل مجلسهم هذا أشبه بمدرسه علم أو مجمع تهذیب . . و دروسها ما یهم المسلمین من أُمور الدنیا و الدین . . . اللهمّ إلاّ بعض الجاهلین ممن یتولّون الخطابه بغیر علم و لا هدى و ممن لا یجتنبون قول الزور فیذهبون بذلک إلى سرد أحادیث ما أنزل الله بها من سلطان بغیه إثاره الأشجان فی نفوس المستمعین لمصاب الحسین ( علیه السلام ) استدراراً للأکف و استجلاباً للمنافع . . .
و هکذا ألحق بهذا العز و ضمن تطوراته طوال السنین کثیر من الغرائب شأن کل قضیه فازت بقوه النمو فی منبت خصیب و تربه صالحه . . مما یحتم على أهل العلم أن ینظروا الى تعدیله أو إجراء إصلاح فیه . . خاصه و نحن أقرب الأمم الى حادثه الطف مکاناً و شأناً . . و أوفر حریه من غیرنا و أقدر . . لذلک یلزم على أعلامنا أئمه الهدى و شیبنا و شبابنا رسم الخطه الصالحه لإقامه هذه الذکرى الکریمه خالیه من الشوائب و مما یسیء أو یشین . . و أن نسیر بها على أحسن وجه و نهج . . خدمه للاُمه و توجیهاً للجیل . . و عسى أن تحذوا حذونا شعوب مسلمه أُخرى فتنال أجزل النفع . . و لعلنا بهذا نحقق بعض آمال الحسین من نهضته و تضحیته .
والله المستعان على ما نبتغی و نرید .