إیمان وعلم سلمان

0

وهناک أیضاً أحداث ، وقضایا ، ومواقف کثیره تثبت ذلک ، وتؤکده ، کما وتثبت بُعد نظره رحمه الله ، وثاقب فکره ، ونفاذ بصیرته..
ولا نرید هنا : أن نستقصی ذلک کلّه بالدراسه والتحلیل ، فانه أمر متعسر ، بل متعذر علینا فعلاً ، وإنما نرید ذکر نموذج من ذلک ، تذکره لانفسنا ، ووفاء منا لحقیقه وللتاریخ ، ونترک سائر ذلک إلى جهد الباحثین ، وعناء الدارسین .. فنقول :
إذا اقتتل القرآن والسلطان :
قال سلمان لزید بن صوحان : کیف أنت یازید إذا اقتتل القرآن والسلطان؟!
قال : أکون مع القرآن.
قال : نعم الزید أنت إذن (۱)..
إن هذا النص یعطینا : أن سلمان قد وضع اصبعه على أمر دقیق. وهام للغایه ، وله دور أساس ورئیسی فی تکوین شخصیه الانسان المسلم ، وله تأثیر مباشر ، وقوی فیما یتخذه من مواقف ، وفیما یقوم به من أعمال.
ثم هو یمس بالتالی ، مستقبل الامه الاسلامیه ، ومصیرها ، ومستوى ومنطلق ونوع تعاملها فی القضایا الکبرى ، التی تواجهها ، هذا.. عدا عن مساسه بالترکیبه السیاسیه ، التی لا بد وان تترک آثاراً کبیره وعمیقه على المجتمع المسلم ، وعلى جمیع خصائصه ، وأوضاعه بصور عامه.
وذلک لان القاء نظره فاحصه على حالات الناس وافکارهم ، وخصوصاً فی تلک الفتره ، توضح لنا : أن الناس کانوا على حالات شتى.
ففریق منهم لا یرى الحق والخیر ، إلا من خلال ذاته ، ونفسه ، فهو المعیار ، والمیزان ، والمحور لذلک ، فمبقدار ما یجلب له نفعاً ، ویدفع عنه ضراً فی هذه الحیاه الدنیا ، فهو خیر ، وحق ، وحسن ومقبول ، تجب نصرته على کل أحد ، ولا ضیر فی أن یضحی الآخرون بکل غالٍ ، ونفیس ، ـ حتى بأنفسهم ـ من أجله ، وفی سبیله .. شرط أن لا تصل النوبه إلى شخص هؤلاء بالذات ، لاُن المفروض هو أن المسؤولیه ، کل المسؤولیه ، تقع على عاتق الآخرون دونهم.
وهکذا .. فان القرآن والاسلام لا یمثل لهذا النوع من الناس شیئاً ، إلا بالمقدار الذی یتفق مع هذه النظره ، ویحقق لهم هذه النتائج ، حتى إذا رأوا : أن مصالحهم الخاصه ومآربهم الشخصیه تتعرض للخطر ، فان على القرآن ، والاسلام ، والحق أن یتراجع ، وأٌ یعترف بأنه مخطیء ، بل ومسرف فی الخطأ ، وحیث لابد من احترام القرآن والاسلام ، فلا أقل من اتهام المسلمین ، والعلماء ، وغیرهم بالخطأ ، أو بتعمد الخطأ فی فهمهما..
وفریق آخر : یرى : أن الحق کل الحق دائماً فی جانب القوی ، ومعه؛ فلابد من اعطاء الحق لذی الحق مهما کلف الأمر ، ومهما تکن النتائج.
وذلک بسبب ضعف فی نفوس هذا النوع من الناس ، وانهزام فی ذواتهم وشخصیاتهم..
وفریق ثالث : قد احاط الحاکم بهاله من الاحترام والقداسه ، لا لشیء إلا لانه حاکم ومتسلط ، ویدین الله بالخضوع له ، والالتزام بأوامره ، والانتهاء إلى نواهیه؛ وذلک لانه قد خدع بما حاول الحکام أن یشیعوه ، من أن سلطتهم سلطه إلهیه ، مفروضه على الناس ، لا یمکن لهم الخلاص منها ، لان تلک هی اراده الله سبحانه ومن هنا .. فإن الله سبحانه قد طلب من الناس أن یُدخلوا فی عقائدهم وأحکامهم ، عقیده عدم جواز الخروج على السلطان ، من کان ، ومهما کان ، لانه یمثل اراده الله سبحانه على الاُرض ، فمعصیته ، والاعتراض علیه یوجب العقاب والعذاب الاُلیم یوم القیامه .. بل لقد حاول البعض أن یقول : إنه لیس على السلطان ـ الخلیفه ـ عذاب ولا عقاب یوم القیامه (۲) ، مهما فعل من موبقات ، ومهما اقترف من جرائم.
وبعد ذلک کله .. فقد کان سلمان یعی وجود هذا التیارات المنحرفه فی المجتمع الاسلامی ، ویعرف فی المسلمین ما یعطی أن کثیراً منهم یتعامل مع الامور من خلال هذه النظره ، أو النظریه ، أو تلک..
وهو یعتبر : أن ذلک انحراف عن الخط الاسلامی القویم ، لان الاسلام یرفض: أن یعتبر الانسان نفسه وذاته کشخص محوراً للحق والباطل ، والخیر والشر.
ویرفض أیضاً : أن یصبح الانسان المسلم على درجه من الضعف والانهزام ، إلى حدّ أن یعتقد : أن الحق للقوی ، ومعه ..
ویرفض کذلک تقدیس الحاکم لمجرد کونه حاکماً ، فان القداسه ما هی إلا بالتزام طریق الاستقامه والتقوى ، والعمل الصالح..
کما ویرفض أیضاً : نظریه الجبر الألهی ، فی حاکمیه الطغاه ، والجبارین ، والمستبدین ، والمنحرفین ..
نعم .. إن سلمان یعی ذلک کله .. فینطلق من موقع المربی ، والمسؤول ، فی محاوله اکتشاف أی خلل أو خطل حتى فی مثل شخصیه زید الرجل العظیم ، والمتمیز ، فیحاول أن یثیر فکره ووعیه ، وان یرضده بدقه لیعرف إن کانت شخصیته قد تلوثت بهذه الاوبئه ، وتأثرت بهاتیک الانحرافات.. من أجل أن یعالجه بالدواء الناجع ، بعد معرفه الداء ، ان کان ..
التوازن فی شخصیه الانسان المسلم :
    ولم تکن هذه هی المره الوحیده التی یتعامل فیه سلمان مع اخوانه من موقع المربی والناصح والمسؤول ، فهناک مواقف کثیره له ، لها هذا المنحى التربوی الهادف ، ولا نرید استقصاء ذلک فی حیاته رضوان الله تعالى علیه..
بل نکتفی هنا بتسجیل حادثه واحده له ، مع زید بن صوحان ، ولعلها أیضاً ـ تکررت له مع أبی الدرداء ، حسبما ورد فی بعض النصوص الاخرى.
فاننا نجد سلمان ـ قد اکتشف فی زید جنوحاً إلى العباده ، والعزوف عن الدنیا بصوره تجاوز فیها حاله الاعتدال ، الامر الذی من شأنه أن یحدث خللاً ـ غیر مسموح به ـ فی تعامله مع ما ومن یحیط به.. ویفقد معه قسطاً کبیراً من حاله التوازن ، التی یفترض أن تکون قائمه فی مجال الاستفاده من أعمال البر والخیر ، بحیث لا یؤثر ذلک على تعامله مع جهات اُخرى لا بد له من تحقیق مستوى معین من التعامل معها..
وواضح : أن مسأله التوازن مسأله حساسه وخطیره ، تمس شخصیه الانسان المسلم فی العمق ، وترتبط بمجمل مواقفه ، وسلوکه ، وکل شؤون حیاته. وان الاخلال بها معناه حدوث نقص فی الدین ، لابد من التحرز منه ، والمبادره الى تصحیحه قبل أن یتحول إلى کارثه حقیقیه..
نعم .. وقد أحس سلمان أیضاً : أن زیداً قد بدأ یتعامل مع العبادات الدینیه تعاملاً قشریاً ، یجعله یستغرق بالحقحقه ، حتى یبتعد عن روح الشریعه ، ویحبس نفسه فی قمقمٍ جدب ، ومقفل ؛ ویحرم نفسه من العیش فی رحاب الله سبحانه ، فلا یوفق للانطلاقه الهادفه فی آفاقه الرحبه ، الزاخره بالعطاء ، الغنیه بالمواهب.
نعم.. إن سلمان حینما أحسّ أن زید بن صوحان یتعرض لهذا الخطر الاکید ، ویوشک أن تزل به قدمه.. فانه من موقع المربی المشفق ، یعمل على تصحیح الخطأ ، واعاده الامور إلى نصابها ..
یقول النص التاریخی عن زید : إنه : « کان یقوم اللیل ، ویصوم النهار ، وإذا کانت الجمعه أحیاها ، وإنه لیکرهها إذا جاءت ، لما یلقى بها؛ فبلغ سلمان ما کان یصنع ، فأتاه ، فقال : أین زید؟ فقالت امرأته : لیس هاهنا.
قال : فانی أقسم علیک : لمّا صنعت طعاماً ، ولبست محاسن ثیابک.
ثم بعث إلى زید ، فقرب إلیه الطعام ، وقال له : کل یا زید.
فقال: إنی صائم.
فقال : کل یازید ، لا تنقص دینک ، إن شر السیر الحقحقه ، إن لعینک علیک حقاً ، وإن لبدنک علیک حقاً ، وإن لزوجک علیک حقاً .
فأکل زید ، وترک ما کان یصنع (۳).
وقریب من ذلک یروى لسمان مع أبی الدرداء أیضاً (۴).
الارض لا تقدّس أحداً :
وفی مجال رفض المفاهیم الخاطئه ، ورفض التعامل مع القضایا الدینیه تعاملاً قشریاً وسطحیاً ، یفقدها مضمونها الرسالی العمیق ، نجد لسلمان رحمه الله تعالى موقفاً آخر من أبی الدرداء أیضاً ..
فقد کتب أبو الدرداء إلى سلمان : أن هلم إلى الارض المقدسه ـ أی بلاد الشام ـ .
فکتب إلیه سلمان یعلمه : أن الارض لا تقدس أحداً ، وإنما یقدس الانسان عمله (۵).
واقعیه زهد سلمان :
وقد یعتبر الکثیرون : أن الزهد معناه هو معاناه حاله من التقشف ، ومقاساه شظف العیش ، بصوره شاقه وقاسیه.
ولکن سلمان الفارسی ـ الذی أدرک علم الاول والآخر ، إنما یرید أن یربی نفسه على الزهد الواقعی ، ویفرغ قلبه عن التفکیر بالدنیا بصوره حقیقیه ، ولا یرید أن یدخل فی صراع مع نفسه ، ولو مره واحده ، بل هو یرید أن یجعلها تطمئن ، لینصرف بکل عقله وفکره ، وجوارحه ، وباستمرار إلى الله سبحانه ، لا یشغله شیء عنه سبحانه.
فکان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته ، حتى یحضر عطاءه من قابل.
فقیل له : أنت فی زهدک ! تصنع هذا !! وأنت لا تدری لعلک تموت الیوم ، أو غداً ؟!..
فقال : ما لکم لا ترجون لی البقاء ، کما خفتم علیّ الفناء؟ ! أما علمتم : ـ یا جهله ـ أن النفس قد تلتاث على صاحبها ، إذا لم یکن لها من العیش ما تعتمد علیه؛ فإذا هی أحرزت معیشتها أطمأنت (۶).
فهذا النص یؤکد لنا :
۱ ـ أن سلمان لا یرید ولو لمره واحده : أن ینشغل بنفسه وینصرف عن الله سبحانه.
۲ ـ إنه یتعامل مع طموحات نفسه ومیولها ، من موقع العارف والواعی ، الذی یفکر بعمق بالداء وبالدواء على حد سواء ، ویکون علاجه للحاله التی یعانی منها أساسیاً وواقعیاً ..
۳ ـ یلاحظ : أن المعترضین ـ یشهدون له بالزهد والعزوف عن الدنیا ، ولکنهم لم یعرفوا سر تعامله ذاک ، فوقعوا بالحیره.
۴ ـ إنه قد الفتهم إلى خطأهم فی طرح المعادله التی بنوا علیها نظریتهم تلک وکان تقییمه لتلک المعادله الفکریه قائماً على أساس النظره الواقعیه أیضاً ، لا على اساس المظاهر الخادعه ، والشعارات البراقه.
وهناک اُمور اُخرى یمکن استخلاصها من النص المذکور ، ولکننا لا نرى ضروره للتعرض لها فی عجاله کهذه.. فنکتفی بهذا القدر ، ونوفر الفرصه للحدیث عن جوانب اُخرى ، فی شخصیه وحیاه هذا الرجل الفذ.
هکذا ینجو المخفون :
عن کتاب المحاسن : وقع حریق فی المدائن؛ فأخذ سلمان مصحفه وسیفه ، وخرج من الدار ، وقال :
« هکذا ینجو المخفون» (7).
و« قیل دخل علیه رجل؛ فلم یجد فی بیته الا سیفاً ومصحفاً ، قال : ما فی بیتک إلا ما أرى؟! قال : ان امامنا منزل کؤود ، وأنا قد قدمنا متاعنا إلى المنزل» (8).
ومما یمکن اعتباره فی هذا السیاق ، ما روی بسند معتبر : عن أبی عبدالله علیه السلام ، قال :
« کان لعلی علیه السلام بیت لیس فیه شیء ، إلاّ فراش ، وسیف ، ومصحف ، وکان یصلی فیه ـ أو قال : کان یقیل فیه.. » (9).
فلماذا السیف والمصحف ، دون سواهما ، یا ترى؟ ماذا نستوحی من ذلک؟ وکیف نستفید العبره منه؟!
سؤال لابد وان یراود أذهان الکثیرین!! وتتشوف نفوسهم إلى معرفه الجواب عنه ، بصور مقنعه ، ومقبوله.
ولسوف نحاول هنا معالجه الاجابه عنه ، رغم اقتناعنا بأن توفیته حقه ، تتطلب فرصه أوفر ، وتوفراً أتم.. ولکننا سوف نکتفی هنا بإشاره خاطفه ومحدوده ، تصلح لان تکون مدخلاً مناسباً للاجابه التامه والمقبوله ، فنقول : إن الله سبحانه ، حینما أوجد هذا الکائن ، قد أراد له أن یکون إنسانأً بالدرجه الاولى ، ثم هو أراد له أن یکون حرّاً..
فکل ما یتنافى مع هذه الإنسانیه ، ومع تلک الحریه ، ویحدّ من فاعلیتها ، یکون مناقضاً لفطره الإنسان وغیر منسجم معها ، ولا متوافق مع ما یریده الله سبحانه لهذا الانسان..
(والبحث عن هذه الحریه ، وحقیقتها ، وحدودها ، وضوابطها بنظر الاسلام ، دقیق ، وعمیق ، وهام ، ولکن لیس محله هنا؛ فلابدّ من إحاله ذلک إلى فرصهٍ اخرى ، ومجال آخر ، إن شاء الله تعالى.. ).
وبالنسبه إلى الجانب الآخر نقول :
لقد بعث الله سبحانه الرسل ، وأنزل الکتب؛ لیطهر الناس ، ولیزکیهم ، ویربیهم من جهه .. ولیعلمهم الکتاب والحکمه من جهه ثانیه..
ثم أنزل الحدید فیه بأس شدید..
قال تعالى : فی مقام بیان هذه العناصر : « .. هو الذی بعث فی الامیین رسولاً منهم یتلو علیهم آیاته ویزکیهم ، ویعلمهم الکتاب والحکمه» (10).
وقال : « لقد أرسلنا رسلنا بالبینات وأنزلنا معهم الکتاب والمیزان لیقوم الناس بالقسط وانزلنا الحدید فیه بأس شدید ومنافع للناس ولیعلم الله من ینصره ورسله بالغیب ..» (11).
وعن دعوه ابراهیم واسماعیل ، قال تعالى : « ربنا وابعث فیهم رسولاً منهم یتلو علیهم آیاتک ویعلمهم الکتاب والحکمه ویزکیهم» » (12).
وقال تعالى أیضاً : « لقد من الله على المؤمنین إذ بعث فیهم رسولاً من أنفسهم یتلو علیهم آیاته ویزکیهم ، ویعلمهم الکتاب والحکمه وإن کانوا من قبل لفی ضلال مبین..» (13).
____________
(۱) تهذیب تاریخ دمشق ج۶ ص۱۶٫
(۲) البدایه والنهایه ج۹ ص۲۳۲٫
(۳) تهذیب تاریخ دمشق ج۶ ص۱۵ وتاریخ بغداد ج۸ ص۴۳۹ وقاموس الرجال ج۴ ص۴۲۶ عنه.
(۴) راجع : حلیه الاولیاء ج۱ ص۱۸۸ واحیاء علوم الدین ج۱ ص۳۴۷ والاستیعاب بهامش الاصابه ج۲ ص ۶۰ | ۶۱ والمحجه البیضاء ج۲ ص۳۷۷ | ۳۷۸ وفی هامش عن صحیح البخاری ج۲ ص۶۳٫
(۵) تهذیب تاریخ دمشق ج۶ ص۲۰۹ وراجع : المصنف لابن أبی شیبه ج۱۳ ص۳۱۸ و۳۳۱ و۳۴۰٫
(۶) قاموس الرجال ج۴ ص۴۲۵ | ۴۲۶ عن الکافی
(۷) قاموس الرجال ج۴ ص۴۲۵ والدرجات الرفیعه ص۲۱۵ ونفس الرحمان ص۱۴۰ عن الانوار النعمانیه.
(۸) الدرجات الرفیعه ص۲۱۵ ونفس الرحمان ص۱۴۰ عن الانوار النعمانیه.
(۹) المحاسن للبرقی ۶۱۲ والبحار ج۷۳ ص۱۶۱ والوسائل ج۳ ص۵۵۵٫
(۱۰) الجمعه ۲٫
(۱۱) الحدید ۲۵٫
(۱۲) البقره ۱۲۹٫
(۱۳) آل عمران ۱۶۴٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.