الإمامة تنصيب إلهي أم انتخاب بشري؟ (01)

0

إن الذي دفعني إلى الحديث عن الإمامة هو سؤال بعض الأساتذة الزملاء في الجامعة اللبنانية، كلية الآداب قوله: لماذا الشيعة يعظمون دور الإمامة اكثر ممّا تستحق؟ وما هو دور الإمام بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)؟
قبل الجواب على هذا السؤال أرى من الغريب جداً ما يدعيه غير الشيعة من أن النبي (صلّى الله عليه وآله) رحل من هذه الدنيا ولم يوص إلى أحد من بعده ليقوم مقامه، ويتحمّل مسؤولية تنفيذ الدعوة الإسلامية، فترك الأمة بلا إمام يدير شؤونها، ويجمع شملها، ويوضح السنن، ويقوّم الاعوجاج، ويقيم الحدود، ويرشد الضالين عن الخط الإسلامي الصحيح؟!
وما هو ثابت عند المؤرخين وكتاب السنن أنه (صلّى الله عليه وآله) كان يستخلف على المدينة إذا أراد سفراً، ولا يرسل جيشاً في مهمة حتى يعيّن له قائداً، وربّما عين لبعض جيوشه أكثر من قائد(1).
ومن المؤسف أنه عندما يريدون تنزيه شخص أو جماعة يخلقون أفضل المبررات في نظرهم، ويعتذرون عنهم بأحسن الأعذار. من ذلك ابتدع معاوية فرقة القصاصين الذين يشيدون بمآثره، ويعيبون على عليّ وأنصاره. ثم اخترع فرقة المرجئة الذين يرجئون معايب ونقائص الخليفة إلى يوم الحساب، ويعفى من محاسبة الجماعة له إن ظلم أو أخطأ. كما نسب إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) وإلى الله سبحانه وتعالى ما لم ينزل به سلطان. كل ذلك من أجل تصحيح عمل قام به السلف، أو من أجل مصالح دنيوية ضيّقة، وقد نسوا أو تناسوا قول الله تعالى: (… أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(2).
ولو أنصف الناس الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) لاكتفوا بنص الغدير وحده دون غيره من النصوص الكثيرة، فقد شهد بيعة يوم الغدير جل المسلمين، وشاهدوا المراسيم التي اجراها الرسول (صلّى الله عليه وآله) في ذلك اليوم التاريخي ومن العجيب كيف نسيت الأمة بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ذلك اليوم، هذا والعهد قريب والرسول (صلّى الله عليه وآله) بعد لم يدفن والشهود الكثر حضور. ولا أريد أن أخوض في هذا الحديث المؤلم الذي دب الاختلاف بين المسلمين وفرّقهم فرقاً وشيعاً.
ولا يخفى على كل ذي بصر أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وحده المنصوص عليه بالخلافة من قبل الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، وكذلك أولاده عليهم الصلاة والسلام(3).
وقد التزم الأئمة (عليهم السلام) في نص بعضهم على بعض، السابق منهم على اللاحق، والوالد على ولده، إقامة للحجة، وإعذاراً للأمة. وهنا أحد النصوص الكثيرة في حق الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) من قبل أبيه الصادق (عليه السلام):قال محمد بن الوليد: سمعت علي بن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول لجماعة من خاصته وأصحابه: استوصوا يا بني موسى خيراً، فإنه أفضل ولدي، ومن أخلفه من بعدي، وهو القائم مقامي، والحجّة لله تعالى على كافة خلقه من بعدي)(4).
والإمام موسى (عليه السلام) بلغ أعلى مستويات الإنسانية وقيمها في مواهبه وعبقرياته، فكان عنواناً فذاً من أفذاذ العقل الإنساني، ومثلاً رائعاً من أمثلة الخير والكمال في الأرض؛ وذلك لما أثر عنه من الفضائل والمآثر كدماثة الأخلاق، والإحسان إلى الناس، والصمود أمام الأحداث، وسعة العلم، ونبل الحلم، إلى غير ذلك من النزعات الكريمة التي يقدّسها كل إنسان يقدّر المثل العليا، ويؤمن بالانسانية الكريمة؛ وقد منحه الله تعالى الإمامة، وخصّه بالنيابة العامة عن جده الرسول الأعظم، فهو أحد أوصيائه المعصومين، وأحد خلفائه على أمته.
والإمامة حسب مفهوم الشيعة، كالنبوة لا يمنحها الله إلا للذوات الخيّرة التي طهرت من الأرجاس والآثام. وهي من أسمى المناصب الإلهية لا يتوّج بها إلا أفضل الخلق وأكرمهم عند الله. وهنا لابدّ من توضيح معنى الإمامة.
معنى الإمامة

الإمام لفظاً : يقال للطريق الواسع الواضح، ولدليل المسافرين، ولحادي الإبل، والقدر الذي يتعلمه التلميذ كل يوم في المدرسة يقال: حفظ الصبي إمامه. والقرآن للمسلمين جاء في التنزيل: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)(5)،(6).
والإمامة اصطلاحاً :(رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص إنساني).
والإمام حسب هذا التحديد هو الزعيم العام والرئيس المتبع الذي له السلطة الشاملة على جميع شؤون الناس الدينية والدنيوية فالنبي (صلّى الله عليه وآله) أولى بالمؤمنين من أنفسهم فكذلك الإمام حسب ما نص عليه النبي (صلّى الله عليه وآله) في خطابه بغدير خم حينما نصب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) خليفة وإماماً على المسلمين من بعده.
حاجة الأمة إلى الإمامة
الإمامة اصل من أصول التشريع الإسلامي، اتفق المسلمون على ضرورتها، لأن الشريعة الإسلامية مجموعة من الأحكام والقواعد فيها الحدود والعقوبات، وفيها الحكم بما أنزل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيها الجهاد في سبيل الله، والدفاع عن حياض الدين، والإرث والزواج وكل ما يتعلق بتنظيم الحياة الدنيوية والدينية تنظيماً سليماً مباركاً يعود بالفائدة على الفرد والمجتمع. جاء في السياسة الشرعية لابن تيمية:(إن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، ولأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصرة المظلوم وكذلك سائر ما أوجبه الله من الجهاد والعدل، وإقامة الحدود، ولا تتم إلا بالقوة والإمارة..)(7).
فلابد لوجود المسلمين السياسي والديني والاجتماعي من إمام يسوس أمرهم ويعالج قضاياهم على ضوء كتاب الله، وسنّة نبيه المصطفى (صلّى الله عليه وآله)، ويسير فيهم سيرة حسنة قوامها العدل الخالص، وإظهار الحق وإرجاعه إلى مستحقه.
وبذلك تصبح الإمامة ضرورة من ضروريات الحياة الإسلامية لا يمكن الاستغناء عنها، فبها تتحقق العدالة الكبرى التي ينشدها الله في الأرض عن طريق الأئمة العلماء. ومن هنا كان القول المأثور: العلماء ورثة الأنبياء.
ومن الأمور الضرورية الداعية إلى قيام الإمامة: ايصال الناس إلى معرفة الله وطاعته، وارشاد المجتمع إلى الخير والحق والصلاح وتغذيته بروح الإيمان والتقوى وإبعاده عن الشرور والمفاسد.
الاتفاق على وجوبها
اتفق عامة المسلمين على وجوب الإمامة بمعناها القيادي للامة سوى الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق فيما بينهم(8).
وقد أجمع المسلمون على زيف ذلك وبطلانه أما الأخبار التي تضافرت على ضرورتها هي كثيرة اخترنا منها:
1ـ قول الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله): (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية وقال (صلّى الله عليه وآله): من فارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عصبية يغضب لغضبها أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية)(9).
وقال ابن خلدون: (إن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين ولم تترك الناس فوضى في عصر… واستقر ذلك إجماعاً دالاً على وجوب نصب الإمام…)(10).
يبدو واضحاً ممّا تقدم أن المسلمين قد أجمعوا منذ فجر التاريخ على ضرورة الإمام، وإنها من الواجبات الشرعية التي لا تستقيم الحياة في البلاد الإسلامية بدونها.

Leave A Reply

Your email address will not be published.