ما هو الإيمان؟

0

 

معنى الإيمان ومسمّاه :

أصل الإيمان : الإذعان إلى الحقِّ على سبيل التصديق له واليقين . ولكنّه صار اسماً لشريعة سيدنا محمد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) (1) .

واختلفوا في مسمّى الإيمان في العرف الشرعي .

فقد ذهب المعتزلة والخوارج والزيدية وأهل الحديث إلى أنّ الإيمان اسم لأفعال القلوب والجوارح مع الإقرار باللسان . وأنّ الإيمان يتناول طاعة الله ومعرفته مع ما جعل الله تعالى عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً في الكتاب والسُنّة المطهّرة . وأنّ الإخلال بواحد من هذه الأمور كفرٌ .

وذهب أبو حنيفة والأشعري إلى أنّ الإيمان يحصل بالقلب واللسان معاً .

وهناك فريق ثالث يرى أنّ الإيمان عبارة عن الاعتقاد بالقلب فقط . وتبلور عنه اتجاه يحصر الإيمان في نطاق ضيق ، هو معرفة الله بالقلب ، حتى إنّ مَن عرف الله ثم جحده بلسانه ومات قبل أن يقرّ به ، فهو مؤمن كامل الإيمان .

وبالمقابل برز فريق رابع يرى أنّ الإيمان ـ حصراً ـ هو الإقرار باللسان فقط . وتبلور عنه اتجاه يرى أنّ الإيمان هو إقرار باللسان ، ولكن بشرط حصول المعرفة في القلب (2) .

ولكن التدبُّر في آيات القرآن الكريم يكشف حقيقة أُخرى للإيمان بعيدة عن كلِّ ما تقدّم ، وهي أنّ الإيمان ليس مجرد العلم بالشيء والجزم بكونه حقاً ؛ لأنّ الذين تبيّن لهم الهدى لم يردعهم ذلك عن الارتداد على أدبارهم ، ولم يمنعهم من الكفر والصد عن سبيل الله ومشاققة الرسول كما في قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى … إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) (3) ، ومنهم مَن أضله الله على علم (4) .

فالعلم إذن لا يكفي وحده في المقام ما لم يكن هناك نوع التزام بمقتضاه وعقد القلب على مؤداه ، بحيث تترتّب عليه آثاره ولو في الجملة .

ومن هنا يظهر بطلان ما قيل : إنّ الإيمان هو العمل ؛ وذلك لأنَّ العمل يجامع النفاق ، فالمنافق له عمل ، وربما كان ممّن ظهر له الحق ظهوراً علمياً ، ولا إيمان له على أي حال (5) .

وفي هذا الخصوص ، وردت أحاديث كثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) تعكس التصور الإيماني الصحيح ، وفق نظرة شمولية ترى أنّ الإيمان هو عقد بالقلب وقول باللِّسان وعمل بالأركان .

سُئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الإيمان ، فقال : ( الإيمان معرفة بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان ) (6) .

وقال الإمام الباقر (عليه السلام) في معرض تفريقه بين الإسلام والإيمان : (الإيمان إقرار وعمل ، والإسلام إقرار بلا عمل ) (7) .

ويُؤكد الإمام الصادق (عليه السلام) على قاعدة التلازم بين القول والعمل في تحقق مفهوم الإيمان ، فيقول : ( ليس الإيمان بالتحلّي ولا بالتمنّي ، ولكن الإيمان ما خلص في القلوب وصدّقته الأعمال ) (8) . وعن سلام الجعفي قال : سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإيمان ، فقال : ( الإيمان أن يطاع الله فلا يعصى ) (9) .

ويتّضح من خلال تلك الأحاديث ونظائرها أنّ أهل البيت (عليهم السلام) قد رفضوا كون الإيمان مجرد إقرار باللسان ، أو اعتقاد بالقلب ، أو بهما معاً ؛ لأنّه فهم سطحي قاصر ، إذ هكذا إيمان لا روح فيه ولا حياة ، ما لم يقترن بالطاعة المطلقة لله وتنفيذ ما أمر ، والانتهاء عمّا زجر ، كل ذلك في دائرة الوعي والسلوك والعمل .

هذا ، وتبلغ دائرة الإيمان أقصى اتساع لها في جواب الإمام الصادق (عليه السلام) على سؤال عجلان أبي صالح ، عندما سأله عن حدود الإيمان ، فقال (عليه السلام) : ( شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنَّ محمداً رسول الله ، والإقرار بما جاء به من عند الله ، وصلاة الخمس ، وأداء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحجّ البيت ، وولاية وليّنا ، وعداوة عدّونا ، والدخول مع الصادقين ) (10) .

وهكذا نجد أنّ مفهوم الإيمان في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) يتجاوز دائرة الاعتقاد المنسلخ عن السلوك ، ويرتكز على رؤية موحّدة ومترابطة ، تذهب إلى أنّ الاعتقاد القلبي متقدّم رُتَبيَّاً على الإقرار اللفظي ، ولا بدَّ من أن يتجسّد هذا الاعتقاد وذلك الإقرار إلى سلوك سوي . ثم إنّ كلّ تفكيك بين الإيمان وبين العمل يفتح الباب على مصراعيه أمام النفاق والمظاهر الخادعة والدعاوى الباطلة ؛ وعلى هذا الأساس قال الإمام الصادق (عليه السلام) : (الكفر إقرارٌ من العبد ، فلا يُكلَّف بعد إقراره ببيّنة ، والإيمان دعوى لا يجوز إلاّ ببيّنة وبيِّنته عمله ونيَّته ) (11) .

فالإمام (عليه السلام) في هذا الحديث يضع ميزاناً دقيقاً للإيمان ، يرتكز في أحد كفَّتيه على الباطن الذي تعكسه نية الفرد وانعقاد قلبه على الإيمان ، وفي الكفَّة الأخرى يرتكز على الظاهر الذي يتمثَّل بعمله وسلوكه السوي الذين يكونا كمرآة صافية لتلك النية .

ومن هنا يُؤكِّد الأئمة (عليهم السلام) على أنّ الإيمان كل لا يتجزَّأ ، ويرتكز على ثلاث مقوِّمات : “الاعتقاد” ، و”الإقرار” ، و”العمل” .

فعن أبي الصلت الهروي ، قال : سألت الرضا (عليه السلام) عن الإيمان ، فقال (عليه السلام) : ( الإيمان عقد بالقلب ولفظ باللسان ، وعمل بالجوارح ، ولا يكون الإيمان إلاّ هكذا ) (12) .

تأمّل جيداً في العبارة الأخيرة من الحديث : (… ولا يكون الإيمان إلاّ هكذا ) ، فهي خير شاهد على النظرة الشمولية غير التجزيئية للإيمان التي تتبنَّاها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) .

ولم تنطلق تلك النظرة من فراغ ، أو جرّاء التأثُّر بالمدارس الكلامية ، وإنما هي ربانية التلقِّي نبوية التوجيه ، قال الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) : ( الإيمان والعمل شريكان في قرن ، لا يقبل الله تعالى أحدهما إلاّ بصاحبه ) (13) .

ثم إنّ هذه النظرة الشمولية للإيمان ـ بمقوِّماتها الثلاثة ـ تستقي من منابع قرآنية صافية ، يقول العلاّمة الراغب الأصفهاني : (والإيمان يُستعمل تارةً اسماً للشريعة التي جاء بها محمد (عليه الصلاة والسلام) ، وعلى ذلك : ( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ ) (14) ، ويُوصف به كلُّ مَن دخل في شريعته مُقرَّاً بالله وبنبوَّته ، قيل وعلى هذا قال تعالى : ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) (15) .

وتارةً يستعمل على سبيل المدح ويُراد به إذعانُ النَّفس للحقِّ على سبيل التصديق ، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء : تحقيقٌ بالقلب ، وإقرار باللِّسان ، وعمل بحسب ذلك بالجوارح ، وعلى هذا قوله : ( وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ) ) (16) .

وإنّ قال قائل : إنَّ الله سبحانه قال : ( والَّذينَ آمنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أولئِكَ أصحابُ الجَنَّةِ ) (17) والعطف دليل التغاير ، ومعنى هذا أنَّ العمل ليس جزءاً في مفهوم الإيمان .

قلنا في جوابه : المراد بالإيمان هنا مجرَّد التصديق ، تماماً كقوله تعالى حكاية عن أخوة يوسف : ( وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ) (18) . أمّا أكمل الإيمان ، فهو أن يعمل حامله بموجب إيمانه ، ويُؤثره على ميوله وأهوائه ، ويتجشّم الصعاب من أجله ، لا لشيء إلاّ طاعة لأمر الله (19) .

وصفوة القول : إنّ الإيمان برنامج حياة كامل ، لا مجرد نية تُعقد بالقلب ، أو كلمة تقال باللِّسان بلا رصيد من العمل الايجابي المثمر .

ونخلص إلى القول بأنّ للإيمان مرتبتين ، تُعني الأولى منهما : التصديق بقول : (لا إله إلاّ الله محمد رسول الله) ، وهذا هو الحد الأدنى من الإيمان ، وهو الإيمان بمعناه الأعم ، الذي يصدق على كل مَن دخل في دين الإسلام مقرّاً بالله وبنبوة سيدنا محمد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) .

فيما يراد بالمرتبة الثانية من الإيمان ما هو فوق التصديق من الإقرار باللسان والعمل بالأركان ، أي التزام مبادئ الشريعة الإسلامية وأحكامها ، من أداء الواجبات والعمل بالطاعات وتجنُّب المنكرات والشبهات ، وهذا هو الإيمان الممدوح في القرآن والسُنّة .

وهذه المرتبة الأخيرة من الإيمان هي التي ستكون محل الاهتمام في هذا الكتاب، دون المرتبة الأولى .

…………………………

Leave A Reply

Your email address will not be published.