شبهات و حلول
الجواب : أمّا بالنسبه إلى اختلاف المخلوقات فی المعطیات الوجودیه فلا یخفى أن افتراض التساوی بینها یعنی ترک الخلق من رأس ، لأنه لو کان أفراد البشر رجالاً أو نساءً لما تحقق التوالد والتناسل أبداً وهذا یعنی انقراض النوع الإنسانی ، ولو کانت المخلوقات جمیعاً من نوع الإنسان لما وجد شیء یتغذى به الإنسان ، أو ما یوفّر لها سائر متطلباتها وحاجیاتها ، وکذلک لو کانت جمیع المخلوقات من الحیوانات والنباتات منحصره فی نوع وشکل واحد لما وجدت الفوائد التی لا تحصى ولما ظهر الجمال فی الوجود ، لأن الجمال فی عالم الدنیا لا یُدرک إلاّ من بعد مقایسه الأشیاء بعضها ببعض .
وأمّا بالنسبه إلى اختلاف الناس فی استعداداتهم وغباتهم فهذا الأمر راجع إلى الإنسان نفسه إما کفرد أو کمجتمع .
فربمّا یکون هو کفرد السبب فی تخلفه وتأخُّره وذلک لأنَّه لم یستفد من قدراته فی بدء نشوئه وبلوغه ممّا أدّى إلى ضعف قاعدته الروحیه والنفسیه وتفرّعت من ذلک نتائج أخرى جعلته یتأخر عن الآخرین فی مجالات الحیاه ، والمعروف أن الشر یجر معه الشر کما أن الخیر یجر معه الخیر وحینئذٍ فالعتاب واللوم یتوجَّه إلى الإنسان نفسِه .
وربما یکون المجتمع هو السبب فی ذلک کما هو الغالب وهذا الأمر ممّا یحتاج إلى الدقّه والتأمل . ونحن قد کتبنا فی هذا المجال حول قضیه آدم علیه السلام والسر فی هبوطه إلى الدنیا وابتلاء بنیه بأنواع البلایا .. فراجع .
ونقول هنا أنه لو لم یخرج آدم علیه السلام من الجنّه لما ابتلى بنوه بالدنیا وما فیها من مصائب ومصاعب وبلایا وشرور . ولما کان للشیطان دور فی إغوائهم وإضلالهم ولکن ما دام قد وقعت تلک المشکله التی هی أمّ المشاکل أعنی خروجه من الجنّه جرّاء تقربه إلى الشجره المنهیَّه ، وبدلاً من أن یفکر بنو آدم فی خلاص أنفسهم منها استقبلوها برحابه صدر وطیب نفس فأکبوا على الدنیا کأنّها دار البقاء والخلود ، والمفروض أن یتبِّعوا أوامر الله ونواهیه الواصله إلیهم من خلال الرسل والأنبیاء والأولیاء علیهم السلام ، ولکنهم شنّوا الحرب ضدّهم وحرموا أنفسهم من تعالیمهم حتى ظهر الفساد فی البر والبحر وفی جمیع مجالات الحیاه سواء فی أسلوب التزاوج والتناسل ، و التربیه ، و الأکل والشرب ، و انتخاب طریقه کسب المال وما إلى ذلک .
وهذا هو السبب الرئیسی فی اختلاف القابلیات والاستعدادات والأذواق بل فی انحطاطها وتخلُّفها ، فالأمر إذاً غیر راجع إلى الله مباشرهً ولا یخلُّ ذلک بعدله أصلاً بل هو راجع إلى الإنسان نفسه فعلیه أن یفکّر فی إصلاح نفسه لیصلح العالم الذی یحیط به ومن هنا تعرف السر فی أهمیه بناء النفس والمجتمع فی تعمیر البلاد أو خرابها .
ثم : إننا ومن خلال من شرحنا یمکننا أن نجیب على شبهه ثانیه فی مجال العدل الإلهی وهی :
الشبهه الثانیه: کیف یتلاءم العدل الإلهی مع وجود المصائب والأمراض والکوارث الطبیعیه ( أمثال السیل والزلزله ) والمتاعب الإجتماعیه ( أمثال الحروب وألوان الظلم) ؟
الجواب : بالنسبه إلى الحروب والظلم السائد على المجتمع الإنسانی فلا یخفى أن کلّها ترجع إلى نفس الإنسان ولا خیر فیها أصلاً ، کما أنه لا علاقه لها بالعدل الإلهی ولا بدّ من أن التخطیط لأجل التخلُّص منها و فی نهایه المطاف لابد أن یُنجی الإنسانُ نفسَه منها ، ذلک بظهور مَن به یملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً کما ملئت ظلماً وجوراً ، على أن حدوث هذه الحروب والنزاعات دلیل على أن بعض الناس بالفعل یسعَون وراء إقامه العدل وإماته الظلم ( وإن کانوا قلیلین ) فالباعث لها و منطلقها هو العدل کما یقول سبحانه :
{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبیع وصلوات ومساجد یذکر فیها اسم الله کثیراً ولینصرَّن الله من ینصره إن الله قوی عزیز }[۱۲] .
و لا یخفى أنَّ الصوامع والبیع إنَّما هی إشاره إلى محل إقامه العدل والرجوع إلى الله العادل سبحانه و تعالى .
تبقى المصائب الأخرى من الأمراض والزلازل ووو .. هذه أیضاً ترجع إلى الناس أنفسهم کما یقول تعالى :
{ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا علیهــم برکات من السماء والأرض} [۱۳]
مضافاً إلى ذلک فهی دروس تحتاج إلیها البشریه وهی تعیش هذه الدنیا الدنیه وهذه الدروس تتلخص فی :
•ألف : وسائل لتفجیر الطاقات :
لو لم یتعرض الإنسان لها فسوف لا تنمو طاقاته ولا تنفتح وستبقى جامده فهی التی تُخرج الطاقات البشریه من مرحله القوه إلى مرحله الفعلیه وهی الأرضیه الخصبه للتخلص من حاله الکسل .
قال أمیر المؤمنین علیه السلام :
{ ألا و إن الشجره البریه أصلب عوداً و الرواتع الخضره أرقُّ جلوداً و النابتات العذیه أقوى وقوداً و أبطأ خموداً }[۱۴]
قال ابن أبی الحدید :
{ النابتات العذیه التى تنبت عذیا و العذی بسکون الذال الزرع لا یسقیه الا ماء المطر و هو یکون أقلّ أخذاً من الماء من النبت سقیا قال علیه السلام أنّها تکون أقوى وقوداً ممّا یشرب الماء السائح أو ماء الناضح و أبطأ خموداً و ذلک لصلابه جرمها}[۱۵]
وقال تعالى : { فإن مع العسر یسراً إن مع العسر یسرا }[۱۶]
ب : المصائب والبلایا جرس إنذار :
إن التوغل فی اللذائذ تؤدی إلى الغفله الکبرى عن القیم الأخلاقیه فلا بدّ من جرس للإنذار ولا بدّ من مذکّر یوقظ الإنسان من نومه الغفله ، ولیست هناک وسیله أفضل من الحوادث الخطیره التی تؤدی إلى أن یدرک الإنسان مدى عجزه وفقره إلى الله تعالى . قال تعالى :
{ کلا إن الإنسان لیطغى ، أن رآه استغنى }[۱۷] .
وقال سبحانه وتعالى : {وما أرسلنا من قریه من نبی إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم یضرّعون }[۱۸] . وقال سبحانه : {لقد أخذنا آل فرعون بالسنین ونقصٍ من الثمرات لعلهم یذکرون }[۱۹] .
فالإنسان الواعی یتخذ مثل هذه المصائب سلِّماً للرقی إلى الکمال والسعاده والخیر .
•ج : البلایا سبب للعوده إلى الحق :
ولما کانت المعاصی والذنوب من أکبر الأسباب التی توجب بُعد الإنسان عن الهدف الذی خلق من أجله ، کانت البلایا والمصائب خیر وسیله لإیقاف الإنسان العاصی عن نتائج عتوه وعصیانه حتى تعود إلى الحق .
قال تعالى : {ظهر الفساد فی البر والبحر بما کسبت أیدی الناس لیذیقهم بعض الذی عملوا لعلهم یرجعون }[۲۰]
ویقول سبحانه وتعالى : {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا علیهم برکات من السماء والأرض ولکن کذبوا فأخذناهم بما کانوا یکسبون }[۲۱]
•د : البلایا سبب معرفه النعم وتقدیرها :
فلا یمکن معرفه السلامه إلاّ بالوقوف على العیب ، ولا الصحه إلاّ بلمس المرض ، ولا العافیه إلاّ عند نزول البلاء ، ولا تدرک لذه الحلاوه إلاّ بتذوق المراره .
ولأجل ذلک نشاهد أن الله تعالى جعل الودیان إلى جانب الجبال ، والأشواک إلى جانب الورود ، والثمار المرّه جنب الحلوه ، والماء الأجاج جنب العذب الفرات .
الشبهه الثالثه: إذا کانت الحکمه الإلهیه تقتضیه لحیاه الإنسان فی هذا العالم فلماذا یمیته وینهی حیاته ؟ وهل البناء ثم التخریب یتلاءم مع الحکمه والعدل ؟
الجواب : ومن خلال السؤال نعلم بأن السائل یرى بأن الموت هو الفناء والزوال ولا یستهدف الله فی خلق الإنسان إلاّ الأکل والشرب فی أیام قلائل ثم الموت والفناء و الانعدام بالمرَّه !!
ومن الواضح بطلان هذا النوع من التصور والخیال بل الموت لیس هو إلاّ الوفاه الذی یعنی الاستیفاء الکامل للروح وانتقاله إلى عالم آخر ، ومنزل أرقى وأفضل وهو عالم الملکوت ثم عالم الجبروت والآخره الذی لا فناء بعده أصلاً ومن الواضح أن الإنسان سوف یحصد ما زرعه فی دنیاه إن خیراً فخیر وإن شراً فشرٌ .
بل الإنسان یعشق الأبدیه والخلود ویسعى وراء ذلک کما هو المشاهد من خلال تصرفاته حیث یسعى دائماً فی صون نفسه من کل ما یؤدی إلى هلاکه حتّى یبقى خالداً ، فهذا العشق دلیل أن هناک بالفعل عالماً آخر غیر عالم الدنیا ینتقل إلیه الروح فیبقى خالداً فیه لا یعتریه الفناء ، لأنَّ کلَّ عاشق یتطلب معشوقاً موجوداً بالفعل .
قال تعالى: {أ فحسبتم أنما خلقناکم عبثا وأنکم إلینا لا ترجعون }[۲۲] .
توضیح حقیقه الموت تفصیلاً سوف یأتی فی مبحث المعاد إنشاء الله تعالى .
الشبهه الرابعه : رغم أن الذنوب المرتکبه فی الدنیا محدوده فکیف یتلاءم ذلک مع العذاب الأبدی وهل ینسجم ذلک مع العدل الإلهی ؟
الجواب : إنّ العذاب الأخروی وکذا الثواب لیسا هما إلاّ انعکاساً لحقیقه الإنسان التی تتلخص فی روحه ونفسه لا فی عمله وجوارحه ، وقد أشار إلى ذلک سبحانه فی قوله : { یوم لا ینفع مال ولا بنون ، إلاّ من أتى الله بقلب سلیم }[۲۳]
فالمیزان فی الآخره هو القلب لیس إلاّ وعلى هذا الأساس نقول بأن المرتکب للذنب مهما طال أو قصر عمره فهو یمتلک قلباً مریضاً لا سلامه فیه ، فبمَ ینتفع إذاً ؟ فهو کمن فطس عینیه بنفسه فأعماها فهو سوف ینحرم عن النظر طیله حیاته ؟
ومن هنا نشاهد فی الأحادیث التأکید البالغ على النیّه وأنها أفضل من العمل حیث أنّها هی الأساس للعمل فقد ورد فی الکافی الشریف : { علی عن أبیه عن النوفلی عن السکونى عن أبی عبد الله علیه السلام قال قال رسول الله ص نیه المؤمن خیر من عمله و نیه الکافر شر من عمله و کل عامل یعمل على نیته}[۲۴]
و جوارح الإنسان لیس لها دور إلاّ تبعیَّه القلب والأعمال هی ثمرات القلب فالشارع المقدَّس عندما یأمرنا بوضع الجبهه على الأرض لا یستهدف من ذلک إلاّ إیجاد روحیه التعبُّد والخضوع فی قلوبنا و من هنا نرى بأن السجود مع الغفله أو الریاء لا قیمه له أصلاً لأنَّ هذا النوع من وضع الجبهه على الأرض لا روح له و المقصود من کافه التکالیف إنَّما هو إصلاح القلب فقط قال الله تعالى: {لن ینال الله لحومها و لا دماؤها و لکن یناله التقوى منکم}[۲۵]
ولا یخفى أنَّ التقوى صفه لقلب الإنسان ومن هنا ورد فی مصباح الشریعه عن الإمام الصادق علیه السلام :
{ صاحبُ النیه الصادقه صاحب القلب السلیم لان سلامه القلب من هواجس المحذورات بتخلیص النیه لله فی الأمور کلها قال الله عز و جل یوم لا ینفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سلیم}[۲۶]
وهذا هو السرّ فی سموّ مستوى أصحاب سید الشهداء أبی عبد الله الحسین علیه السلام حیث و صلوا خلال یوم واحد بل عدَّه ساعات إلى مستوى یُسلِّم علیهم صاحب الأمر عجل الله فرجه الشریف .
ـــــــــــــــ
[۱] الحج ۴۰
[۲] الأعراف ۹۶
[۳]بحار الأنوار ج ۳۳ ص ۴۷۳ روایه ۶۸۶ باب ۲۹
[۴] نهج البلاغه ج ۱۶ باب ۴۵ ص ۲۸۹
[۵] الانشراح ۵-۶ .
[۶] العلق ۶-۷ .
[۷] الأعراف ۹۴
[۸] الأعراف ۱۳۰ .
[۹] الروم ۴۱
[۱۰] الأعراف۹۶
[۱۱] المؤمنون ۱۱۵
[۱۲] الشعراء ۸۸- ۸۹
[۱۳]الکافى ج ۲ ص ۸۴ روایه ۲
[۱۴] الحج ۳۷
[۱۵] بحار الأنوار ج ۷۰ ص ۲۱۰ روایه ۳۲ باب ۵۳