شبهات حول واقعه الغدیر
والشیعه یرون هذا الحدیث نصاً من النبی على خلافه علی(علیه السلام).
مقدمه لفهم الواقعه : وصل النبی والحجیج منطقه خم ، وهو مکان تفرق الحجاج ، فنزل قول الله : (( یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته والله یعصمک من الناس )) فبلّغ النبی ما أُنزل إلیه ، فنزل قولـه تعـالى (( الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی ورضیت لکم الإسلام دیناً)) .
ثم هنأ الصحابـه – یقدمهم أبو بکر وعمر – علیـاً وقال کل منهما : (( بخٍ بخٍ لک با بن أبی طالب أصبحت مولای ومولى کل مؤمن ومؤمنه )) .
هذه الأحادیـث حصلت فی یومٍ واحد ومکان واحد على مرأى ومسمع الغالبیـه المطلقـه من الصحابه .
ومن المعروف أن الله عز وجل إذا فرض شیئاً جدیداً على المسلمیـن ، لا یجعل له مقدمات ولا ترتیبات ، فحین فرضت الصلاه أخبر المسلمیـن بذلک مباشره وهکذا سائـر الفرائض کالصوم والزکاه .
وفی حادثه الغدیـر نجد الأمر قد اختلف ، فقد نزلت آیه تأمر الرسول بتبلیغ ما أنزل الله إلیه .. وبعد أن بلّغه النبی نزلت آیه الإکمال . وکأنّ إکمال الدین کان متوقفاً على هذا الأمر فما کان ذاک ؟! أهو نص على خلافه علی أم بیان محبته ؟!
شرف الدین یحسم الخلاف : لقد قیل : لا تنظر إلى من قال ولکـن انظر إلى ما قیل . نعم – أخی المسلـم – تابع معنا هذا الکلام کلمه بکلمه لترى معنى حدیث الغدیر .
أوّل سلیم البشری – شیخ الأزهر – کلمـه مولى بالناصر والمحب … لیحمل الصحابـه على الصحه .
فأجابه عبد الحسین شرف الدین : (( لو سألکم فلاسفه الأغیار عما کان منه یوم غدیر خم فقال : لماذا منع تلک الألوف المؤلفه یومئذٍ عن المسیر (۱) ؟ وعلام حبسهم فی تلک الرمضاء بهجیر ؟
وفیم اهتم بإرجاع من تقدم منهم وإلحاق من تأخر ؟ ولم أنزلهم جمیعـاً فی ذلک العراء على غیر کلاء ولا ماء ؟ ثم خطبهم عن الله عز وجل فی ذلک المکان الذی منه یتفرقون لیبلِّغ الشاهد منهم الغائب ، وما المقتضى لنعی نفسه إلیهم فی مستهل خطابه ؟ إذ قال : (( یوشک أن یأتینی رسول ربی فأجیب ، وإنی لمسؤول وإنکم لمسؤولون )) ، وأی أمر یسأل النبی(صلى الله علیه وآله)وسلم عن تبلیغه ؟ وتسأل الأمـه عن طاعتها فیه ، ولماذا سألهم : ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؟ … قالوا : بلى ، ولماذا أخذ حینئذٍ على سبیل الفور بید علی فرفعها إلیه حتى بان بیاض إبطیـه ، فقال : (( یا أیها الناس إن الله مولای وأنا مولى المؤمنین )) ولماذا فسر کلمته ( وأنا مولى المؤمنین ) بقوله : وأنا أولى بهم من أنفسهم ؟ ولماذا قال بعد هذا التفسیر : ((فمن کنـت مولاه ، فهـذا علی مولاه . اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله )) ؟ ولم خصه بهذه الدعوات التی لا یلیق لها لا أئمه الحق ، وخلفاء الصدق ؟
ولماذا قرن العتـره بالکتـاب ، وجعلهم قدوه لأولی الألبـاب؟ وفیم هذا الاهتمـام العظیـم من هذا النبی الکریم ؟ وما المهمه التی احتاجت إلى کل هذه المقدمات ؟ …وما الشیء الذی أمره الله بتبلیغه ؟ … وأی مهمه استوجبت من الله التأکید ، واقتضت الحض على تبلیغها بما یشبه التهدید ؟ وأی أمر یخشى النبی الفتنه بتبلیغه ویحتاج إلى عصمه الله ؟
أکنتم – بجدک لو سألکم عن هذا کله – تجیبونه بأن الله عز وجل ورسوله(علیه السلام) إنما أرادا بیان نصره علی للمسلمین وصداقته لهم لیس إلا ؟ ما أراکم ترتضون هذا الجواب ، ولا أتوهم أنکم ترون مضمونه جائز على رب الأرباب ولا على سید الحکمـاء وخاتم الرسل والأنبیـاء ، وأنتم أجل من أن تجوزوا علیه أن یصرف هممه کلها وعزائمه بأسرها إلى تبیین شیء بیّن لا یحتاج إلى بیان ولا شک ، أنکم تنزهون أفعاله وأقواله عن أن تزدری بها العقلاء أو ینتقدها الفلاسفه والحکماء … )) (2) .
ولنأخـذ هذا النص ثم نقف عنده قلیـلاً . عن حذیفه بن أسید قال صلىالله علیه وآله وسلم : (( ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله …)) قالوا : بلى نشهد بذلک . قال: ((اللهم اشهد – ثم قال – : یا أیها الناس إن الله مولای وأنا مولى المؤمنین وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن کنت مولاه فهذا مولاه )) .
أولاً : نلاحظ أن النبی استدرج المسلمین فأخذ منهم الشهاده لله بالوحدانیه ولنفسه بالنبوه ، کی یمهد للأمر المراد تبلیغه . فالرسول ذکر أصلین من أصول الدین : التوحید والنبوه . فما علاقـه محبه علی ونصرته للمسلمین بهذین الأصلین ؟! وهل مجرد بیان محبه علی یستلزم ذکر التوحیـد والنبوه ؟! لعمری إنها لا تجتمع . فإراده المحبه هنا غیر وارده .
نعم ، إن الرسول أخذ الشهاده من الناس بالتوحید ، ثم بالنبوه ، فثلّث بالإمامه . وهذا ما یقبلـه السیاق . أما إراده المحبه فلا تجتمع مع التوحید والنبوه .
ثانیاً : قال النبی فی کلامـه (( إن الله مولای وأنا مولى المؤمنین وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن کنت مولاه فهذا – علی – مولاه )) .
فحین قال النبی : (( وأنا أولى بهم من أنفسهم )) ، قال مباشره : (( فمن کنت مولاه )) أی من کنت أولى به من نفسه فعلی کذلک . ففسر النبی کلمه (مولى) بکلمه ( أولى) (۳(.
وکلمه (أولى) هنا أعم من الخلافه ، فکما أن طاعه النبی أولى من طاعه الناس لأنفسهم ، فکـذا علی !!
فهل هناک قرینه أوضح من هذه ؟! وهل یجوز تأویل النص الظاهر فی دلالتـه لتصحیح أخطـاء الخلفاء ؟!
(( إنه لقول رسول کریم )) .
ثالثاً : إن محبه علی ونصرته للمسلمین یعرفها الجمیع ، وقد فرض الله مودتـه فی القرآن داعیـاً المسلمیـن إلى حبه وطاعته ، وجعل النبی حبه علامه الإیمان . وفی خیبر قال : (( لأعطین الرایه غداً لرجل یحب الله ورسوله ویحبه الله ورسوله )) ، فکان علیاً .
فمحبه علی ، ونصرته للمسلمین ، أمر مفروغ منه ، فلا یمکن تفسیر الحدیث بدعوه الناس لمحبه علی ، لأن محبتـه مفروضه بالقرآن . فإذا کان النبی دعا الناس لحب علی ، فهو لم یأت بشیء جدید – حاشاه – ولیس هذا إکمالاً للدین .
رابعاً : لقد فهم الصحابه وعلى رأسهم أبی بکر وعمر ما فهمه شیعه آل البیت . فبعد أن بلّغ النبی أمـر الله ، قال أبو بکر وعمر لعلی : بخ بخ لک با بن أبی طالب أصبحت مولای ومولى کـل مؤمن ومؤمنـه ، وتبع الصحابه أبا بکر وعمر ببیعه علی – وهم أکثر من مائه ألف – ولمده ثلاثه أیام .
إن أبا بکر وعمر قالا لعلی : (( أصبحت مولای … )) فلو کان قصد النبی بیان محبه علی ودعوه الناس لهذا ، فمعنى ذلک أن الشیخین لم یمتثلا أمر الله فی حب علی إلا فی هذه اللحظه، لذلک قالا : (( أصبحت ))، ولا أعتقد أن أحداً یقبل هذا التفسیر ویرضاه للشیخین !
فقولهما : (( أصبحت مولای )) یدل على أمر جدید . ولنعم ما قال محمد جواد مغنیه : (( أی عاقل یهنئ غیره بحبه له )) ؟!!
فلا أدری هل نحن أعلم من الصحابه بلغه العرب وملابسات الحادثه ؟ فما بال العلماء یشرّقون ویغرّبون فی معنى المولى ؟ وما لنا لا نفهم الواقعه کما فهمها الصحابـه ؟ هذا حسان بن ثابت الشاعر الفصیح فهم منها ولایه الأمر فأنشد : فقال له قم یا علی فإننی رضیتک بعدی إماماً وهادیا هذا ما قاله حسان ، فهل أخطأ بفهمه للحدیث ؟! فالعجب ممن لم یحضر الحادثه ویفهم منها ما لم یفهمه حسان والصحابه !
خامساً : إن قول الرسول بعد نزول آیه الإکمال : (( الله أکبر على إکمال الدین وإتمام النعمه ،ورضى الرب برسالتی والولایه لعلی )) فیه دلاله واضحه على ما نقول فالنبی قرن النبوه بولایـه علی ، فالنبوه + محبه علی ، لا یستقیم السیاق .
ولکن النبوه + إمامه علی ، یستقیم السیاق .
سادساً : لو فرضنا أن الحدیث یدعو لحب علی ونصرته ، فهل امتثل السلف هذه الوصیه النبوه ؟ سل الجمل وصفین والنهروان و…و…
احتجاج علی بحدیث الغدیر :
فی مسجد الکوفه وبعد أن عادت الخلافه لعلی(علیه السلام)خطب بالناس : (( أنشد الله من سمع رسول الله(صلى الله علیه وآله)وسلم یقول یوم غدیر خم : من کنت مولاه فعلی مولاه ، لما قام فشهد .
فقام اثنا عشر بدریاً فقالوا : نشهد أنا سمعنا رسول الله(صلى الله علیه وآله)وسلم یقول یوم غدیر خم : (( ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم ، وأزواجی أمهاتهم ؟ )) . فقلنا : بلى یا رسول الله .
قـال : (( فمن کنت مولاه فعلی مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه )) . وکتـم الشهاده بعض الصحابه فدعا علیهم فأصابتهم الدعوه (۴) .
هذا الإمام علی(علیه السلام)یعید ذکرى الغدیر على الناس . فماذا أراد من ذلک ؟ هل أراد بیان نصرتـه ومحبتـه للمسلمیـن ؟! لا وربی لیس ذلک هـو الأمـر ، بل إنه أمـر أکبر من ذلک، فما طلب ادتهم إلا لیؤکد حقـه فی الخلافـه ، وما أصابت منکری الشهاده دعوتـه إلا لإنکارهم لأمر عظیم .
الغزالی یعترف : أبو حامد الغزالی الملقب بحجه الإسلام ، یعترف بأن حدیث الغدیر کان تنصیصاً لعلی خلیفـه على المسلمین قال : (( ولکن أسفرت الحجـه بوجهها وأجمع الجماهیـر على متن الحدیث من خطبته(صلى الله علیه وآله)وسلم فی یوم غدیر خم ، باتفاق الجمیع وهو یقول )) من کنت مولاه فعلی مولاه )) فقال عمر بخ بخ لک یا أبا الحسن ، أصبحت مولای ومولى کل مؤمن ومؤمنـه فهذا تسلیم ورضا وتحکیم . ثم بعد ذلک غلب الهوى بحب الرئاسـه وحمل عود الخلافـه وعقودالبنود، وخفقـان الهـواء فی قعقعـه الرایـات واشتباک ازدحـام الخیـول وفتح الأمصـار سقاهـم کأس الهوى فعـادوا إلى الخلاف الأول فنبذوا الحق وراء ظهورهم واشتـروا به ثمنـاً قلیلاً فبئس ما یشترون)) (۵)۰
___________________________
(۱) ما یذکره شرف الدین هنا أمر ثابت فی الروایات ومن أراد تفصیلها فلیراجع الجزء الأول من الغدیر .
(۲) المراجعات : ص۱۹۴-۱۹۵ المراجعه – 58 .
(۳) ذهب إلى تفسیر کلمه مولى بأولى کثیر من العلماء ونص ابن طلحـه الشافعی فی مطالـب السؤول ص۱۶ على ذهاب طائفـه إلى حمل اللفظ فی الحدیث على الأولى .
وذهب لهذا الرأی المبرد ، والزجاج ، وابن الأنباری ، والفراء ، وثعلب ، وابن المبـارک ، وابن الملقن ، والجوهری ومن المفسرین : الطبری ، والبغوی ، وأبو حیان الأندلسی ، والبیضاوی والثعالبی ، وأبو السعود ، والرازی ، والبخاری ، وسبط ابن الجوزی . راجـع منهـج فی الانتماء المذهبی ، صائب عبد الحمید : ص۱۱۰ – 114 .
(۴) فراجع مسند أحمد ۱/۱۱۹ ، مجمع الزوائد ، الهیثمی ۹/۱۱ وقال : إسناده حسن ، فضائل الصحابـه لأحمد بن حنبل ۲/۵۸۵ . أُسد الغابه ۲/۲۳۳ . خصائص النسائی : ص۲۲-۲۵ . الإصابه ۴/۱۸۲ . السیره الحلبیه ۳/۳۰۲ و ۳۳۷ . تاریـخ بغداد ۱۴/۲۳۶ . صفوه الصفوه ۱/۳۱۳ . تاریخ الخلفاء : ص۱۳۴ . حلیه الأولیاء ۵/۲۶ . الریاض النضره ۳/۱۲۷ . ترجمـه الإمام علی من تاریـخ دمشق ۲/۵-۲۵ . الکنى والأسمـاء ، الدولابی . شرح النهج ، ابن أبی الحدید ۱/۳۶۲ . المناقب ، ابن المغازلی الشافعی . مطالـب السؤول : ص۵۴ . البدایه والنهایه ۵/۲۱۰ و ۷/۳۴۸ . تذکره الخواص : ص۱۷ . جمع الجوامع ، السیوطی . وابن أبی عاصم فی السنه کما فی کنز العمال ۶/۴۰۷ . شرح المواهب ، الزرقانی ۷/۱۳ . ذخائر العقبى : ص۶۷ . خصائص النسائی : ص۲۲ . جواهر العقدین ، السمهودی . وسیله المآل ، الفضل بن با کثیـر الشافعی . المناقب ، الخوارزمی : ص۹۴ . العاصمی فی زین الفتى . مشکل الآثار ، الطحـاوی ۲/۳۰۸ . فرائد السمطین الباب العاشر . أسنى المطالب ، شمس الدین الجزری : ص۳ . راجـع الغدیر ۱۶۶-۱۸۵ .