کيف يکون الإنسان يوم القيامة

0

إنّ الذكر الحكيم يصف أحوال الإنسان وما يطرأ عليه وصفاً دقيقاً يهزّالمشاعر ويُثير الرعب فينعكس علىٰ سلوكه التربوي حيث يختار معه الطاعة على العصيان ، والدخول في ربقة الطاعة ، فكما أنّ الإيمان بنفس المعاد له أثر تربوي من خلال كبت غرائز الإنسان الجامحة ، فهكذا وصف ما يطرأ على الإنسان من الحالات ـ يوم القيامة مؤثر في كبت النفس الجامحة في هذه الدنيا ، وإيقافها عن الولوج في المعاصي.
إنّ الآيات الواردة في هذا الصدد علىٰ قسمين : فتارة تتخذ نفس الإنسان موضوعاً لوصف حاله في القيامة من دون أن يشير إلىٰ طائفة دون أُخرى ، وأُخرى تصنّف الإنسان إلىٰ طوائف خاصة وتصف حالة كلّ طائفة. وإليك الكلام في كلتا الطائفتين :
الطائفة الأُولى : الآيات التي تتكفل بيان حال الإنسان يوم القيامة دون أن تخصه بطائفة :
1. كلّ إنسان له شأن يغنيهيقول سبحانه : ( يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ).
فما هو الوجه في تحيّره واستغراقه بنفسه وغفلته عن سواه ، يعلم ذلك من الآيات التي تصف مشاهد القيامة وقد مرت أوصافها.
2. لا يملك إنسان لإنسان نفعاًقال سبحانه : ( فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ). وفي آية أُخرى : ( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ ).
والسبب في ذلك انّ النظام السائد في الدنيا سينهار في الآخرة وتنفصم معه كافة العلاقات والروابط والأسباب ، فلا تملك نفس لنفس شيئاً ، يقول سبحانه : ( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ).
والمراد من الأسباب المنقطعة هي الأسباب الدنيوية لا مطلق الأسباب ، فانّ ذلك النظام أيضاً مبني على أسباب خاصة لتلك النشأة.
3. ما لا ينفع الإنسان
يصرح الذكر الحكيم بأنّ المال والثروة والأولاد والأرحام لا تنفع أبداً ، يقول سبحانه : ( يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ ).
وفي آية أُخرى : ( لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ).
والوجه هو ما تقدم آنفاً من إيجاد نظام آخر قائم على أسباب خاصة وانقطاع الأسباب الدنيوية فيه.
4. لا تنفع الأعذار
يقول سبحانه : ( فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ). والسبب في ذلك انّه سبحانه يبعث الأنبياء والرسل كي يوصد باب الأعذار ويتم الحجة.
5. ما ينفع يوم القيامة
قد صرح الذكر الحكيم بأمرين ينفعان يوم القيامة.
أ. القلب السليم : يقول سبحانه : ( إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) ، والمراد من القلب السليم هو القلب النزيه عن الشرك الخالي من حب الدنيا.
يقول الطبرسي : وإنّما خصّ القلب بالسلامة ، لأنّه إذا سلم القلب ، سلمت سائر الجوارح من الفساد من حيث إنّ الفساد بالجارحة لا يكون إلاّ عن قصد بالقلب الفاسد ، وروي عن الصادق عليه السلام ، انّه قال : « هو القلب الذي سلم من حب الدنيا » ، ويؤيده قول النبي صلی الله عليه وآله وسلم : « حب الدنيا رأس كلّ خطيئة ». (1)
ب. الصدق : قال سبحانه : ( هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ).
6. الأخلاّء بعضهم عدو لبعض
ومن الشواهد على أنّ النظام السائد يوم القيامة غير ما هو السائد في هذه النشأة ، هو انّ الأخلاّء في هذه الدنيا سيكونون أعداء ، يقول سبحانه : ( الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المُتَّقِينَ ).
وما هذا إلاّ لأنّ التقوىٰ تربط المتقين ، فالمؤمنون الأخلاّء في هذه النشأة أخلاّء في النشأة الآخرة بخلاف الكفار والمنافقين.
7. منطق المؤمنين مع الكافرين
لقد كان الكافرون يستهزئون بالمؤمنين في الحياة الدنيا ، ففي الآخرة يعكس الأمر فالمؤمنون يستهزئون بالكافرين ، يقول سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلاءِ لَضَالُّونَ ).
هذه الآية تعكس نظر الكافرين إلى المؤمنين وانّهم كانوا يتغامزون بهم ويصفونهم بالضلال ، ولكن الأمر في الآخرة ينقلب لصالح المؤمنين ، يقول سبحانه : ( فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ).
وما هذا إلاّ لأنّ الأسباب الدنيوية تنقطع بهم في الآخرة ، وانّ السائدة في النشأة الأُخرى هي قوانين تخصّها.
الطائفة الثانية : تتكفل بيان صنف خاص ، مقتصرة عليه أو تتعداه إلىٰ ضدّه.

السعداء والأشقياء

يركز القرآن الكريم في غير واحد من آياته علىٰ تصنيف الناس إلىٰ تصانيف مختلفة يجمعها انّهم بين فرحين مستبشرين بما يلحقهم من الجزاء ، وبين مغمومين يدعون ويلاً وثبوراً لما يلحقهم من الشقاء.
وقد عبر القرآن عن ذلك التصنيف بتعابير مختلفة فتارة يركز على وصف الحالات التي تطرأ علىٰ وجوههم التي تخبر عما في ضميرهم من السرور والفرح أو الحزن والقلق ، وإليك الآيات :
يقول سبحانه : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ).
ويقول سبحانه : ( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ).
يقول سبحانه : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ).
ويقول سبحانه : (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ).
ويقول سبحانه : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ * لاَّ يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ ).
ويقول : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ).
يقول سبحانه : ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ).
وأُخرى يشير إلى تصنيفهم عن طريق أخذ كتابهم باليمين أو اليسار ، فمن أُوتي كتابه بيمينه فقد بوركت عليه الحياة في تلك النشأة.وأمّا من أُوتي كتابه بشماله أو وراء ظهره ، فسوف يجزى بحياة قاسية وعذاب دائم.
وقال سبحانه : ( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ).
وقال سبحانه : ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ).
وقال سبحانه : ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا ).
وقال سبحانه : ( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا *وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ).
وثالثة يصنّفهم إلى أصحاب الميمنة والمشأمة.
يقول سبحانه : ( فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ المَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ المَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ المُقَرَّبُونَ).
هؤلاء الأصناف الذين أشار إليهم القرآن الكريم تارة عن طريق وصف وجوههم ، وأُخرى عن طريق أخذ كتابهم ، وثالثة بكونهم من أصحاب الميمنة أو المشأمة ليسوا أصحاب مصير واحد بل يختلف مصيرهم حسب اختلاف درجاتهم من السعادة والشقاء ، ولذلك يصف القرآن الكريم مصير هذه الأصناف بما يليق بهم من الجزاء ، ونحن نقتصر بالقليل من الكثير.
النبي صلی الله عليه وآله وسلم والمؤمنون في الآخرةيظهر من الآيات انّ المؤمنين يلتفون حول النبي صلی الله عليه وآله وسلم ونورهم يسعى بين أيديهم.
يقول سبحانه : ( يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ).
المتقون
إنّ للمتّقين عند الله سبحانه مكانة عالية تعرب عنها الآيات التالية :يقول سبحانه : ( وَلَنِعْمَ دَارُ المُتَّقِينَ ).
ويقول : ( إِنَّ المُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ).
ويقول : ( ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ).
ويقول سبحانه : ( إِنَّ المُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ ).
ويقول سبحانه : ( إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ).
ويقول : ( لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللهُ المُتَّقِينَ ).
ويقول : ( فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ).
ويقول : ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ).
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة حول المتَّقين .

الصابرون

إنّ للصابرين في طريق الطاعة ومواجهة البلايا والمصائب ومكافحة المعاصي مكانة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى ، فهؤلاء يصفهم الله سبحانه بالنحو التالي :
أ. يسلم عليهم الملائكة عند دخولهم الجنة ، يقول سبحانه : ( سَلامٌ عَلَيْكُمبِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ).
ب. يعطون أجرهم مرتين ، يقول سبحانه : ( أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ).
ج. يجزون بالوجه الأحسن ، يقول سبحانه : ( وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).
د. يجزون غرف الجنة ، يقول سبحانه : ( أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا ).
وليعلم أنّ الصابرين ليسوا قسماً مغايراً للمتّقين أو المؤمنين بل الجميع صنف واحد ولكن لهم ميزات وصفات خاصة بهم.

المصلّون

إنّ الصلاة هي الرابطة الوثيقة بين العبد وخالقه ولها أهمية خاصة في الذكر الحكيم ، فالله سبحانه يذكر المصلين ويمدحهم بمدائح مختلفة ، لما في الصلاة من تأثير خاص في كرامة الإنسان وصفاء روحه والقيام بالوظائف الملقاة علىٰ عاتقه.
فقد جاء في سورة المعارج من الآية 19 ـ 35 ذكر للصلاة وذكر تأثيرها في مختلف المجالات ، وها نحن نذكر تلك الآثار من خلال التدبر في تلك الآيات.
1. انّ الصلاة تحد من حرص الإنسان وطمعه ، لأنّ المصلي بصلاته يرتبط بالعالم الغيبي وتصير الدنيا صغيرة في عينيه ، يقول سبحانه : ( إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا * إِلاَّ المُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ ).
2. إذا كانت الصلاة تمثل علاقة الإنسان مع خالقه فهي تبعثه في نفس الوقت إلى عدم تناسي علاقته مع الناس ، ولذلك تبعث المصلي إلى أداء حقوق المحرومين والمستحقين ، يقول سبحانه في حقّ المصلين : ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ ).
3. انّ الصلاة أذكار وأفعال ، ومن أذكارها ما يقرأه المصلّي في سورة الحمد ، ويقول : ( مالِكِ يَوم الدِّين ) فلا محيص للمصلّي عن تصديقه بيوم الدين ، ولذلك يصف سبحانه المصلين ، بقوله : ( وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ).
4. انّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر حسب الذكر الحكيم ، ولذلك يصف سبحانه المصلّين بقوله : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ).
5. انّ الخيانة الأمانة من المنكرات التي تنهى عنها الصلاة ، ولذلك يصف سبحانه المصلين بقوله : ( وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ).
6. انّ كتمان الحق خيانة لصاحبه والصلاة تنهى عن المنكر الذي تعد الخيانة من أكبر مصاديقه ، ولذلك يصف سبحانه المصلين بقوله : ( وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ).
كلّ ذلك من أوصاف المصلين الواردة في تلك السورة ، وقد ورد في القرآن حول الصلاة آيات كثيرة فضلاً عن الروايات.السابقون
إنّه سبحانه يصف المحشورين يوم القيامة بصفات ويصنّفهم إلى السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، وإليك التوضيح :
فالمراد من السابقين هم السابقون إلى الخيرات والحسنات ، ولو أُريد منهم السابقون إلى الإسلام فهو من مصاديق هذا المفهوم الكلي ، ويشير إلى ما ذكرنا قوله سبحانه : ( أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ).
ويقول سبحانه : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ).
فالآية الأخيرة تقسم العباد إلى ظالم لنفسه ، وإلىٰ مقتصد في الحياة ، ومعتدل في السلوك وإلى سابق بالخيرات بإذن الله تبارك وتعالى ، وللإمام علي عليه السلام كلام يشبه أن يكون تفسيراً لهذه الآية :
( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ).
شغل من الجنة والنار أمامه ، ساع سريع نجا ، وطالب بطيء رجا ، ومقصر في النار هوى ، اليمين والشمال مضلّة والطريق الوسطى هي الجادة.
ثمّ إنّ للسابقين إلى الخيرات ميزات ذكرها القرآن الكريم في غير واحد من الآيات :
أ. يخشون ربّهم قال سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ).
ب. يؤمنون بآيات ربّهم ولا ينكرونها قال : ( وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ).
ج. لا يشركون بالله طرفة عين : ( وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ).
د. يدفعون ما فرض الله في أموالهم يقول : ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ).
ثمّ إنّ جميع هذه الصفات من صفات السابقين بشهادة انّه سبحانه يذكر بعد هذه الميزات ، ويقول : إنّ الموصوفين بها هم المسارعون في الخيرات ، يقول سبحانه : ( أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ).
إلى هنا تمّ ما ذكره القرآن الكريم من صفات السابقين ، وإليك ما ذكره القرآن في المنازل التي يفوزون بها في الجنّة.
إنّ السابقين إلى الخيرات هم المقرّبون ، كما يقول سبحانه : ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ المُقَرَّبُونَ ) ولأجل مكانتهم الرفيعة عند الله تبارك وتعالى لهم من الأجر ما يحكي عنه القرآن الكريم في الآيات التالية :
( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ * عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ).
( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ ).
( وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ).
( وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ).
( وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ ).

وهذه الآيات توحي إلىٰ شدة خصومتهم للحق ولذلك جُوُزُوا بأشد مجازاة.
وأخيراً نود أن نختم الموضوع بهذه الشذرة من كلام النبي صلی الله عليه وآله وسلم نقله عنه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حول النفاق والمنافقين جاء فيها : « ولقد قال لي رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم : إنّي لا أخاف على أُمّتي مؤمناً ولا مشركاً ، ولكنّي أخاف عليكم كلّ منافق الجنان ، عالم اللسان ، يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون ». (2)
وممّا يؤكد قلق رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم المتزايد حيال المنافقين ، هو انّه سبحانه في سورة البقرة تطرق إلى الكافرين واقتصر في حقِّهم علىٰ آيتين ، وقال : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ).
ولكنّه تبارك وتعالى لما تطرق إلى المنافقين عقب الكافرين تكلم عنهم ضمن ثلاث عشرة آية مستهلاً بقوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ) ومختتماً بقوله : ( يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ).

الموقع:https://www.erfan.ir/

Leave A Reply

Your email address will not be published.