إحراق خیام الإمام الحسین علیه السلام
وذکر فی بعض کتب المقاتل : أن زینب الکبرى (علیها السلام) أقبلت إلى الإمام زین العابدین (علیه السلام) وقالت :
یا بقیه الماضین وثمال الباقین ! (۱) قد أضرموا النار فی مضاربنا (۲) فما رأیک فینا ؟
فقال (علیه السلام) : عمه علیکن بالفرار .
ففررن بنات رسول الله صائحات باکیات .
قال بعض من شهد ذلک :
رأیت امرأه جلیله واقفه بباب الخیمه ، والنار تشتعل من جوانبها ، وهی تارهً تنظر یمنه ویسره ، وتارهً أخرى تنظر إلى السماء ، وتصفق بیدیها ، وتارهً تدخل فی تلک الخیمه وتخرج .
فأسرعت إلیها وقلت : یا هذی ! ما وقوفک ها هنا والنار تشتعل من جوانبک ؟ ! وهؤلاء النسوه قد فررن وتفرقن ، ولم لم تلحقی بهن ؟ ! وما شأنک ؟ !
فبکت وقالت : یا شیخ إن لنا علیلاً فی الخیمه ، وهو لا یتمکن من الجلوس والنهوض ، فکیف أفارقه وقد أحاطت النار به ؟ (۳)
وعن حمید بن مسلم قال : رأیت زینب ـ حین إحراق الخیام ـ قد دخلت فی وسط النار ، وخرجت وهی تسحب إنساناً من وسط لهیب النار ، فظننت أنها تسحب میتاً قد احترق ، فاقتربت لأنظر إلیه ، فإذا هو زین العابدین علی بن الحسین(علیه السلام) . (۴)
أیها القارئ الکریم : أنظر إلى هذه العملیه الفدائیه ، وهذه التضحیه بالحیاه ! !
کیف تقتحم هذه السیده الجلیله المکان المشحون بلهیب النار ، لتنقذ ابن أخیها ـ، وإن شئت فقل : إمام زمانها ـ من بین أنیاب الموت ؟ !
فهل تعرف نظیراً لهذه السیده فیما قامت به من الخطوات والأعمال ؟ !
إنها مغامره بالحیاه من أجل الدین .
إنها إبنه ذلک البطل العظیم الذی کان یخوض غمار الموت ـ بین یدی رسول الله (صلى الله علیه وآله) ـ للدفاع عن الإسلام والمحافظه على حیاه نبی الإسلام .
إنها إبنه أسد الله الغالب الإمام علی بن أبی طالب (علیهما السلام) .
السیده زینب تجمع العیال والأطفال
لقد أوصى الإمام الحسین أخته السیده زینب بالمحافظه على العیال والأطفال بعد استشهاده (علیه السلام) ، ویعلم الله کم کان تنفیذ هذه الوصیه أمراً صعباً ، وخاصهً بعد الهجوم الوحشی على مخیمات الإمام الحسین (علیه السلام) وبعد إحراق الخیام وتبعثر النساء والأطفال فی الصحراء !
ففی ساعه الهجوم على الخیام کانت النساء تلجأ إلى السیده زینب ، وتخفی أنفسهن خلفها ، وکان الأطفال ـ أیضاً ـ یفزعون إلیها ویتسترون وراءها خوفاً من الضرب بالسیاط والعصی ، فکانت السیده زینب (علیها السلام) تحافظ علیهم ـ کما یحافظ الطیر على فراخه حین هجوم الصقور على عشه ـ فتجعل جسمها مانعاً من ضرب النساء والأطفال ، وقد إسود ظهرها ـ فی مده زمنیه قصیره ـ بسبب الضرب المتوالی على جسمها !
وبعد الهجوم والإحراق بدأت السیده زینب تتفقد النساء والأطفال ، وتنادی کل واحده منهن باسمها ، وتعدهم واحدهً واحده ، وتبحث عمن لا تجده مع النساء والأطفال !
ونقرأ فی بعض الکتب : أن السیده زینب (علیها السلام) لما بدأت بجمع العیال والأطفال ، لم تجد طفلین منهم ، فذهبت تبحث عنهما هنا وهناک ، وأخیراً . . وجدتهما معتنقین نائمین ، فلما حرکتهما فإذا هما قد ماتا من الخوف والعطش ! !
ولما سمع العسکر بذلک قالوا لا بن سعد : رخص لنا فی سقی العیال . . . . (۵)
وذکر فی بعض الکتب أن طفلین لعبد الرحمن بن عقیل کانا مع الحسین ، إسمهما : سعد وعقیل ، أنهما ماتا من شده العطش ومن الدهشه والذعر ، بعد مقتل الإمام الحسین (علیه السلام) وهجوم الأعداء على المخیم للسلب . وأمهما : خدیجه بنت الإمام علی بن أبی طالب علیه السلام . (۶)
لیله الوحشه
باتت العائله المفجوعه لیله الحادیه عشره من المحرم بحاله لا یستطیع أی قلم شرحها ووصفها ، ولا یستطیع ای مصور أن یصور جانباً واحداً من جوانب تلک اللیله الرهیبه .
قبل أربع وعشرین ساعه من تلک اللیله باتت العائله المکرمه وهی تملک کل شیء ، وهذه اللیله أظلمت علیها وهی لا تملک شیئاً .
رجالها صرعى مرملون بدمائهم ، وأطفالها مذبحون ، والأموال قد نهبت ، والأزر والمقانع سلبت ، والظهور والمتون قد سودتها السیاط وکعاب الرماح .
لیس لهم طعام حتى یقدموه إلى من تبقى من الأطفال ، ولا تسأل عن المراضع اللواتی جف اللبن فی صدورهن جوعاً وعطشاً .
واستولت على العائله ـ وخاصهً الأطفال ـ حاله الفواق ، وهی حاله تشنج تحصل للإنسان حینما یبکی کثیراً ، فتتشنج الرئه ، ویخرج النفس متقطعاً .
یا للفاجعه ، یا للمأساه ، یا للمصائب .
لا غطاء ، ولا فراش ، ولا ضیاء ، ولا أثاث ، ولا طعام .
قد أحدقت السیدات بالإمام زین العابدین (علیه السلام) وهو بقیه الماضین ، وثمال الباقین ، وهن یتفکرن بما خبأ لهن الغد من أولئک السفاکین .
فالفاجعه لم تنته بعد ، والظلم ـ بجمیع أنواعه ـ بالنتظار آل رسول الله الطیبین الطاهرین ، والحوادث المؤلمه سوف تمتد إلى غد وما بعد غد ، وإلى أیام وشهور ، مما لا بالبال ولا بالخاطر .
وسوف تبدأ رحله طویله ملیئه بالآلام والأهات والدموع .
وحکی أن السیده زینب (علیها السلام) تفقدت العائله فی ساعه من ساعات تلک اللیله ، وإذا بالسیده الرباب لا توجد مع النساء ، فخرجت السیده زینب ومعها أم کلثوم ، وهما تنادیان : یا رباب . . یا رباب .
فسمعها رجل کان موکلاً بحراسه العائله ، فسألها ماذا تریدین ؟ !
فقالت السیده زینب : إن إمرأهً منا مفقوده ولا توجد مع النساء .
فقال الرجل : نعم ، قبل ساعه رأیت امرأه منکم إنحدرت نحو المعرکه !
فأقبلت السیده زینب حتى وصلت إلى المعرکه ، وإذا بها ترى الرباب جالسه عند جسد زوجها الإمام الحسین (علیه السلام) وهی تبکی علیه بکاءً شدیداً وتنوح ، وتقول فی نیاحتها :
وا حسیناه وأین منی حسین أقصـدته أسنه الأدعیـاء
غادروه فـی کربلاء قتیلاً لا سقى الله جانبی کربلاء
فأخذت السیده زینب (علیها السلام) بیدها وأرجعتها معها إلى حیث النساء والأطفال .
وفی هذا الجو المتوتر ، والوضع المقرح للفؤاد ، یقول الإمام زین العابدین (علیه السلام) : «فتحت عینی لیله الحادیه عشر من المحرم ، وإذا أنا أرى عمتی زینب تصلی نافله اللیل وهی جالسه ، فقلت لها : یا عمه أتصلین وأنت جالسه» ؟
قالت : نعم یابن أخی ، والله إن رجلی لا تحملنی ! ! (۷)
ـــــــــــــــــ
(۱) الثمال ـ على وزن کتاب ـ : الغیاث الذی یقوم بأمر قومه ، یقال : فلان ثمال قومه : أی غیاث لهم . کتاب «مجمع البحرین» للطریحی .
(۲) المضارب : الخیام .
(۳) معالی السبطین ج ۲ ، الفصل الثانی عشر ، المجلس الثالث
(۴) کتاب «الطراز المذهب فی أحوال سیدتنا زینب» .
(۵) کتاب «الإیقاد» للسید محمد علی الشاه عبد العظیمی ، الطبعه الحدیثه ، ص ۱۳۹ .
(۶) معالی السبطین ج ۲ ، الفصل ۱۲ ، المجلس الرابع .
(۷) کتاب «زینب الکبرى» للشیخ جعفر النقدی ، ص ۵۸ .