الدرّه البهیه فی الأسرار الفاطمیه
بسم الله الرحمن الرحیم (۱)
الحمد لله فاطر السماوات والأرضین ، خالق فاطمه الزهراء سیّده نساء العالمین ، والصلاه والسلام على أبیها محمّد الأمین ، سیّد الأنبیاء والمرسلین ، حبیب الله وخاتم النبیّین ، وعلى بعلها أمیر المؤمنین علیّ سیّد الأوصیاء وإمام المتّقین ، وعلى أولادهما الأئمه المیامین أهل البیت الطاهرین ، واللعن الدائم على أعدائهم ومنکری فضائلهم من بدء الخلق إلى قیام یوم الدین .
قال الله تعالى فی محکم کتابه الکریم ومبرم خطابه العظیم : ( إنَّما یُریدُ اللهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَیْتِ وَیُطَهِّرکُمْ تَطْهیراً )(۲) .
وقال رسول الله (صلى الله علیه وآله) : « لو کان الحُسن شخصاً لکان فاطمه ، بل هی أعظم . فاطمه ابنتی خیر أهل الأرض عنصراً وشرفاً وکرماً »(3) .
الحدیث عن الزهراء (علیها السلام) إنّما هو حدیث عمّـا سوى الله سبحانه ، فهی الکون الجامع بل الحدیث عنها حدیث عن الله سبحانه لوحده الرضا والغضب بینهما ، فإنّه سبحانه یرضى لرضاها ویغضب لغضبها ، والله المحسن وهو الجمیل ومطلق الجمال والحسن ، وإنّه یحبّ الجمال ، ولو کان الحسن والجمال شخصاً لکان فاطمه ، بل هی أعظم ، فهی جمال الله وحسنه ، وإنّها الحوراء الإنسیّه ، فهی خیر أهل الأرض عنصراً ، فإنّها نور الله جلّ جلاله اشتُقّت من نور أبیها وبعلها ، وفارقتهما فی القوس النزولی ، فکان أبوها وبعلها فی صلب آدم إلى عبد المطلب وأبی طالب ، وبقیت هی فی العرش الإلهی فی مشکاه تحت ساق العرش ، ثمّ انتقل إلى الجنّه ، وبقی فی ریاضها محبوراً ، ثمّ أودعه الله فی شجره من أشجارها وفی ثمارها وأغصانها ، حتّى إذا عرج النبیّ الأعظم (صلى الله علیه وآله) إلى السماء ودخل الجنّه ، وأکل من تفّاحها ورطبها ، فتناول من ثمار الجنّه ومن شجره فاطمه (علیها السلام) ، فتحوّلت نوراً فی صلبه ، ثمّ هبط إلى الأرض ، فواقع خدیجه الکبرى لتحمل منه فاطمه الحوراء الإنسیّه ، ومن ثمّ کان النبیّ یشمّ منها رائحه الجنّه .
ففاطمه (علیها السلام) من صلب خاتم النبیّین وأشرف خلق الله أجمعین محمّد المصطفى (صلى الله علیه وآله) مباشره ومن دون واسطه ، دون غیرها ، فکانوا من صلب آدم (علیه السلام) . فهی خیر أهل الأرض عنصراً ، وأشرف بعد أبیها وبعلها مقاماً ، وأکرم منزلا .
فخلقت من نور محمّدی علویّ قبل خلق آدم بآلاف من السنین ، خلقت حوریّه فی صوره إنسیّه ، ثمّ تکوّنت نطفتها فی أعالی الجنّه ، ونطقت وتحدّثت فی بطن اُمّها ، وقال جبرئیل عنها أنّها النسله الطاهره المیمونه ، وسجدت ونطقت بالشهادتین عند ولادتها ، فهی المبارکه الطاهره الصدّیقه الزکیّه الرضیّه المرضیّه المحدّثه الزهراء البتول الحرّه ، العذراء الحوراء النوریّه السماویّه الحانیه ، اُمّ الحسنین ، اُمّ أبیها ، اُمّ الأئمه النجباء ، فهی الصدّیقه الکبرى ، وعلى معرفتها دارت القرون الاُولى . ومن عرفها حقیقهً فقد أدرک لیله القدر .
والمعرفه أساس الحیاه وروحها ، فمن لا معرفه له ـ کالکافر ـ فلا حیاه له ، وکان میّتاً یمشی بین الأحیاء . وبالمعرفه یتمّ الإیمان ویزداد بزیادتها ، وإنّها تأخذ حیّزاً کبیراً فی الحیاه الإنسانیّه بکلّ أبعادها وجوانبها ، حتّى الشریعه المقدّسه التی هی عباره عن قوانین الحیاه التشریعیّه من أجل السعاده الأبدیّه ، فالمعرفه لها الحظّ الأوفر على مستوى الاُصول والفروع والأخلاق ، وإنّما یفضّل الناس بعضهم على البعض فی المقیاس الإلهی بالمعرفه ولوازمها کالإیمان والتقوى والعلم النافع والعمل الصالح ، کما جاء فی الحدیث الشریف : « أفضلکم إیماناً أفضلکم معرفه »(4) .
فلا یمکن من حطّ قیمه المعرفه والاستهانه بها مطلقاً ، بل جاء عن الإمام الصادق (علیه السلام) : « لا یقبل الله عملا إلاّ بمعرفه ، ولا معرفه إلاّ بعمل ، فمن عرف دلّته المعرفه على العمل ، ومن لم یعمل فلا معرفه له »(5) .
فأصل کلّ شیء وأساسه هو المعرفه ، حتّى قال أمیر المؤمنین علیّ (علیه السلام) لکمیل ابن زیاد : « یا کمیل ، ما من حرکه إلاّ وأنت محتاج فیها إلى معرفه »(6) .
ولا تکون المعرفه تامّه إلاّ بإدراک القضایا وفهمها ، درکاً صحیحاً وفهماً کاملا ، بدراسات حقّه میدانیّه وتحقیقیّه ، والتی یبتنی صرحها الشامخ على ضوء البراهین الساطعه والاستدلالات العقلیّه اللامعه ، والحجج العملیّه الواضحه .
فالمعرفه یعنی الدرایه الکامله والفهم العمیق والدرک الصحیح ، وقیمه الإنسان بمعرفته .
یقول الإمام الباقر لولده الصادق (علیهما السلام) : « یا بنی ، إعرف منازل الشیعه على قدر روایتهم ومعرفتهم ، فإنّ المعرفه هی الدرایه للروایه » .
فالروایه نقل الحدیث الشریف عن المعصومین (علیهم السلام) ، والدرایه تفقّه الحدیث وفهمه : « وبالدرایات للروایات یعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإیمان » .
و « حدیث تدریه خیرٌ من ألف حدیث ترویه » .
و «قیمه کلّ امرئ وقدره معرفته » .
فالواجب علینا أن نفهم القرآن والروایات بتفهّم وعمق ، وتدبّر وتفکّر ، وإلاّ فهمّه السفهاء الروایه ، وهمّه العلماء الدرایه .
فلا بدّ لکلّ ذی لبّ أن یعرف الأشیاء على ما هی علیها بحسب الطاقه البشریّه ، وأولى شیء بالمعرفه ، وإنّه مقدّم على کلّ المعارف والعلوم هو معرفه اُصول الدین بالبرهان والیقین ، وبدءاً بالمعرفه الجلالیّه ثمّ الجمالیّه ثمّ الکمالیّه .
ومن الاُصول معرفه الصدّیقه الکبرى فاطمه الزهراء (علیها السلام) ، فمن عرفها حقّ معرفتها فقد أدرک لیله القدر التی هی خیرٌ من ألف شهر . ألا إنّها سمّیت فاطمه لأنّ الخلق فطموا عن معرفتها .
فمن یعرفها ؟ ! وعلى معرفتها دارت القرون الاُولى ، وما تکاملت النبوّه لنبیّ حتّى اُمر بفضلها ومحبّتها(۷) .
ومن الواضح أنّ المعرفه الکامله والتامّه لا تکون إلاّ بعد الإحاطه بالشیء ، ومن یقدر على أن یحیط بفاطمه الزهراء (علیها السلام) إلاّ من کان خالقها ومن کان کفواً لها ، فلا یعرفها ویعرف أسرارها إلاّ أمیر المؤمنین علیّ (علیه السلام) ورسول الله محمّد (صلى الله علیه وآله) ، فإنّ الخلق کلّهم حتّى الأنبیاء والملائکه والجنّ والإنس فطموا وقطعوا عن کنه معرفتها والإحاطه بها ، فلا یعرفها حقّاً إلاّ الله ورسوله ووصیّه (علیهما السلام) .
ففاطمه الزهراء ودیعه المصطفى وحلیله المرتضى مظهر النفس الکلّیه على أتمّ الوجوه الممکنه فهی الحوراء بتعیّن إنسی ، مطلع الأنوار البهیّه ، وضیاء المشکاه النبویّه ، صندوق الأسرار الإلهیّه ، ووعاء المعارف الربّانیّه ، عصمه الله الکبرى ، وآیه الله العظمى .
لا ریب ولا شکّ أنّ فاطمه أحرزت مقام العصمه الإلهیّه الکبرى ، کما علیه الإجماع القطعی وذهب إلیه الأعاظم من عباقره العلم والمعرفه ، کالشیخ المفید والسیّد المرتضى .
کما تدلّ الآیات الکریمه والروایات الشریفه على ذلک ، یکفیک شاهداً آیه التطهیر ، وما أدراک ما آیه التطهیر ، فمن أنکر ذلک فهو کالأعمى الذی ینکر نور الشمس .
والعصمه من اللطف الإلهی الخاصّ ویعنی القوّه النوریّه الملکوتیّه الراسخه فی نفس المعصوم (علیه السلام) ، تعصمه وتحفظه من کلّ شین ، کما تزیّنه بکلّ زین ، فیعصم من الذنوب والمعاصی والآثام والسهو والنسیان والغفله ، وما شابه ذلک ، ومن کان معصوماً فی دهره لا یصدر منه الشین مطلقاً .
وفاطمه الزهراء (علیها السلام) إنّها المعصومه بعصمه الله سبحانه ، کما عصم أولادها الأئمه الأطهار ، فإنّ عصمتهم کعصمه القرآن ، فهما الثقلان بعد رسول الله لن یفترقا فی کلّ شیء من البدایه وحتّى النهایه ، ومنها العصمه .
مفطومه من زلل الأهواءِ *** معصومهٌ من وصمه الخطاءِ
فهذا من عقیدتنا الحقّه فی الزهراء (علیها السلام) ، ولمّـا کان الأذان والإقامه للصلوات الیومیّه إعلان وإعلام فی بیان العقیده ، ولمّـا کانت الحیاه عقیده وجهاد ، فلا مانع ، بل من الراجح أن یعلن الشیعی المخلص عن عقائده الصحیحه فی أذانه وإقامته للصلاه ، فیعلن للعالم فی کلّ یوم إنّه یؤمن بتوحید الله ، کما یؤمن برسول الله ونبوّته ، ویؤمن بولایه علیّ أمیر المؤمنین حجّه الله ویؤمن بإمامته وإمامه أولاده الطاهرین ، کما یشهد بعصمه الزهراء وطهارتها ، أی فی أذانه وإقامته ، یخبر عن معتقده فی المعصومین الأربعه عشر (علیهم السلام) . فیقول فی أذانه وإقامته بعد الشهاده الثالثه ، الشهاده الرابعه لا بقصد الجزئیّه ، فنقول فیها ما نقول فی الشهاده الثالثه ، ولا أظنّ أن یخالفنی فی ذلک واحد من الفقهاء والعلماء إلاّ من یجهل المبانی الفقهیّه ، وما جاء وراء الفقه من المعانی الدقیقه .
فیجوز أن یقول المؤذّن والمقیم بعد الشهاده الثالثه : ( أشهد أنّ فاطمه الزهراء عصمه الله )(۸) مرّتان أو مرّه واحده أو یلحق ذلک بالشهاده الثالثه بعد قوله : ( أشهد أنّ علیّاً ولیّ الله وأنّ فاطمه الزهراء عصمه الله ) ، فتدبّر .
وممّـا یدلّ على مقامها الشامخ وعصمتها الذاتیّه الکلّیه کما فی الأنبیاء والأوصیاء (علیهم السلام) أنّ الله یغضب لغضبها ویرضى لرضاها ـ کما ورد مستفیضاً عند الفریقین السنّه والشیعه ـ فإنّ الله سبحانه لم یغضب لنبیّ من أنبیائه : ( وَإذْ ذَهَبَ ذا النُّونِ مُغاضِباً فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَیْهِ ) .
ولکن یغضب لغضب فاطمه (علیها السلام) .
ثمّ لا تجد معصوماً تزوّج بمعصومه إلاّ أمیر المؤمنین علیّ (علیه السلام) ، ولولا علیّ لما کان لفاطمه کفوّ آدم ومن دونه ، فإنّ المعصومه لا یتزوّجها إلاّ المعصوم ، فإنّ الرجال قوّامون على النساء ، فلا یکون غیر المعصوم قوّاماً على المعصومه ، ومن خصائص أمیر المؤمنین التی لا یشارکه فیها أحد حتّى رسول الله محمّد (صلى الله علیه وآله) هو زواجه من المعصومه فاطمه الزهراء (علیها السلام) ، وهو الزواج المبارک فی عالمی التکوین والتشریع ، وإنّه من زواج النور من النور ، کما ورد فی الأخبار ، فالمعصومه لا یتزوّجها إلاّ المعصوم (علیهما السلام) .
وفاطمه الزهراء سیّده نساء العالمین من الأوّلین والآخرین فی الدنیا والآخره ، کما تشهد بذلک آیه التطهیر والمباهله وحدیث الکساء وأصحابه الخمسه المصطفى والمرتضى وابناهما وفاطمه (علیهم السلام) .
وربّما قدّم فی آیه المباهله النساء والأبناء على الأنفس للإشاره إلى أنّ الأنفس فداها .
« فداها أبوها » .
وإنّما یعرف هذا وأمثاله بالمعرفه المعنویّه الذوقیّه التی یحصل علیها العارف بالشهود والکشف بعد صیقله الروح والقلب ، لا بالمعرفه المفهومیّه الاستدلالیّه من البرهان والکسب وحسب ، ولیس العیان کالبیان .
وما یسطّر القلم فی معرفه فاطمه إلاّ رشحات من بحر معرفتها ، وإنّما عرفناها وعرفنا الأئمه الأطهار بما نطق به الثقلان القرآن وأهله ، وإلاّ فقد فطم الخلق عن کنه معرفتها ، فمن یعرفها ویعرف أسرارها ؟ وما یقال فی هذا المضمار لیس إلاّ ما عند الکاتب ، لا ما عند المکتوب عنه ، فالأسرار الفاطمیّه لیس إلاّ من سرّ الکاتب وسریرته لا من أسرارها وحقیقتها ، فإنّ حقیقه فاطمه (علیها السلام) حقیقه لیله القدر ، حقیقه الکون وما فیه .
والله سبحانه خلق عالم الملک ـ وهو عالم الناسوت ـ على وزان عالم الملکوت ـ وهو عالم الأرواح ـ ، والملکوت على وزان الجبروت ـ وهو عالم العقول ـ ، حتّى یستدلّ بالملک على الملکوت ، وبالملکوت على الجبروت .
ثمّ بین العالم العلوی والعالم السفلی قوساً نزولیّاً وصعودیّاً ، وقد عبّر عن القوس النزولی فی نزول فیض الله ورحمته على الکون باللیل واللیالی ، کما عُبّر عن القوس الصعودی بالیوم والأیام .
وعصمه الله فاطمه الزهراء (علیها السلام) کما عبّر عنها بلیله القدر ، کذلک هی یوم الله . والإنسان الکامل هو القرآن الناطق ، ففی لیله القدر نزل القرآن ، ونزل أحد عشر قرآناً ناطقاً فی فاطمه الزهراء فهی الکوثر ، وهی اللیله المبارکه ، ولیله القدر خیرٌ من ألف شهر ، أی ألف مؤمن . فإنّها اُمّ الأئمه الأبرار واُمّ المؤمنین الأخیار ، والملائکه من المؤمنین الذین حملوا علوم آل محمّد (علیهم السلام) وأسرارهم ، وروح القدس فاطمه یتنزّلون فی لیله القدر بإذن ربّهم من کلّ أمر سلامٌ هی حتّى مطلع فجر قائم آل محمّد (علیهم السلام)(۹) .
ولیله القدر قلب الإنسان الکامل الذی هو عرش الرحمان ، وإنّه أوسع القلوب ، فروح الأمین فی لیله مبارکه یتنزّل بالقرآن فینشرح صدره ، فلیله القدر الصدر النبویّ الوسیع ، ومثله یحمل القرآن العظیم دفعهً واحدهً فی لیله واحده ، ثمّ طیله ثلاث وعشرین عاماً ینزل تدریجاً .
فلیله القدر الذی یحمل القرآن دفعه واحده فی معارفه وحقائقه ولطائفه هی فاطمه الزهراء (علیها السلام) ، وما من حرف فی القرآن إلاّ وله سبعون ألف معنى ، وإنّ فاطمه (علیها السلام) لتعرف کلّ هذه المعانی فمن عرفها حقّ معرفتها فقد أدرک لیله القدر ، فهی القلب اللامع الذی یتجلّى فیه الغیب الجامع .
فهی درّه التوحید وحقیقه القرآن المجید ، بل وحقیقه النبوّه والإمامه ، وما یجمع بینهما وبین التوحید ، أی حقیقه الولایه .
فمن یقدر على الإحاطه بمعرفه فاطمه الزهراء (علیها السلام) بما هی هی ، وبما تحمل فی ذاتها وصفاتها من الأسرار وسرّ السرّ ، هیهات هیهات ، لا یعرفها حقیقه إلاّ مصوّرها وبارؤها وأبوها وبعلها (علیهما السلام) ، ولمثلها یقوم خاتم الأنبیاء (صلى الله علیه وآله) إجلالا ویقبّل صدرها ویدها ، ویشمّ منها رائحه الجنّه ، ولا یخرج من المدینه حتّى یودّعها ولا یدخل حتّى یسلّم علیها أوّلا .
ولیس کلّ هذا باعتبار العاطفه الأبویّه ، بل لما تحمل من الفضائل النبویّه والأسرار العلویّه .
فمن هی ؟
هی التی کانت مفروضه الطاعه على جمیع الخلق من الجنّ والإنس والطیر والوحوش .
هی التی لا یذکر الله الحور العین فی کتابه وفی سوره الدهر عندما یذکر منقبه من مناقبها إجلالا وتکریماً وتعظیماً لها .
هی الکوثر التی خصّها الله بالخلق النوری من بین النساء ، وبالمهدی من آل محمّد (علیهم السلام) ، وبالذرّیه المبارکه الطاهره ، بالحسن والحسین والأئمه المعصومین (علیهم السلام) .
هی التی اشتقّ اسمها من اسم الله فکان فاطراً وکانت فاطمه ، وإنّها صاحبه السرّ المستودع ، ولها من المناقب والفضائل ما لا یمکن للبشر أن یحصیها ، وإذا کانت ضربه علیّ (علیه السلام) یوم الخندق تعدل عباده الثقلین أو أفضل ، فمن یقدر أن یعدّ عبادتهم ؟ وفاطمه کفو لعلیّ (علیهما السلام) ، فلها ما لعلیّ فی کلّ شیء إلاّ الإمامه ، کما کان لعلیّ ما لرسول الله إلاّ النبوّه .
والمرأه إذا لم تکن نبیّه ، فإنّ لها أن تصل إلى مقام الولایه العظمى ، فتکون أفضل من الأنبیاء کفاطمه الزهراء (علیها السلام) ، فهی حلقه وصل بین النبوّه والإمامه ، فهی نور المُهج وحجّه الحجج …
وهی بضعه المصطفى وبهجه قلبه ، من سرّها فقد سرّ رسول الله ، ومن آذاها فقد آذى رسول الله ، ومن آذى رسول الله فقد آذى الله ، ومن آذى الله ورسوله ، فعلیه لعنه الله أبد الآبدین ، وکذلک لمن أغضبها وغضبت علیه ، فارجع إلى التأریخ لتعرف على من غضبت فاطمه ؟ وماتت وکانت واجده علیهم ؟
أصفاها الله وطهّرها تطهیراً ، فهی سیّده نساء العالمین من الأوّلین والآخرین ، وإنّها أوّل من تدخل الجنّه ، وتمرّ على الصراط ، ومعها سبعون ألف جاریه من الحور العین .
هی زینه العرش الإلهی کزوجها الولیّ والوصیّ ، وهی أعبد الناس ، حبّها ینفع فی مئه موطن من المواطن ، أیسرها الموت والقبر والمیزان والمحشر والصراط والمحاسبه ، ومن أحبّها فهو فی الجنّه ، ومن أبغضها وآذاها فهو فی النار .
فالویل کلّ الویل لمن ظلمها وظلم بعلها وذرّیتها وشیعتها ، الویل کلّ الویل لمن غصب حقّها وکسر ضلعها وأسقط جنینها ولطم خدّها وأنکر فضلها ومناقبها ومثالب أعدائها .
ثمّ لو تلونا وقرأنا زیاره الجامعه الکبیره(۱۰) الوارده بسند صحیح عن الإمام الهادی (علیه السلام) ، والتی تعدّ فی مضامینها من أفضل وأعظم الزیارات ، لوجدنا أنّها تذکر وتبیّن شؤون الإمامه بصوره عامّه ، لنعرف الإمام المعصوم (علیه السلام) بمعرفه مشترکه لکلّ الأئمه الأطهار (علیهم السلام) ، فکلّ واحد منهم ینطبق علیه ما جاء فی فقرات الزیاره ومفرداتها .
إلاّ أنّ فاطمه الزهراء (علیها السلام) لا تزار بهذه الزیاره ، فلا یقال فی شأنها أنّها موضع سرّ الله وخزانه علمه وعیبته ، فهذا کلّه من شؤون حجّه الله على الخلق ، وفاطمه الزهراء (علیها السلام) هی حجّه الله على حجج الله ، کما ورد عن الإمام العسکری (علیه السلام) : « نحن حجج الله على الخلائق ، واُمّنا فاطمه حجّه الله علینا » .
ولهذا یقول صاحب الزمان عجّل الله فرجه الشریف : « ولی اُسوهٌ باُمّی فاطمه » .
فالأئمه اُسوه الخلق وقادتهم ، وفاطمه اُسوه الأئمه (علیهم السلام) .
إنّها (علیها السلام) تساوی أبیها فی خلقه النوری ، وقال فی حقّها : « فاطمه روحی التی بین جنبیّ » .
وربما الجنبان إشاره إلى جنب العلم وجنب العمل ، فهی تحمل روح النبیّ بعلمه وعمله ، وکلّ کمالاته العلمیّه والعملیّه إلاّ النبوّه ، فهی الأحمد الثانی ، وهی روحه التی بین جنبیه .
ویحتمل أن یکون إشاره الجنبین إلى النبوّه المطلقه والولایه العامّه ، فقد ورد فی الخبر النبویّ الشریف : « ظاهری النبوّه ، وباطنی الولایه » .
مطلقاً التکوینیه والتشریعیه على کلّ العوالم العلویه والسفلیه ، السماویه والأرضیه . کما ورد : « ظاهری النبوّه ، وباطنی غیبٌ لا یدرک » .
وأنفسنا فی آیه المباهله تجلّت وظهرت وکان مصداقها الخارجی أمیر المؤمنین علیّ (علیه السلام) ، فالزهراء (علیها السلام) یعنی رسول الله وأمیر المؤمنین ، فهی مظهر النبوّه والولایه ، وهی مجمع النورین : النور المحمّدی والنور العلویّ ، وکما ورد فی تمثیل نور الله فی سوره النور وآیته : ( اللهُ نورُ السَّماوات وَالأرْضِ مَثَلُ نورِهِ کَمِشْکاه ) .
بأنّه کالمشکاه ، وورد فی تفسیرها وتأویلها أنّ المشکاه فاطمه ، وفی هذا المشکاه نور رسول الله وأمیر المؤمنین (علیهما السلام) ، ثمّ نور على نور وإمام بعد إمام ، یهدی الله لنوره من یشاء .
فالنبوّه والإمامه فی وجودها النوری ، وهذا من معانی ( السرّ المستودع فیها )(۱۱) ، فهی تحمل أسرار النبوّه والإمامه ، کما تحمل أسرار الکون وما فیه ، تحمل أسرار الأئمه الأطهار وعلومهم ، تحمل أسرار الخلقه وفلسفه الحیاه ، ولولا مثل هذا المعلول المقدّس لما خلق الله النبیّ والوصیّ کما ورد فی الحدیث الشریف المعراجی : « یا أحمد ، لولاک لما خلقت الأفلاک ، ولولا علیّ لما خلقتک ، ولولا فاطمه لما خلقتکما » .
ولا فرق بین الأحد والأحمد إلاّ میم الممکنات التی غرق فیها کلّ شیء … والاُمّ تحمل جنینها وولدها ، وفاطمه اُمّ أبیها ، فهی تحمل النبیّ فی أسرار نبوّته وودائعها ، کما تحمل أسرار الممکنات فی جواهرها وأعراضها ، وبنورها الزاهر ازدهرت السماوات والأرض ، فالله الفاطر فطر الخلائق بفاطمه الزهراء وبنورها الأزهر …
ولمثل هذه الخصائص القدسیّه کان النبیّ الأعظم (صلى الله علیه وآله) یقول : فداها أبوها .
مشکاه نور الله جلّ جلاله *** زیتونه عمّ الورى برکاتها
هی قطب دائره الوجود ونقطه *** لمّـا تنزّلت أکثر کثراتها
هی أحمد الثانی وأحمد عصرها *** هی عنصر التوحید فی عرصاتها
ــــــــــ
فاطمهً خیرَ نساء البشر *** ومن لها وجه کوجه القمرِ
فضّلک الله على کلّ الورى *** بفضل من خصّ بآیّ الزمرِ
زوّجک الله فتىً فاضلا *** أعنی علیّاً خیر من فی الحضرِ
ــــــــــ
وأخیراً عن رسول الله (صلى الله علیه وآله) ، قال :
« فاطمه بهجه قلبی ، وابناها ثمره فؤادی ، وبعلها نور بصری ، والأئمه من ولدها اُمناء ربّی ، وحبله الممدود بینه وبین خلقه ، من اعتصم به نجا ، ومن تخلّف عنه هوى »(12) .
هذا وقد غمرتنی الفرحه والبهجه عندما لمست أناملی الداثره ما خطّه یراع فضیله مروّج الأحکام حجّه الإسلام الکاتب المعتمد والمؤلف السند الخطیب الکامل الشیخ محمّد فاضل المسعودی دام موفّقاً .
وقد أبدع سماحته فی سفره هذا القیّم ( الأسرار الفاطمیّه ) ، وملأ فراغاً فی المکتبه الإسلامیه العربیه ، من معرفه نورانیه حول السیّده فاطمه الزهراء (علیها السلام) ، بقلم سلس وبیان جمیل ، وتصویر رائع ، وقد حاول أن یؤدّی ما هو الحقّ فی کلّ فصل من فصوله ، فللّه درّه وعلیه أجره ، وکثّر الله من أمثاله .
کان سماحته یحضر عندی کفایه الاُصول وأبحاثنا الفقهیّه ـ خارج الفقه ( الاجتهاد والتقلید ) ـ ولا یزال بحمد الله یحضر حضور تفهّم واستیعاب فی جمع من طلبه العلوم الإسلامیه فی حوزه قم العلمیه من جالیات مختلفه .
وقد سألت الله فی سنین من حیاتی فی لیالی القدر أن یوفّق جمیع أهل العلم ، لا سیّما اُولئک الذین حضروا عندی دروسهم الحوزویه ، أن یوفّقهم لخدمه الدین والمذهب فی کلّ المجالات العلمیه والعملیه ، بأقلامهم وألسنتهم ، بالتألیف والتصنیف والتدریس والتبلیغ والخطابه والإمامه فی المحاریب ، وغیر ذلک من المسؤولیات الدینیه والاجتماعیه الملقاه على عاتق علماء الدین ورجال العلم ، أعزّهم الله فی الدارین .
وأرى الیوم مرّهً اُخرى قد أثمرت الجهود ، ولم تذهب الأتعاب ضیاعاً ، بل بین حین وحین تؤتی الشجره الطیّبه اُکُلها ، بل الحوزه المبارکه هی البرکه والخیر المستمرّ والمستقرّ ، وإنّها الکوثر العذب والمنهل الصافی والینبوع المتدفّق …
والشیخ الکاتب قد أجاد فی هذا الکتاب الرائع بتعریف جمله من أسرار سیّده النساء فاطمه الزهراء (علیها السلام) ، وما أروع ما کتب وما أجمل ما اختار ، لا سیّما وهذه الهجمات المدسوسه بین حین وحین تتغلغل فی صفوفنا ، من قبل الاستعمار والاستکبار العالمی ، ضدّ مقامات أهل البیت (علیهم السلام) ، وفاطمه الزهراء (علیها السلام) ، والعجب أ نّها تصدر تارهً من أبناء المذهب ، وممّن ینتسب إلى الذرّیه الطاهره ! ! لیفرّق بیننا ویمزّقنا کی یسود علینا وینهب خیرات بلادنا ومآرب اُخرى .
ألا أنّهم أرادوا أن یطفئوا نور الله ، والله متمّ نوره ولو کره المشرکون والکافرون ، وإنّه یؤیّد دینه برجال تطفح من أقلامهم الإسلامیه عبقات الولاء والإخلاص ، ویتدفّق منها المودّه الخالصّه فی قربى الرسول الأعظم (صلى الله علیه وآله) .
أسأل الله سبحانه أن یسدّد خطاهم ، ویبارک لهم فی حیاتهم العلمیه والعملیه ، ویوفّقهم لما فیه الخیر من طلب العلم النافع والعمل الصالح وخدمه الدین ونشر معارف الإسلام وحقائق المذهب الناصعه .
عهدی إلیهم أن لا أنساهم من الدعاء وأملی بهم أن لا ینسونی من صالح دعواتهم الطیّبه .
فطوبى لک یا قرّه العین بما کتبت یراعک المبارکه ، وستلقى الأجر من اُمّنا فاطمه الزهراء (علیها السلام) ، یوم لا ینفع مالٌ ولا بنون ، إلاّ من أتى الله بقلب سلیم ، والسلام علیک وعلى أعزّائی طلاّب العلوم الدینیه ورجال العلم والفضیله ، وعلى کلّ مؤمن ومؤمنه ، ودمتم بخیر وسعاده .
ـــــــــــــــــ
([۱]) کتبت هذه الرساله مقدّمهً لکتاب ( الأسرار الفاطمیّه ) بقلم سماحه الشیخ محمّد فاضل المسعودی .
(۲) الأحزاب : ۳۳ .
(۳) فرائد السمطین ۲ : ۶۸ .
(۴) البحار ۳ : ۱۴ .
(۵) الکافی ۱ : ۴۴ .
(۶) .
(۷) البحار ۴۲ : ۱۰۵ ، عن تفسیر الفرات .
(۸) لقد سبقنی فی هذا المعنى والفتوى شیخنا الاُستاذ آیه الله الشیخ حسن زاده الآملی دام ظلّه فی ( حکمه عصمتیّه فی کلمه فاطمیّه : ۱۴ ) قائلا : کانت فاطمه بنت رسول الله (صلى الله علیه وآله) ذات عصمه بلا دغدغه ووسوسه ، وقد نصّ کبار العلماء کالمفید والمرتضى وغیرهما بعصمتها (علیها السلام) بالآیات والروایات ، والحقّ معهم ، والمکابر محجوج ومفلوج ، وکانت (علیها السلام) جوهره قدسیّه فی تعیّن إنسیّ ، فهی إنسیّه حوراء ، وعصمه الله الکبرى ، وحقیقه العصمه ، إنّها قوّه نوریّه ملکوتیّه تعصم صاحبها عن کلّ ما یشینه من رجس الذنوب والأدناس والسهو والنسیان ونحوها من الرذائل النفسانیّه … وإذا دریت أنّ بقیّه النبوّه وعقیله الرساله وودیعه المصطفى وزوجه ولیّ الله وکلمه الله التامّه فاطمه (علیها السلام) ذات عصمه ، فلا بأس بأن تشهد فی فصول الأذان والإقامه بعصمتها وتقول مثلا : ( أشهد أنّ فاطمه بنت رسول الله عصمه الله الکبرى ) ، ونحوها .
(۹) إذا أردت تفصیل ذلک فراجع ( حکمه عصمتیه فی کلمه فاطمیّه ) .
(۱۰) وردت فی مفاتیح الجنان ، فی قسم الزیارات ، فراجع .
(۱۱) کما من معانیه سیّدنا محسن الشهید بقرینه ( وبنیها ) ، کما جاء فی الدعاء : ( اللهمّ إنّی أسألک بفاطمه وأبیها وبعلها وبنیها والسرّ المستودع فیها ) ، فکان المراد من البنین الحسن والحسین لولادتهما وظهورهما فی الدعاء ، والسرّ المستودع سیّدنا المحسن الشهید (علیه السلام) الذی سقط بین الباب والجدار . ولیت الکاتب الجلیل أشار إلى هذا المعنى فی فصل بیان أسرار الدعاء .
(۱۲) فرائد السمطین ۲ : ۶۶ .