الوحده الإسلامیه.. الأنموذج الحقیقی للإسلام
أدرکوا أنّ التهدید الأکبر إنّما هو فی النزاع الداخلی بین المسلمین والصراعات المذهبیه بینهم, فهو ما یؤدی حتماً إلى فشل المسلمین فی استعاده دورهم التاریخی وإلى ذهاب ریحهم وإلى ضمور الشعور بالعزه والکرامه فی نفوسهم, قال تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ریحکم).
إلاّ أنّ المشکله التی لا تزال قائمه بین جمیع الفرق الإسلامیه فیما یتعلق بمسأله التقریب والتقارب بینهم لتحقیق الوحده الإسلامیه, هی أنهم حینما یتخاطبون ویتحاورون ـ إذا تخاطبوا وتحاوروا ـ یفعلون ذلک عن بعد, ومن خلال التمرکز واستحضار التراث والتجارب السیاسیه التاریخیه, وهی تجارب مره, صاغها وأرّخ لها کل فریق بطریقته الخاصه, وهو أسلوب ثبت عقمه وعدم جدواه وضروره تجاوزه.
فالاعتراف بالمذهب والتأکید على الحوار هو الذی یضمن الاعتدال والوسطیه والتسامح والرحمه, ومحاوره الآخرین للتوصل إلى ضروره نبذ الخلاف بین المسلمین وتوحید کلمتهم, وإلى التأکید على احترام بعضهم بعضاً, وتقویه روابط الأخوه التی تجمعهم على المحبه فی الله, وعدم إفساح المجال للفتنه والتدخل بینهم (إنما المؤمنون إخوه فأصلحوا بین أخویکم).
إن دعوه التقریب لم تکن لتستهدف دمج المذاهب جمیعاً بمذهب واحد, وإنهاء التنوع المذهبی, والاختلاف الاجتهادی بین المسلمین, فهو دلیل صحه وخیر وعافیه, لکنها تستهدف القضاء على النزاع والتعصب المذهبی, وبالتالی إحیاء الهویه الإسلامیه والعزه الإسلامیه, للتمکن من الإمساک بزمام حرکه التاریخ, وتوجیه المسیره البشریه نحو الخیر والصلاح والسلام للبشریه جمعاء.
وإذا کانت الوحده الإسلامیه واجباً شرعیاً على الأمه, فإن التقارب المذهبی یصبح ضروره دینیه وحیاتیه, لأنه من أهم الوسائل لتحقیق هذه الغایه. ولتحقیق ذلک لا بد من وضع استراتیجیه عامه, تکون قائمه على أسس ثابته, ومرتکزات متّفق علیها بین المراجع الدینیه, وأئمه المذاهب الإسلامیه, وتوضع الخطط العملیه لتنفیذها.
هذا ویمکن القول إن أبرز هذه الأسس والخطوط العریضه لتحقیق هذا الهدف السامی هی:
۱- اعتبار وحده الأمه الإسلامیه فریضه إلهیه وضروره:
فالأمه الإسلامیه أمه واحده: ربها واحد, وکتابها واحد, ونبیها واحد, وقبلتها واحده, وشعارها واحد, وآدابها ومصیرها واحد, وعدوّها واحد انسجاماً مع قوله تعالى (إن هذه أمتکم أمه واحده وأنا ربکم فاعبدوه), وقوله تعالى (وإن هذه أمتکم أمه واحده وأنا ربکم فاتقون), وهو ما أمر به الرسول الکریم (ص), حیث أکّد على ضروره اتحاد الأمّه وترابطها وتراحمها وتعاضدها (ترى المؤمنین فی توادهم وتعاطفهم وتراحمهم کمثل الجسد الواحد, إذا اشتکى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمه والسهر ) متفق علیه.
۲- توجیه المسلمین نحو هموم الأمه الکبرى:
إن من أکثر ما یوقع الناس فی بؤره الاختلاف, وینأى بهم عن الاجتماع والائتلاف فرغ نفوسهم من الهموم الکبیره والآمال العظیمه. وإذا فرغت الأنفس من ذلک تصارعت على المسائل الصغیره, ولا یجمع الناسَ شیءٌ کما تجمعهم المصائب والهموم المشترکه والوقوف فی وجه العدو المشترک.
ولذا یجب على المفکرین والدعاه الإسلامیین أن یشغلوا جماهیر المسلمین بهموم الأمه الکبرى, مثل التخلف العلمی والتکنولوجی والحضاری, وقضایا الظلم والاستبداد والتسلط السیاسی, والظلم الاجتماعی والاقتصادی وکذلک قضایا الغزو الفکری والثقافی, وقضایا تجزئه وتمزّق العالم الإسلامی, والتحدی الصهیونی, وکلها قضایا وهموم مشترکه یجب الترکیز علیها, وعدم الانشغال بالمسائل والقضایا الفرعیه الثانویه.
۳- التأکید على التعاون فی القضایا المتفق علیها:
إن الانشغال بالمسائل الخلافیه والترکیز علیها, واحتدام الجدل حولها یؤدی إلى زیاده الخلاف والصراعات على حساب القضایا المتفق علیها. إن مشکله الأمه الإسلامیه هی فی تضییع الأمور المتفق علیها من جمیع مذاهبها ومدارسها, ولیست مشکلتها فی ترجیح أحد الرأیین, أو القضایا المختلف فیها بناء على اجتهاد أو تقلید.
۴- التسامح فی المختلف فیه:
إذا کان التعاون فی المتفق علیه واجباً, فأوجب منه هو التسامح فی المختلف فیه, وهو التسامح القائم على أساس احترام الرأی الآخر, وکذلک إمکانیه تعدد الصواب, ولا یجوز إشهار سیف التکفیر فی وجه المخالفین فی الرأی. وقدوتنا فی ذلک سیره کبار الفقهاء وأئمه المذاهب, حیث کانوا مثالاً صادقاً فی التسامح, والانفتاح على الرأی الآخر وعدم التعصب لآرائهم.
۵- العنایه باللغه العربیه کلغه تخاطب أولى أو ثانیه, حسب ظروف کل مجتمع إسلامی, وأن تحذو بقیه الأقطار الإسلامیه حذو الجمهوریه الإسلامیه الإیرانیه التی نصّ دستورها على وجوب تدریس اللغه العربیه منذ المرحله الإلزامیه باعتبارها لغه القرآن الکریم الحافظ للشریعه الإسلامیه.
۶- تربیه الأجیال فی الجامعات والمعاهد والحوزات على احترام الاختلاف والتعددیه المذهبیه والسیاسیه, ضمن إطار الوحده الإسلامیه باعتبار الاختلاف سنه من سنن الکون, وأنّ التعایش بین المذاهب وأتباعها أولى وأوجب من التعایش من الآخرین, وإذا کنّا نحاول (دول العالم الإسلامی) منذ سنین عده الانفتاح على الأدیان الأخرى والحوار معها, فإنّه من الأولى الحوار والانفتاح بین أتباع الدین الواحد.
لقد آن الأوان لکی نعی أنّنا مسلمون بالدرجه الأولى قبل أن نوصف بأیّ صفه أخرى, ونصنّف ضمن أطر تجعلنا جزءاً من المشکله واستمراراً للفتن والصراعات السیاسیه التی حدثت فی القرون الماضیه واستمرّت حتى عصرنا الحاضر بعدّه صور وأشکال, حیث أصبح الدین الإسلامی یواجه أعظم عملیه إرهاب, باسم مکافحه الإرهاب, وأعظمَ بطشٍ حاقد متعصب یحاول إقصاء الإسلام واستئصاله, باسم محاربه التعصّب والأصولیه.