القوه من منظار إسلامی
وقد ترجمت هذه القاعده فی الإسلام، حیث أوجب على أتباعه إعداد القوه والقدره لمواجهه کل الحالات السلبیه التی یمکن أن تتعرض لها الأمه الإسلامیه، قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوه ومن رباط الخیل ترهبون به عدو الله وعدوکم).
فالإسلام إذاً، یأمر بإعداد القوه، ولکن لا لمجرد إظهارها، أو استعمالها کیفما کان، وفی أیّ ظرف ومکان، وإنما لاستعمالها حیث ینبغی، وحیث یکون لها الدور الحاکم فی رد العدوان وکبح جماح الأعداء، أو ربّما لإلقاء الرهبه والخشیه فی قلوب الذین یفکرون فی الاعتداء على المسلمین ودولتهم.
فالقوه من المنظار الإسلامی محکومه بضوابط وقوانین، وخاضعه لقیود شرعیه وأخلاقیه وإنسانیه، لا تسمح للمسلمین باستعمالها حیث یجب وحیث لا یجب، فما دام تجنّب اللجوء إلیها متاحاً وجب الاستغناء عنها، ذلک أن إعمال القوه لا بد أن یخلّف وارءه دماءً ودماراً وتخریباً، وهذا بلا شک منافٍ مع أهداف الإسلام الإلاهیه والإنسانیه، ولذا قال تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها).
ویمکن القول: إنّ الرؤیه الإسلامیه للقوه ترتکز على الأمور التالیه:
أولاً: الإعداد الجید والمنظَّم لقدرات المسلمین وطاقاتهم وإمکاناتهم.
ثانیاً: إلقاء الرهبه والخشیه فی قلوب الأعداء فیما لو حاولوا التفکیر بالاعتداء على المسلمین.
ثالثاً: جهوزیه القوه للرد على أی اعتداء یحصل ضد الإسلام والمسلمین.
رابعاً: عدم تضییع القوه وتشتیتها باستعمالها کیفما کان، وإنما لإعمالها فی وقت الحاجه إلیها.
ولهذا نجد أن الإسلام لم یستعمل القوه یوماً لفرض إرادته على الآخرین واستعمار بلادهم واستغلالهم والسیطره علیهم أو سلبهم حقوقهم المدنیه والإنسانیه، وإنما استعملها ضد محاربیه ومریدی إسقاطه حتى لا یشکِّل خطراً على عروشهم وامتیازاتهم. ولم یجبر الإسلام أحداً على الدخول فی الإسلام، حتى المقیمین فی دیاره، بل ترک لهم حریه العباده والمعتقد طالما أنهم لا یقومون بخیانه الدوله الإسلامیه التی تحتضنهم وتأویهم، لأن دیناً شمولیاً کالدین الإسلامی جدیر بأن لا یؤمَن به إلاّ عن قناعه ذاتیه وإیمان صافٍ نابع من القلب والعقل والروح والوجدان.
فالبُعْد الإلهی فی الإسلام یعطی للقوه عند المسلمین صفات الرحمه والرأفه والعفو عند المقدره، لأن وظیفتها تختلف جذریاً عن القوه عند الآخرین الذین لا ینطلقون من منطلق إلهی، ولا یرون فی القوه إلاّ وسیله للسیطره والهیمنه، وفرض الإراده والتحکم بمصیر الضعفاء من الأفراد والأمم والشعوب، کما یحدث فی یومنا هذا، حیث تعمد أمریکا ـ معقل الاستکبار ـ وبما تملکه من أدوات القوه إلى السیطره على معظم دول العالم واستغلال مواردها، وسرقه حضاره الشعوب، وقهرهم واستضعافهم.
نعم، عندما تتجرّد القوه عن أبعادها الإلهیه والإنسانیه، تخلو من عناصر الرحمه والعفو، وتصبح قوه شیطانیه فاجره مستبده تمارس أبشع أنواع القتل والجرائم بحق الأفراد والشعوب.
وواحده من تبعات تلک القوه الشیطاینه، سرقه فلسطین، قلب العالم الإسلامی، وإحلال الکیان الصهیونی مکانه، هذا الکیان الذی کان الابتلاء الأکبر للأمه الإسلامیه، من خلال الإجرام الذی یمارسه بحق الشعب الفلسطینی واللبنانی، والعربی عموماً، بل الإسلامی أجمع.
إن نشوء هذا الکیان الغاصب، کان ولیدَ القوه المجرده عن الضوابط الإلهیه والإنسانیه والأخلاقیه، ولا تزال أمریکا هی السبب المباشر فی بقائه وتقویته وتزویده بکل أنواع الأسلحه التی تسمح له بالبقاء قویاً فی مواجهه أصحاب الأرض الشرعیین، رغماً عن إراده کل دول وشعوب العالم الإسلامی.
وفی الحقیقه، لیست الاعتداءات والافتراءات التی تکال على المسلمین کلّما وقعت طائره أو انفجرت قنبله.. لیست سوى نموذج صارخ لاستعمال القوه المفرطه من دون وجود دلیل ملموس أو مقبول على علاقه النظام الحاکم أو من تأویه عن مسؤولیه تلک الحوادث، ولکن القوه الغاشمه الأمریکیه المتغطرسه تجعل من مثل تلک الأحداث حجه للقیام بأعمالها الإرهابیه تحت عنوان مکافحه الإرهاب.
من کل ما سبق، ینبغی على کل الدول المستضعفه أن تتحد محاولهً فرض نظام صارم لاستعمال القوه، حتى لا یبقى العالم محکوماً لمزاجیه الولایات المتحده الأمریکیه، التی لا تنفک تستعمل قوتها لقهر الشعوب وتصنیفهم وفق ما یناسب مصالحها ومنافعها القائمه، وتحاول من خلال قوتها العسکریه أن تفرض تبعیّه سیاسیه واقتصادیه وإعلامیه على دول العالم کافه.
والإسلام لا یجیز للدول الإسلامیه التخلی عن إسلامها، ولا یبیح الاستسلام للقوه الغاشمه، بل یأمر بمحاربتها والوقوف بوجه محاولاتها الخبیثه والشریره، لتحریر الشعوب الإسلامیه وإرادتها من هیمنه قوه ظالمه کهذه.
من هنا، نجد أن العالم الإسلام هو المؤهل لتشکیل التکتل العالمی المناهض لهیمنه الولایات المتحده الأمریکیه، وأن على الدول الإسلامیه الرئیسه السعی من أجل إیجاد مثل هذا التکتل لیس بین الدول الإسلامیه فقط، بل مع کل الدول التی ضاقت ذرعاً بالممارسات الأمریکیه البشعه، وربیبتها إسرائیل، الصدیق الأفضل لأمریکا!!
کل هذه الجرائم والاعتداءات، وکل هذا القهر الذی یعیشه المسلمون من جرائها، هما المناسبه الأفضل للدول الإسلامیه لأخذ المبادره، وصوغ نظام عالمی جدید، لا مکان فیه لاستعمال القوه إلا فی الظروف التی لا تنفع غیر القوه بدیلاً عنها، وإیجاد نظام عالمی قائم على الاحترام المتبادل للشعوب وأنظمتها وحضاراتها، والسعی لتحقیق العداله الإنسانیه بین العالم القوی والغنی والعالم الفقیر والمستضعف، الذی یعانی من أعراض الفقر والجهل والتخلف، بینما ینعم العالم القوی بکل مظاهر الأمن والراحه والعیش الرغید.