محطات بین یدی قمر بنی هاشم (ع)

0

فی هذه العجاله نقف بکل إجلال وتقدیس عند أحد أولئک الأفذاذ الذین کانوا من مفاخر التاریخ الإسلامی ، ومن شهداء کربلاء العظام ، نقف عند ذلک القمر الهاشمی ، والشبل العلوی والفدائی الحسینی ، نقف عند من قال فیه صادق أهل البیت (علیه السلام ) : (( کان عمُّنا العباس بن علی نافذ البصیره ، صلب الإیمان ، جاهد مع أبی عبد الله ( علیه السلام ) ، وأبلى بلاءً حسناً ، ومضى شهیداً )) ، و یالها من شهاده کبیره صدرت من المعصوم بحق رجل کان عماً للمعصومین ، وأخاً لمعصومین ، وإبنا للمعصوم .
نقف متصاغرین متواضعین عند سیدنا ومولانا أبی الفضل العباس بن الإمام علی بن أبی طالب (علیه السلام ) ، ولیس من الممکن أن نحتوی حیاه بطل العلقمی فی مقاله واحده ، فهو کالبحر من أین تأتیه تغترف علما وهدیا وإیمانا ، ولکننا نود الإشاره الى بعض المحطات من حیاه کافل بنات الرساله الکفیل الشهم والغیور الأبی فنقول :
المحطه الأولى:
لُقب العباس (علیه السلام) بمجموعه من الألقاب الجلیله التی تعبر عن عظمه شخصیته المقدسه ومن تلک الألقاب : ( السقَّاء ، أو ساقی العطاشى ) …
فقد روی إنه لمّا اشتد العطش على الحسین ( علیه السلام ) وأصحابه ، أمر أخاه العباس ( علیه السلام ) فسار فی عشرین رجلاً یحملون القرب ، وثلاثین فارساً ، فجاءوا حتّى دنوا من الماء لیلاً ، وأمامهم نافع بن هلال الجملی یحمل اللواء ، فقال عمرو بن الحجّاج ، من الرجل ؟ قال نافع ، قال ما جاء بک ؟ قال : جئنا نشرب من هذا الماء الذی حلأتمونا عنه ، قال : فاشرب هنیئاً ، قال : لا والله لا أشرب منه قطره والحسین عطشان هو وأصحابه ، فقالوا : لا سبیل إلى سقی هؤلاء ، إنّما وضعنا بهذا المکان لنمنعهم الماء .
فقال نافع لرجاله : املؤا قربکم فملئوها ، وثار إلیهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه ، فحمل علیهم العباس ونافع بن هلال فکشفوهم وأقبلوا بالماء ، ثمّ عاد عمرو بن الحجّاج وأصحابه ، وأرادوا أن یقطعوا علیهم الطریق فقاتلهم العباس وأصحابه حتّى ردّوهم ، وجاءوا بالماء إلى الحسین ( علیه السلام ) ، وکان هذا قبل یوم العاشر من المحرم ، وقال بعض المؤرخین کان ذلک فی الیوم السابع ، ولذلک سُمی الیوم السابع  بیوم العباس .
والموقف الأکبر لساقی آل الرسول هو موقفه یوم العاشر ، لمّا اشتدَّ العطش بالحسین وأهل بیته وأصحابه ( علیهم السلام) ، وسمع بکاء النساء والأطفال یشکون العطش ، بادر الساقی الغیور أبو الفضل العباس ( علیه السلام ) ، وطلب من أخیه الحسین ( علیه السلام ) السماح له بالبراز لجلب الماء ، فأذن له الحسین ( علیه السلام ) ، فحمل على القوم ، أحاطوه من کلِّ جانب ، ثم قتل وجرح عدداً کبیراً منهم ، وکشفهم وهو یقول :  
لا أرهبُ الموتَ إذا الموتُ رَقَا ** حتّى أواری فی المصَالیتِ لُقَى
نفسی لنفسِ المُصطَفَى الطُّهر وَقَا ** إنّی أنا العبَّاس أغدو بالسقَا
ولا أخافُ الشرَّ یوم المُلتَقَى
وصل السّاقی إلى ماء الفرات ، فغرف منه غرفه لیطفئ لَظَى عطشه ، فتذکَّر عطش الحسین (علیه السلام ) ، ورمى بالماء وهو یرتجز ویقول :
یَا نفسُ مِن بعد الحُسین هونی ** مِن بعدِهِ لا کُنتِ أن تَکُونی
هَذا الحسینُ وَارِدَ المَنونِ ** وتشرَبینَ بَاردَ المَعینِ
تاللهِ مَا هَذی فِعَال دِینی
 
فملأ القربه وعاد فحمل على القوم ، وقتل وجرح عدداً منهم ، ولکن ؛ حین جرى ما جرى من قطع کفیه أخذ القربه بِفَمِه ، وبینما هو جاهد أن یوصلها إلى المخیَّم ، إذ صُوِّب نحوه سهمان ، أحدهما أصابَ عینه الشریفه ، وأما الآخر فقد أصاب القِربه فَأُرِیق ماؤها ، وعندها انقطع أمله من إیصال الماء ، فصار یقاتلهم بشده طالبا للشهاده ، حتى نالها عزیزا شریفا مهابا.
وأیضا کان یلقب بـ  ( قمر بنی هاشم)  …
فقد وصفه التاریخ انه کان رجلاً وسیماً جسیماً ، یرکب الفرس المطهَّم ، ورجلاه تخطَّان فی الأرض ، ویمکن لنا أن نفهم إنه قمر بنی هاشم معنویا ، بمعنى أن إیمانه مشرقا ، وهو من الأولیاء العارفین .
ولقب أیضا : ( بطل الشریعه ) أو ( بطل العلقمی ) أو ( سَبع القنطره ) …
لأنه خاض على ذلک النهر قتالاً لم ترى العرب مثله ، حیث کان ینقّض على أعدائه کالنسر ، وهم یفرون من بین یدیه کالخراف ، ولم یجدوا حیله لإیقافه إلا بأن یبارزوه جمیعا دفعه واحده ، ومن هنا نادى المنادی : احملوا علیه من کل جانب ، ورغم إنهم شنوا علیه هجوما من کل جانب ، إلا أن شبل علی کان فیهم کالصاعقه ینقض علیهم من کل اتجاه ، حتى ظن أحدهم إنه یقاتل ألف رجل لا رجلا واحدا .
هذه الشجاعه الحیدریه والعزیمه التی أورثها إیاه فارس بدر الکرار تجسدت فی یوم عاشوراء ، حتى ظن الناضر إنه علی بن أی طالب أحیی من جدید ، وقد کان دافعها الأکبر إیمانا لا یلین ، وشوقا للشهاده وإصرارا فی نصره سید شباب أهل الجنه ، مما جعله أسداً مغواراً یطحنهم طحنا .
ولقب أیضا : أنه ( باب الحوائج ) …
وما ذاک الا کرامه من الله أعطاها لسلیل الکرار و وراث الأطهار ، ولعظیم إیمانه وشده إخلاصه ، حیث جعل الله مرقده الشریف شمسا للتائهین ، وبحرا للواردین ، وغوثا للمظطرین ، وهناک العشرات بل المئات وربما الآلاف الذین حصلت لهم الکرامات ، ممن قضى الله حوائجهم ببرکه التوسل الى الله تعالى بمقام أبی الفضل (علیه السلام ) .
ونذکر هذه القصه اللطیفه ، ففی کتاب أسرار الشهاده قال العلامه الدربندی علیه الرحمه : أخبرنی جمع من الثقاه فی هذا الزمان ، إن أحد المؤمنین کان یزور الحسین ( علیه السلام ) فی کل یوم ثلاث مرات ، وما کان یزور العباس إلا فی الأسبوع مره ، وقد رأى فی المنام الصدیقه الطاهره ( علیها السلام ) ، سلّم علیها فأعرضت عنه ؛ فقال : بأبی أنت وأمی لأی تقصیر تعرضین عنی ؟ قالت : لإعراضک من زیارتک ابنی ، قال : أنا أزور ابنک فی کل یوم ، قالت : تزور ابنی الحسین ( علیه السلام ) ولا تزور ابنی العباس إلا قلیلا .
********************
المحطه الثانیه:
حینما نذکر اخو زینب وکافلها ، لا یمکن نسیان تلک الأم التی ربته وتلک الأحضان الطاهره التی أرضعته الولاء لآل الرسول ، وتلک المرأه المتیّقنه بأمر ربها ، التی أرسلته مع أخوته للشهاده ، أقصد طبعا السیّده فاطمه بن حزام العامریه الکلابیه ، المعروفه بأمِّ البنین ( علیها السلام ) .
وقد روی أنّ الإمام أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) قال لأخیه عقیل ـ وکان نسّابه عالماً بأخبار العرب وأنسابهم ـ : (( اختر لی امرأه قد ولدتها الفحوله من العرب ؛ لأتزوّجها لتلد لی غلاماً فارساً )) ، فقال له : أین أنت عن فاطمه بنت حزام الکلابیه العامریه ، فإنّه لیس فی العرب أشجع من آبائها ولا أفرس ، فتزوّجها أمیر المؤمنین ، فولدت له وأنجبت ، وأوّل ما ولدت العباس ( علیه السلام ) ، وبعده عبد الله ، وبعده جعفراً ، وبعده عثمان .
ولا ینسى التاریخ موقفها الزهرائی الزینبی حین سمعت بمقتل أولادها فلم تکترث ؛ وکان اهتمامها منصبا فی السؤال عن الحسین (علیه السلام) ، وحین علمت بشهادته أقامت علیه الحزن ثم على أولادها ، بل کان مقتل أولادها مسلیا لها ، أن قدمتهم فدائیین دون ریحانه المختار ، وسلیل الزهراء البتول.
*****************
المحطه الثالثه:
من المواقف الکبرى التی رویت عن سلیل حیدر الکرار ما روی ، أنه لمَّا أخذ عبد الله بن حزام ابن خال العباس ( علیه السلام ) أماناً من ابن زیاد للعباس وأخوته من أُمِّه ، قال العباس وأخوته : لا حاجه لنا فی الأمان ، أمانُ الله خیر من أمان ابن سمیه .
وفی یوم عاشوراء لمَّا نادى الشمر : أین بنو أختنا ؟ أین العباس وأخوته ؟ فلم یجبه أحد ، فقال الحسین ( علیه السلام) :  (( أجیبوه وإن کان فاسقاً ، فإنَّه بعض أخوالکم )) ، فأجابه العباس ( علیه السلام ) : ( ماذا ترید ) ؟ فقال : أنتم یا بنی أُختی آمنون ، فقال له العباس ( علیه السلام)  قولاً یدهش منه أهل العالم : لعنک الله ، ولعن أمانک ، أتؤمِّننا وابن رسول الله لا أمان له ؟! ، وهذا موقف الأخ الأصیل والموالی النبیل ، فقد کان یرى أن الحسین إمام مفترض الطاعه ، وطاعه الله فی طاعته .
*****************
المحطه الرابعه:
ولقد أکرمه الله أیما کرامه ، ومن هنا أثنى علیه المعصومون ( علیهم السلام ) ، فقد قال الإمام زین العابدین ( علیه السلام ) : (( رحم الله العباس ، فلقد آثر وأبلى ، وفدى أخاه بنفسه حتّى قطعت یداه ، فأبدله الله عزّ وجل بهما جناحین یطیر بهما مع الملائکه فی الجنّه ، کما جعل لجعفر بن أبی طالب ، وإنّ للعباس عند الله تبارک وتعالى منزله یغبطه بها جمیع الشهداء یوم القیامه )) .
ولیت شعری أی منزله هذه التی یغبطها علیها الشهداء ، وهم أصحاب المنازل الجلیله یوم القیامه ، فقد ورد أن الزهراء ( علیها السلام ) ستخرج تطالب بمظلومیته فی عرصات المحشر .
فمما جاء فی مقام أبی الفضل العباس ( علیه السلام ) ومنزلته عند أهل البیت ( علیهم السلام ) ، هو ما ذکره العلامه الدربندی فی کتابه أسرار الشهاده ، قال : إنه إذا کان یوم القیامه واشتد الأمر على الناس ، بعث رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) إلى فاطمه ( علیها السلام ) لتحضر مقام الشفاعه ، فیقول أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) : (( یا فاطمه ما عندک من أسباب الشفاعه ، وما ادّخرتِ لأجل هذا الیوم الذی فیه الفزع الأکبر )) ؟ ، فتقول فاطمه ( علیها السلام ) : (( یا أمیر المؤمنین کفانا لأجل هذا المقام ، الیدان المقطوعتان من ابنی العباس )) .
نسال الله بحق الیدین المقطوعتین أن یوفقنا لخدمه صاحبهما فی الدنیا ، ولشفاعته فی الآخره.

Leave A Reply

Your email address will not be published.