وحده وانسجام جمیع المراکز الثوریه
على الرغم من تلاحم مختلف شرائح الشعب الإیرانی، وتزاید نشاط مراکز التوعیه ومعاقل الثوره فی المساجد والجامعات، ولکن کان ثمه خطر یحتمل أن یتسبب فی ایجاد خلل فی مسیره الثوره الإسلامیه، ویتلخص فی الازدواجیه فی إبلاغ نداءات الثوره. إلا إنه وعلى الرغم من العراقیل والمؤامرات التی دأب على وضعها عملاء النظام وذیول الاستکبار، فقد أحبط هذه المحاوله أیضاً بفضل وعی الشعب ویقظه علماء لدین. وکان ثمه نداء واحد یتناهى إلى الأسماع من جمیع المراکز، وکانت وحده النداء هذه قد قضت على خطر الازدواجیه فی القیاده، وعلى مؤامره إثاره البلبله فی الضمیر الثوری للشعب. وقد أدى التنسیق بین المراکز الثوریه أفضل دور فی هذا الصدد.
کان لوحده النداء وتأثیرها البالغ فی صیانه السمه الإسلامیه للثوره التی کانت معرضه فی کل لحظه لخطر التحریف والإساءه، وکان هذا هو أسهل وأجدى الطرق لاحباط المحاولات التی کانت ترمی بأسالیب شتى إلى إخفاء وتشویه الوجه الإسلامی للثوره من قبل الفئات العمیله.
وضوح طریق المستقبل مذ بدایه الحرکه:
الثوره عاده تنبثق فجأه، غیر أنها تنمو وتتکامل تدریجیاً، ونادراً ما تجد ثوره تبلغ فی مستقبلها، نفس الطریق الذی رسمته وأعلنه منذ بدایتها.
إلا أن هذه الخاصیه تلاحظ فی الثوره الإسلامیه حیث کان مستقبل طریقها واضحاً منذ بدایته, فما ان انتصرت حتى بدأ العمل لتطبیق نفس الأهداف والخطه التی کانت تحملها شعارات الشعب وکلمات القائد.
کان الهدف الأساسی للثوره الإسلامیه فی الداخل إقامه الحکومه الإسلامیه، وعلى صعید السیاسه العالمیه والعلاقات الدولیه تطبیق مبدأ لا شرقیه ولا غربیه، وعلى صعید العالم الإسلامی تحقیق أهداف الوحده الإسلامیه.
ومن جمله الأهداف التی کانت تتطلع إلیها الثوره الإسلامیه هو الدفاع عن المستضعفین فی داخل البلد، وکذلک دعم الحرکات التحرریه والمستضعفین فی کل أرجاء العالم، ووجدت طریقها إلى حیر التنفیذ، وأضحت جزءاً لا ینفصل من السیاسه العامه لجمهوریه إیران الإسلامیه.
التفانی والشهاده:
من خصائص الثوره الإسلامیه التی لا یمکن إنکارها، وهی من الخصائص ذات الجذور المتأصله فی الدین الإسلامی، هی التفانی والشهاده التی شکلت على الدوام حافزاً للجهاد. وکان الشهداء بأهدافهم الإسلامیه یعکسون نهج وسمه هذه الثوره.
یعتبر التفانی فی الثقافه الاجتماعیه والسیاسیه والاقتصادیه للإسلام رمزاً لمنتهى الورع والزهد الذی یتحلى به المؤمن، وتعبیراً عن الاتصال بالله والتمسک بالعقیده. وذکر فی القرآن الکریم کأسلوب لتمحیص صلاحیه الفرد للزعامه والإمامه اختبر النبی إبراهیم علیه السلام قبل بلوغ مرتبه الإمامه بالقدره على التضحیه والتفانی. وامتدح القرآن الکریم موقف الإیثار والتفانی الذی وقفه علی و فاطمه علیها السلام بقوله: (ویؤثرون على أنفسهم ولو کان بهم خصاصه).
لقد أعطت الشریعه الإسلامیه للشهاده مرتبه رفیعه حتى جعلت سائر الأعمال الصالحه الأخرى للإنسان تقاس بها، ومنحتها قیمه تفوق کل القیم الأخرى "فوق کل ذی بر بر حتى یقتل المرء فی سبیل الله، فإذا قتل فی سبیل الله فلیس فوقه بر".
لقد جعل الله الشهاده لصالح عباده المتحررین من قیود الدنیا والمجدین بإخلاص فی طلب لقاء الله، وطریق الشهاده هو أقرب الطرق وأسرعها لمن ینشد القرب الإلهی.
لقد خلق حب الشهاده على مدى الفتره القصیره من تاریخ الثوره، والتصدی للمؤامرات الأجنبیه خاصه أثناء فتره الدفاع المقدس ضد الهجوم العسکری الاستکباری الذی قاده نظام البعث العفلقی فی العراق، ملحمه رائعه فی تاریخ الشعوب الحره، وأصبحت درساً للشعوب الأخرى وللأجیال القادمه فی الوقوف بوجه القوى الطامعه، وحطمت قیود الخوف والرهبه التی کانت سبباً فی هیمنه تلک القوى على الشعوب المقهوره.
الدور الریادی للعلماء الثوریین:
منذ أن تبلورت صیغه المرجعیه الدینیه العامه قبل ما یقارب القرن صارت تحظى بمزید من النفوذ والشعبیه والمحبوبیه بین الجماهیر، وتهیئت لرجال الدین قوه حاسمه حتى ابان ذروه تسلطت حام الجور. ویمکن القول إن السلطه الحقیقیه کانت (بالقوه) بید العلماء المتنفذین، الذین کانوا یفرضون إرادتهم على السلطات الحاکمه متى ما شاؤوا.
ولکن لم تستغل هذه القوه کما ینبغی فی الکثیر من الموارد التی کان فیها العلماء یلتزمون جانب التحفظ، حتى تحول هذا التحفظ إلى خصله تاریخیه فیهم. إلا إن هذه القوه استغلت فی مواقف أخرى کالفتوى التاریخیه التی أصدرها المیرزا الشیرازی بتحریم التبغ، والتی کسرت ظهر الاستبداد الذی کان یمارسه ناصر الدین شاه، ووجهت ضربه قاتله للاستعمار الإنجلیزی، وأثبتت قوه الدور والنفوذ الذی یتمتع به مراجع التقلید والعلماء ورجال الدین على العموم.
کما برهنت أحداث المشروطه بدورها مدى الاقتدار السیاسی الذی یحظى به العلماء فی تقریر مصیر البلد ومنی رضا خان ـ رغم شراسته وقسوته ـ بانتکاسه مریره فی صراعه مع رجال الدین. حتى تأکدت هذه الحقیقه على المدى الطویل.
وفی أحداث تأمیم النفط کانت إزاحه التیار الدینی الثوری خیانه ألحقت الضرر بالبلد وبالشعب. کما أثبت انعزال التیار اللیبرالی عن العلماء بعید انتصار الثوره الإسلامیه، للانتهازیین مدى القدره المعنویه والمکانه الجماهیریه لرجال الدین.
لم یکن دور العلماء بمعزل عن المساجد فی أحداث الثوره، إلا أن نفوذ وسلطه العلماء لا تنحصر فی دور المساجد, مثلما لم یکن العلماء بمعزل عن القیاده, والقائد هو نفسه على رأس علماء الدین، وکان علماء الدین طوع أمر القیاده وجعلوا من أنفسهم شبکه اتصال لإبلاغ بیانات الإمام إلى أعماق المجتمع.
لقد أثبت تاریخ القرن الأخیر فی بلدنا، أن الشعب والبلد متى ما تعرضنا لأعاصیر ومخاطر جاده کان العلماء على الدوام یتقدمون صفوف الجهاد والمواجهه، لتوعیه الشعب إلى تلک المخاطر، وإنقاذ البلد من السقوط.
یمکن معاینه هذه الحقیقه عن کثب حتى فی ظروف عزله العلماء بعیداً عن الساحه السیاسیه، حیث کان العلماء یعودون بعد انتهاء تلک الأزمات إلى مواقعهم القدیمه تارکین وراءهم میدان السیاسه.
کان من جمله المؤامرات التی استهدفت إزاحه العلماء عن میادین السیاسه ولکنها ـ ولحسن الحظ ـ أحبطت أثناء وقائع الثوره الإسلامیه، هو طرح شعار "إسلام بلا علماء". وهذا وهو تکتیک لانتزاع السلاح من ید العلماء. ولم یقتص هدف المنادین بهذا الشعار على نزع السلاح من أیدی العلماء فسحب، بل کان الهدف الأساسی منه التشکیک بشرعیه المؤسسات الدینیه، والأهم من کل ذلک رفض قضیه المعرفه العلمیه المتخصصه فی الشؤون الدینیه، لتمهید الطریق أمام الإدلاء بمختلف الآراء فی قضایا الإسلام، ونشر الفوضى فی فهم الآراء الإسلامیه، والعمل بشکل عام على إضعاف دور الإسلام فی المجتمع.
وقد حذر سماحه الإمام الخمینی مرات عدیده من الهدف الکامن وراء هذا الشعار، ومن الانتهازیین الذین ینادون به، ومن المخاطر التی تتمخض عنه، قائلاً: "الإسلام بلا علماء یعنی لا شیء! فالعلماء هم الذین أشعلوا فتیل الثوره الإسلامیه. وکل شیء یستلزم وجود الأشخاص والمتخصصین به، والمتخصصون فی شؤون الإسلام هم العلماء".
لقد اختلف موقع العلماء عما کان علیه قبل مائه سنه أو حتى قبل خمسین سنه، لأن قضیه الإسلام والعلماء مطروحه الیوم على مستوى العالم، وأصبحت لدى القوى العظمى حساسیه من العلماء وما یضطلعون به من دور، کما عقد المفکرون والمحرومون علیهم الآمال. فالعالم الیوم ینظر إلى علماء الشیعه کأسوه فی مقارعه الاستکبار العالمی وخاصه أمریکا. ومن هنا فإن الضرورات العینیه توجب على العلماء التسلح بمزید من الوعی والیقظه.