حقیقه الإخلاص

0

وبهذا یتّضح لنا السرّ فی التفاوت الحاصل فی الفعل الأخلاقی ـ خیراً کان أو شرّاً ـ فإنّ مرجع التفاوت هو درجات ومراتب النیّه. وهذا التفاوت فی مراتب النیّه مرجعه إلى متعلّق النیّه وهو الکمال المرئیّ لصاحب النیّه والذی تعلّقت به النیّه، ما یکشف لنا ضمناً أنّ الکمال مع کونه مطلوباً ذاتیّاً للإنسان، وأنّ الإنسان مفطور على حبّه، وأنّ هذا الحبّ للکمال یُمثِّل درجه شدیده من وجوده التکوینی، إلاّ أنّ مراتب هذا الکمال ومصادیقه لیست واضحه للجمیع، ولذا لزم معرفتها، والوقوف عندها إمّا بواسطه العقل أو النقل۱، ولعلّنا نقف عند هذه النکته فی بحث آخر من هذا الکتاب۲٫ فالنیّه هی المنظور الأوّل فی العمل الأخلاقی، وهی القیمه الفعلیه له. عن النبیّ صلى الله علیه وآله: (إنّما الأعمال بالنیّات، ولکلّ امرئ ما نوى)۳٫ وإنّ (النیّه أساس العمل)۴٫ وإنّ (الأعمال ثـمار النیّات)۵٫ بل إنّ (نیّه المؤمن خیرٌ من عمله ونیّه الفاجر شرٌّ من عمله)۶٫ والسرّ فی تفضیل نیّه المؤمن على عمله ـ کما جاء فی جواب الإمام الصادق علیه السلام ـ هو: (لأنّ العمل ربّما کان ریاءً للمخلوقین، والنیّه خالصه لربّ العالمین، فیُعطی تعالى على النیّه ما لا یُعطی على العمل)۷٫ أو بعباره أخرى: إنّ نیّه المؤمن خیرٌ من عمله، لأنّ النیّه إنّما تُمثّل المحتوى الداخلی للفرد، وهذا المحتوى أهمّ من العمل بطبیعه الحال۸٫
بعباره ثالثه: إنّ لکلّ عمل صوره ظاهریه وأخرى باطنیه، والأولى بشکل وإطار لا یمثِّل حقیقه العمل، بخلاف الأخرى التی تمثّل حقیقه العمل. فالنیّه هی حقیقه العمل وصورته الکامنه فی سرّ الفاعل، بخلاف العمل الخارجی المرئی للعیان. ومن هنا یمکن القول: إنّ ظاهر صلاه أمیر المؤمنین علیّ علیه السلام وظاهر صلاه المرائی والمنافق متضاهیان فی الأجزاء والشرائط والشکل والهیئه ولکنّهما مختلفان من الناحیه الباطنیه ـ النیّه ـ فإنّنا نجد أنّ أمیر المؤمنین علیه السلام یعرج بعمله إلى الله تعالى وأنّ لصلاته صوره ملکوتیه أعلى، وأمّا المرائی أو المنافق فإنّه یغور فی أعماق جهنّم ولصلاته الباطنیه صوره ملکوتیه سُفلى.۹
من هنا سوف تتّضح لنا عدّه نکات قرآنیه تتعلّق بحقیقه النیّه التی یکون علیها العبد، من قبیل قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِینَ یُنْفِقُونَ أَمْوَالَـهُمْ فِی سَبِیلِ اللهِ کَمَثَلِ حَبَّهٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِی کُلِّ سُنْبُلَهٍ مِائَهُ حَبَّهٍ وَاللهُ یُضَاعِفُ لِمَنْ یَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِیمٌ)۱۰٫ فلو أنفق أحدنا أموالاً ضخمه دون أن یقصد فیها وجه الله تعالى وسبیله فهل سیُضاعف له الأجر أو العمل سبعمئه مرّه ـ بل یُضاعَف له بما شاء الله تعالى ـ کما هو صریح الآیه؟ الواقع: إنّ الآیه الکریمه تجعل ملاک المضاعفه ـ المحدّده والمطلقه ـ قصد سبیل الله تعالى ووجهه. وهذا هو معنى کون النیّه هی أساس العمل، وأنّ الأعمال ثمارها. وهکذا الحال فی آیات أخرى تُعبِّر عن قصد السبیل والوجه الکریم بالقرض الحسن لله تعالى، من قبیل: (مَنْ ذَا الَّذِی یُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَیُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً کَثِیرَهً)۱۱، أی یُنفق فی سبیل الله وطاعته. والتعبیر بکون الأضعاف کثیره هو کنایه عن عدم إمکان إحصائها۱۲، وهکذا الحال فی آیات أخرى.
وعلیه فلو کان المدار هو العمل بنفسه للزم حصول ذلک الأثر لکلّ عمل حتّى ممّن لم یقصد وجهه تعالى، ولکنّ الآیات صریحه بتحدید ملاک ترتّب الأجر والمضاعفه وهو قصد سبیل الله تعالى ووجهه الکریم فی الإنفاق والإقراض، ولابدّ أن یکون الإقراض حسناً، أی: حلالاً، ولا یُفسده بمنٍّ ولا أذى۱۳٫ وبذلک تتجلّى لنا قیمه العمل الذی قام به أمیر المؤمنین علیّ وأسرته علیهم السلام عند إطعامهم تلک الأقراص الثلاثه من الخبز لمسکین ویتیم وأسیر (وَیُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْکِیناً وَیَتِیماً وَأَسِیراً)۱۴ حبّاً بالله وحدهُ دون أن ینتظروا جزاءً ولا شکوراً (إِنَّمَا نُطْعِمُکُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِیدُ مِنْکُمْ جَزَاءً وَلا شُکُوراً)۱۵٫
ولعلّ هذا العمل بصورته الخارجیه کان ممکناً جدّاً لکثیر من الناس آنذاک وربّما هو واقع منهم، ولکنّ ذلک القصد الخالص والنیّه الصادقه هی التی أعطت ذلک العمل تلک الأهمّیه والسموّ والرفعه، ولا شکّ أنّ هذه النیّه الخالصه لم تتحقّق لکلّ أحد إلاّ من تلک الثلّه الطاهره
علیهم السلام، والتاریخ یطالعنا بنماذج عدیده قد دفعت نصف أموالها وأحیاناً جمیع ما تملک، ولعلّهم کانوا یقصدون وجه الله تعالى بحسب ظاهرهم ولکنّهم لم یُخلّدوا ویُذکروا قرآنیاً کنموذج یُحتذى به، وما ذلک إلاّ لعدم حیازتهم تلک الصوره الملکوتیه العلیا والنیّه الخالصه من جمیع الأغیار. لذا فالمسأله لیست بم تصدّقتَ وماذا قدّمتَ، وإنّما کیف تصدّقتَ، ولمن توجّهتَ ولأیّ قدّمت؟ فلا جدوى بالتصدّق ولو بجبل من ذهب مادام المقصود مشوباً، وکلّ الجدوى بالتصدّق ولو برغیف خبز ما دام المقصود هو الله تعالى وحده؛ عن الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله: (أخلص قلبک یکفِک القلیل من العمل)۱۶٫
فخلاصه النکته تکمن فیمن تُؤثره على الآخر. فشتّان بین مَن آثر ربّه على مَن سواه وبین مَن آثر الأغیار على ربّه أو خلطهم به. ولأجل هذا الفرق الأساسی والجوهری بین القصدین سجّل الله تبارک وتعالى لتلک الثُلّه الطاهره علیهم السلام ذلک العمل الربّانی الطاهر وخلّده فی القرآن لیُتلى على أسماع الثقلین إلى أبد الدهر. ولا حاجه للوقوف على جزاء ذلک العمل بعد أن تکفّلت سوره الإنسان ببیانه فی اثنتی عشره آیه۱۷ تختمها بشکر سعیهم بعد أن سقاهم ربّهم شراباً طهوراً. فخلص لدینا أنّ خلاصه کلّ عمل وذروته وثمرته تکمن فی إخلاص النیّه لله تعالى، بل فی إخلاص النیّه تکمن قیمه الإنسان وحقیقته، ودون ذلک الإخلاص وذلک القصد سیجد الإنسان عمله هباءً منثوراً. فکلّ عمل فیه شرکه فهو لذلک الشریک الضعیف۱۸(وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً)۱۹، ذلک العمل الأجوف تماماً الخالی من قیمته الفعلیه، قد أحیل إلى هباء منثور لأنّه فی حقیقته مجرّد قشور فارغه، فلم یکن شیئاً یُذکر سوى عند صاحبه الظامئ له والساعی خلفه یحسبه ماءً وهو (کَسَرَابٍ بِقِیعَهٍ یَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ یَجِدْهُ شَیْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِیعُ الْحِسَابِ)۲۰، وأصحابه وُصفوا بقوله تعالى: (وَیَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَیْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْکَاذِبُونَ)۲۱٫ من هنا سوف یتّضح لنا الوجه الناصع لقوله تعالى: (یَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)۲۲ حیث یکشف اللثام عن النوایا ویُبان کلّ إنسان على حقیقته، فلم تُعبِّر الآیه الکریمه بالأعمال وإنّما عبّرت بالسرائر التی هی الداعی الحقیقیّ الکامن وراء الأعمال وما انطوت علیه الضمائر؛ فـ (من حسُنت نیّته کثُرت مثوبته)۲۳، وعندئذ تتمایز السرائر بحسن النوایا وقُبحها. یُروى عن أمیر المؤمنین علیه السلام قوله: (حُسن النیّه جمال السرائر)۲۴٫ وهذا الجمال والحُسن کفیلان بحفظ العمل ومضاعفه الأجر علیه: (إنَّا لا نُضِیعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً)۲۵٫ و(إِنَّ اللهَ لا یُضِیعُ أَجْرَ المُحْسِنِینَ)۲۶٫ بناءً على ما تقدّم من کون الحبّ مورثاً للإخلاص وأنّ الإخلاص موضوعه ومتعلّقه هو النیّه، یتّضح لنا أنّ الحبّ الإلهی یدفع بصاحبه نحو النیّه الخالصه وخلوص النیّه. فالإخلاص فی أحد وجوهه یعنی دفع الأغیار عمّن تُحبّ وتقصد لأنّ الإخلاص یعنی الطرد التامّ للشوب الذی هو مقابل له، کما جاء ذلک فی کتب اللغه۲۷، وهو المرویّ عن الإمام جعفر الصادق علیه السلام حیث یقول فی حدیث طویل یُبیّن فیه جنود العقل والجهل: (والإخلاص وضدّه الشوب)۲۸؛ ما یعنی أنّ هنالک منظومه معنویه هی أدقّ نظماً وترتیباً وضبطاً من المنظومات الحسّیه والفکریه أیضاً. فمعنى الموروثیه ـ سواء کانت موروثیه المعرفه للحبّ أو موروثیه الحبّ للإخلاص ـ هو التولّد الذاتی والحتمی الذی لا یقبل التخلّف أو الانفکاک بأیّ حال من الأحوال.
من هنا نفهم بعمق الکلمه الخالده للإمام الحسن المجتبى حیث یقول: (من عرف ربّه أحبّه)۲۹٫ ولعلّ البعض یفهم من حدیث المجتبى علیه السلام أنّ الإنسان إذا عرف ربّه سوف یکون محبّاً لربّه، وهذا معقول ومقبول أیضاً ولکنّنا لا نرى زیاده معنىً فیه، فإنّ حبّه لربّه بعد معرفته حاصل بالضروره وفق وطبق موروثیه المعرفه للحبّ، فتکون الإشاره إلى ذلک تحصیلاً للحاصل أو توکیداً لما هو حاصل، ومن ثمّ نحن نفهم معنىً آخر زائداً على ما تقدّم ونحسبه هو المقصود فی کلمه الإمام علیه السلام. وهو أنّ فاعل (أحبّ) هو الله تعالى، وأنّ ضمیر النصب عائد إلى من حصلت له المعرفه، فمن عرف ربَّه أحبّه ربُّه، لأنّ الله تعالى یُحبّ مَنْ أحبّه: (یا داود! أبلغ أهل أرضی أنّی حبیب من أحبّنی)۳۰٫ فإنّ (العبد المخلص لله بالحبّ لا بُغیه له إلاّ أنّ یحبّه الله سبحانه کما أنّه یحبُّ الله، ویکون الله له کما هو لله عزّ اسمه، فهذا هو حقیقه الأمر)۳۱، وهذه غایه المطلوب وعزّ المنتهى عندما یکون العبد محبوباً لله تعالى، وهذا هو جزاء العمل الفعلی الذی یصیر إلیه العبد.
فحبّ العبد لربّه لیس جزاءً لمعرفته بربّه؛ لأنّ هذا الحبّ هو الولید الحتمیّ لمعرفته بربّه، ولذا فالجزاء الفعلیّ والمبتغى الحقیقیّ هو محبّه الله تعالى له لا محبّته لله تعالى فحسب. وقبل العود إلى صلب موضوعنا ـ حقیقه الإخلاص ـ ندعو أنفسنا للتأمّل فیما سیترتّب على محبوبیه الله تعالى لنا، وکیف یصحّ منّا التأمّل وغیر المتناهی صار جلیساً لنا؟! فلا غروَ أنّ کلّ ما ستُبحر فیه سوف یکون کاشفاً عن قصورک، ولا حاجه بعدئذ لإطفاء سراج لیلک فقد أطفأه الصبح بنفسه۳۲٫
والآن ینبغی العود قبل أن ینفد مداد القلم لنقف مجدّداً على ما یمکن الوقوف علیه من حقیقه الإخلاص.
الإخلاص لغهً ـ کما عرفت ـ یقابل الشوب؛ فهو الخلوص من کلّ شوب، وینقسم إلى ثلاثه أقسام:
الأوّل: إخلاص العوامّ، وهو ما یوافق المعنى اللغوی، حیث یُراد به تصفیه کلّ عمل قلبیّ من کلّ شوب، بحیث یکون لله وحده، أو هو تصفیه الأعمال عمّا یشوبها من الحظوظ المتعلّقه بأعراض الدُّنیا۳۳٫
الثانی: إخلاص الخواصّ، وهو إخراج رؤیه العمل من العمل بحیث لا تفتخر فی نفسک بالعمل ولا تعتقد أنّک تستحقّ علیه ثواباً، وبهذا الإخلاص یحصل الخلاص من طلب الأعواض، فإنّ العبد وما یملک لسیّده.
الثالث: إخلاص خاصّه الخاصّه، وهو الخلاص من رؤیه الإخلاص فإنّ الإخلاص علّه تحتاج إلى الخلاص منها، وذلک بأن ترى أنّ الله تعالى هو الذی أستخلصک، فجعلک مُخلَصاً۳۴٫ ولا ریب أنّ الثانی مستبطن للأوّل لأنّه الأوّل وزیاده، کما أنّ الثالث مستبطن لهما لأنّه هما وزیاده. فالأوّل مطلوب من عامّه الناس وهو الذی یقع فی قباله الریاء. فالإخلاص هنا هو مصانعه الوجه الواحد وهو الله تعالى، والریاء هو مصانعه الوجوه وهی الأغیار۳۵٫
وهذه المرتبه من الإخلاص مهمّه جدّاً رغم أنّها تُمثّل الحدّ الأدنى من الإخلاص فی نظر أهل الذوق والتحقیق۳۶، وذلک لأنّها تمثّل مرحله أولى فی السلّم التکاملی فی دائره الإخلاص، ثمّ تأتی مرحله أخرى أکثر دقّه وعمقاً حیث یُراد من الفاعل للعمل سلب فاعلیّته فلا ینتظر مقابلاً أو عطاءً أو أجراً على ما أتى لأنّه فی واقع الحال لم یأتِ بشیء وإنّما وُفّق لشیء هو کمال بحدّ ذاته، ولازمه الشکر لا انتظار العطاء والأجر، وهذه مرتبه یعرفها ویعیشها أهل الذوق والتحقیق. فالأوّل هو تصفیه الفعل من ملاحظه المخلوقین، والثانی هو تصفیه النفس من طلب أو انتظار الأجر والثواب، وکیف للعبد وهو مُقرّ بعبودیّته أن ینتظر عوضاً وهو وما یملک ـ إن صحَّ الملک منه ـ لمولاه.
بعباره أخرى أکثر دقّهً وعمقاً: إنّ المرتبه الأولى من الإخلاص هی الإخلاص فی نفس العمل، بتطهیره من کلّ شوب. وأمّا المرتبه الثانیه فهی ـ فضلاً عن الإخلاص فی العمل ـ مرتبه الإخلاص من العمل، فلا یرید الفاعل عنه عوضاً من الدارین ولا حظّاً من الملکین۳۷٫
ولا شکّ أنّ هذه المرتبه الثانیه شدیده على النفس وصعبه المنال. یُروى أنّه قیل لسهل بن عبد الله التستری۳۸: أیّ شیء أشدّ على النفس؟ فقال: الإخلاص، لأنّه لیس لها ـ أی للنفس ـ فیه نصیب۳۹٫ لکنّ صاحب هذه المرتبه على رفعتها ـ حیث یجرّد الفاعل فعله عن فاعلیّته إیّاه ـ یرى إخلاصه فی عمله. فما قدّمه من عمل، قد طرد الشوب والأغیار عنه ولم یترقّب منه جزاءً ولا شکوراً، ولکنّ هذا الطرد وعدم الترقّب ـ وهو إخلاصه فی عمله ـ منظور إلیه، فلابدّ من الارتقاء إلى مرتبه أسمى ـ وهی الثالثه ـ فیُخلّص نفسه من رؤیته لإخلاصه، فیکون عمله خالیاً من الشوب والنظر إلى الأغیار ـ وهو ملاک الأولى ـ ولا ینتظر من عمله عوضاً ولا أجراً ـ وهو ملاک الثانیه ـ ولا یرى ذلک الخلوّ وعدم الانتظار، أی لا یرى ذات الإخلاص ـ وهذا تمام الثالثه ـ وبذلک یکون من المُخلَصین۴۰٫
یقول أحد المحقّقین: (نقصان کلّ مُخلِص فی إخلاصه: رؤیه إخلاصه. فإذا أراد الله تعالى أن یخلّص إخلاصه أسقط عن إخلاصه رؤیته لإخلاصه، فیکون مُخلَصاً لا مُخلِصاً)۴۱, وفی ذلک یقول صاحب الفتوحات۴۲:
من أخلص الدینَ فذاک الذی لنفسه الرحمن یستخلصه
فکـلّ نـقصـان إذا لـم یـکـن فی کـونـه فـإنّـه ینـقُصُه
بعباره موجزه: إنّ عباده أرباب الإخلاص هی رسم تجلّیات المحبوب، ولا یوجد فی قلوبهم سوى الحقّ المتعالی الواحد، ولا تکون عبادتهم بالرویّه والتفکّر بل تکون بالتحقّق والتجلّی۴۳٫

قد یُقال: کیف لا تکون العباده بالرویّه والتفکّر مع أنّ الرویّه والتفکّر ممّا حثَّ علیهما الشارع المقدّس، حتّى أنّه ورد أنّ (تفکّر ساعه خیرٌ من عباده سبعین سنه)۴۴، وأنّ (التفکّر فی ملکوت السماوات والأرض عباده المخلصین)۴۵ وغیر ذلک من النصوص الوارده فی المقام؟ فالجواب: إنّ العباده التی روحها الرویّه والتفکّر مطلوبه شرعاً وتُعدّ مرتبه سلوکیه عالیه، إلاّ أنّ الرویّه والتفکّر على علوّ شأنهما لا یخرجان عن دائره عالم الملک، أی ما دام العبد متفکّراً متأمّلاً فهو واقع فی حیّز ملکیّ لا ملکوتیّ، بخلاف العباده التی تکون بالتحقّق والتجلّی فإنّها انعتاق تامّ من عالم الملک وهجره تامّه إلى غیر المتناهی، وحضور دائم بین یدیه. ولاشکّ أنّ هنالک فرقاً عظیماً بین التفکّر والتأمّل بغیر المتناهی، وبین الحضور بین یدیه. فالأولى عباده المـُستبصرین المحقّقین، والثانیه عباده المـُبصرین المتحقّقین.
فخلص ممّا تقدّم أنّ الإخلاص هو دفع الأغیار بجمیع مراتبها عامّها وخاصّها عن مخالطه العمل، سواء ما کان منها أجنبیّاً کالنظر إلى الخلائق أو جنبیاً۴۶ کالنظر إلى النفس الفاعله، أو أخصّ من ذلک، فلا یبقى فی المنزل أحد غیر صاحب الدار جلّ وعلا، فهو البارئ والفاعل والناظر، ولا یمکن لأحد أن یبلغ حقیقه الإخلاص حتّى تکون جمیع أعماله لله تعالى وأن لا یأمل عوضاً عنها ولا یُحبّ أن یُحمد على شیء منها البتّه، کما جاء ذلک فی حدیث الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله حیث یقول: (إنّ لکلّ حقٍّ حقیقه، وما بلغ عبدٌ حقیقه الإخلاص حتّى لا یُحبّ أن یُحمد على شیء من عمل لله)۴۷، ودون ذلک لا یخرج عن کونه ضرباً من ضُروب الشرک فی العباده أو العمل، وقد ورد فی الحدیث القدسی عن الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله أنّه قال: (یقول الله سبحانه: أنا خیر شریک، ومن أشرک معی شریکاً فی عمله فهو لشریکی دونی لأنّی لا أقبل إلاّ ما خلُص لی)۴۸٫
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) انظر: کلمه حول فلسفه الأخلاق، مصدر سابق: ص۳۰٫(۲) انظر: عنوان (مراتب الحبّ الإلهی) من هذا الفصل.
(۳) تهذیب الأحکام مصدر سابق: ج۴ ص۱۸۶ ح۲، باب نیّه الصیام.
(۴) غرر الحکم ودرر الکلم، مصدر سابق: رقم ۱۰۴۰٫
(۵) المصدر السابق: ۲۹۲٫
(۶) کنز العمّال فی سُنن الأقوال لعلاء الدِّین المتّقی الهندی، تصحیح صفوه السقا، نشر مکتبه التراث الإسلامی، الطبعه الأولى، ۱۳۹۷هـ، بیروت: تحت رقم ۷۲۷۲٫
(۷) علل الشرائع للشیخ أبی جعفر محمّد بن علی بن الحسین بن بابویه الملقّب بالصدوق، نشر دار إحیاء التراث، الطبعه الأولى، ۱۴۰۸هـ، بیروت: ص۱۲۴ ح۱٫
(۸) انظر: فقه الأخلاق، مصدر سابق: ص۲۲٫
(۹) انظر: الأربعون، للإمام الخمینی: مؤسّسه دار الکتاب الإسلامی، قم: ص۳۰۸٫
(۱۰) البقره: ۲۶۱٫
(۱۱) البقره: ۲۴۵٫
(۱۲) مجمع البیان فی تفسیر القرآن لأبی علی الفضل بن الحسن الطبرسی، مؤسّسه الأعلمی للمطبوعات، الطبعه الأولى، ۱۴۱۵هـ، بیروت: ج۲ ص۱۳۶ـ ۱۳۷٫
(۱۳) مجمع البیان فی تفسیر القرآن ، مصدر سابق: ج۲ ص۱۳۷٫
(۱۴) الإنسان: ۸٫
(۱۵) الإنسان: ۹٫
(۱۶) بحار الأنوار، مصدر سابق: ج۷۰ ص۱۷۵٫
(۱۷) من قوله تعالى: (فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِکَ الْیَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَهً وَسُرُوراً) إلى قوله تعالى: (إنَّ هذَا کَانَ لَکُمْ جَزَاءً وَکَانَ سَعْیُکُمْ مَشْکُوراً). الآیات: ۱۱ – 22.
(۱۸) إشاره إلى الحدیث القدسیّ المرویّ عن الإمام الصادق علیه السلام یقول: (قال الله عزّ وجلّ أنا خیرُ شریک، مَن أشرک معی غیری فی عمل عمله لم أقبله إلاّ ما کان لی خالصاً). انظر: أصول الکافی، مصدر سابق: ج۲ ص۲۹۵ ح۹٫
(۱۹) الفرقان: ۲۳٫
(۲۰) النور: ۳۹٫
(۲۱) المجادله: ۱۹٫
(۲۲) الطارق: ۹٫
(۲۳) غرر الحکم، مصدر سابق: ۹۰۹۴٫
(۲۴) المصدر السابق: ۴۸۰۶٫
(۲۵) الکهف: ۳۰٫
(۲۶) التوبه: ۱۲۰٫
(۲۷) انظر: لسان العرب: ج۷ ص۲۶؛ مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهانی، تحقیق صفوان عدنان الداوودی، انتشارات ذوی القربى، الطبعه الثالثه: ص۲۹۲٫
(۲۸) أصول الکافی، مصدر سابق: ج۳ ص۱۶۹٫
(۲۹) تنبیه الخواطر ونزهه النواظر (مجموعه ورّام) للورّام بن أبی فراس المالکی الأشتری، نشر مکتبه الفقیه: ج۱ ص۵۲٫
(۳۰) مسکّن الفؤاد للشیخ زین الدین العاملی المعروف بالشهید الثانی، تحقیق ونشر مؤسّسه آل البیت علیهم السلام، الطبعه الثالثه، ۱۴۱۲هـ، قم: ص۲۷٫
(۳۱) المیزان فی تفسیر القرآن، مصدر سابق: ج۳ ص۱۶۹٫
(۳۲) إشاره إلى قول أمیر المؤمنین علیّ علیه السلام فی حدیث له جلیل القدر عالی المضامین مع کمیل بن زیاد رحمه الله کان ختامه: (اطف السراج فقد طلع الصبح ). انظر: شرح الأسماء الحسنى للملاّ هادی السبزواری، نشر مکتبه بصیرتی: ج۱ ص۱۳۳٫ وفی لفظ السراج إشاره منه إلى العقل والفکر والسؤال، وفی لفظ الصبح إشاره إلى الحقیقه، فیکون مفاد قوله علیه السلام: کفى سؤالاً وتفکّراً، فقد تجلّت الحقیقه وبان المقصد والمطلوب.
(۳۳) لطائف الأعلام فی إشارات الإلهام، للشیخ العارف عبد الرزّاق الکاشانی، صحّحه مجید هادی زاده، نشر مؤسّسه الطباعه والنشر لوزاره الثقافه والإرشاد الإسلامی، الطبعه الأولى، ۱۴۲۱هـ، إیران: ص۷۹ـ ۸۰٫
(۳۴) المصدر السابق: ص۸۰٫
(۳۵) الذین على فرض إرضائهم جمیعاً ـ وهو محال عادهً ـ فإنّهم لا یغنون مُصانِعهم عن ربّ العالمین، بخلاف رضا الله تعالى. روی عن أُویس القرنی رحمه الله أنّه قال: ما سمعت کلمه کانت للحکماء أرفع من قولهم (صانع وجهاً واحداً یکفک الوجوه کلّها). انظر: تنبیه الخواطر ونزهه النواظر (مجموعه ورّام)، مصدر سابق: ج۲ ص۱۱۳٫
(۳۶) أی العرفاء خاصّه، ولیس المراد بالذوق هنا ما هو منسوب إلى الذائقه الحسّیه التی نُمیّز بها نوع المأکل والمشرب، کما أنّه لا یُراد به مجموع الاستحسانات العرفیه التی تتحکّم بها الثقافات والأعراف والتقالید والظروف المحیطه بها، وأیضاً لا یُراد به الذوق الأدبی، وإنّما المراد به الشهود والحضور والمکاشفه، فأهل الذوق هم أهل الشهود والمکاشفات وهم العرفاء خاصّه لا غیر، والذوق کما یرى مُنظّر هذا الفنّ فی رسائله هو (أوّل مبادئ التجلّیات الإلهیه). انظر: رسائل ابن عربی للشیخ الأکبر محیی الدین بن عربی، نشر دار الکتب العلمیّه، الطبعه، ۱۴۲۱هـ، بیروت: ص۴۱۰٫
وأمّا التحقیق فإنّها تُطلق ـ فی هذا الفنّ ـ ویُراد بها التحقّق بالشیء المقصود، ولیس التحقّق من الشیء المقصود، وشتّان بین الأمرین، بعباره أخرى: إنّه یمثِّل مرتبه وجودیه یصل إلیها العارف ولیس هو مجرّد مرتبه علمیه ظاهریه.
(۳۷) انظر: الرساله القُشیریه لأبی القاسم عبد الکریم بن هوازن القُشیری النیسابوری، تحقیق د. عبد الحلیم محمود، و د. محمود بن الشریف، انتشارات بیدار، الطبعه الأولى: ص۳۱۶٫
(۳۸) أبو محمّد سهل بن عبد الله التستری (ت۲۸۳هـ) من أهل الذوق والتحقیق، کان یُسأل عن دقائق الزهد والورع وفقه العباده وهو ابن عشر فیُحسن الإجابه، من أشهر أقواله (ما أعطی أحدٌ شیئاً أفضل من علم یستزید به افتقاراً إلى الله) وقوله: (حیاه القلب الذی یموت، بذکر الحیّ الذی لا یموت). انظر: الرساله القشیریه، مصدر سابق: ص۵۷٫
(۳۹) المصدر السابق: ۳۱۶٫
(۴۰) سوف یأتی بیان هذا المعنى فی بحث (حقیقه الاستخلاص) من هذا الفصل.
(۴۱) الرساله القشیریه، مصدر سابق: ص۳۱۵٫
(۴۲) الفتوحات المکیه للشیخ محیی الدین بن عربی، منشورات محمّد علی بیضون، دار الکتب العلمیه، بیروت: ج۳ ص۳۳۲، باب ۱۳۴٫
(۴۳) الأربعون للسیّد الإمام الخمینی، مصدر سابق: ص۳۰۶٫
(۴۴) نور البراهین للسیّد نعمه ¬الله الجزائری، مؤسّسه النشر الإسلامی، ۱۴۱۷هـ، قم: ج۱ ص۷۹٫
(۴۵) غرر الحکم، مصدر سابق: تحت رقم (۱۷۹۲).
(۴۶) الأجنبیه والجنبیه أمران مختلفان, الأول یلاحظ فیه ما هو خارج عن دائره النفس, والثانی یلاحظ فیه ما هو داخل فی دائره النفس, وقد ورد التعبیر بالجنبیه فی حدیث للرسول الأکرم صلّى­ الله ­علیه ­وآله حیث یصف فاطمه الزهراء علیها السلام بقوله: (إنّ فاطمه بضعه منّی, وهی روحی التی بین جنبیّ), انظر: الاعتقادات للشیخ المفید محمد بن النعمان العکبری البغدادی, نشر دار المفید, الطبعه الثانیه ۱۴۱۴ هـ , ص ۱۰۵٫
(۴۷) مستدرک الوسائل، للمحدّث المیرزا حسین النوری، تحقیق ونشر مؤسّسه آل البیت علیهم السلام لإحیاء التراث، الطبعه الأولى، ۱۴۰۸هـ : ج۱ ص۱۰۰٫
(۴۸) عدّه الداعی ونجاح الساعی للعلاّمه أحمد بن فهد الحلّی، تحقیق أحمد الموحدی القمّی، نشر مکتبه الوجدانی، قم: ص۲۰۳٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.