آثار العبودیه للّه

0

لقد ذکر الرسول الأکرم(صلى الله علیه وآله وسلم) للإنسان الکثیر من المواهب والاستعدادات والقابلیات الغریبه والعجیبه والمحیّره، کما أنّه (صلى الله علیه وآله وسلم) قد بیّن أنّ الطریق الصحیح لکسب المعارف العمیقه والبعیده الغور والإصغاء لنداء الحق وکسب الکمالات الأُخرى یکمن فی طریق واحد، وهو طریق العبودیه للّه سبحانه.
وتوجد فی الکتب الأخلاقیه والعرفانیه جمله معروفه ـ التی وللأسف غالباً ما تفسر تفسیراً غیر صحیح ـ وهی:
«اَلْعُبُودِیَّهُ جَوْهَرَهٌ کُنْهُهَا الرُّبُوبِیَّهُ».
ولیس المقصود من الربوبیه هنا الإلوهیه، لأنّ الإنسان الممکن یستحیل علیه أن یتجاوز حدود الإمکان، بل المقصود منها: التوجّه إلى اللّه وکسب الکمالات والقدرات والطاقات العلیا والسامیه، ونحن هنا نشیر إلى الآثار البنّاءه والعجیبه والمحیّره النابعه من طی طریق العبودیه للّه سبحانه وسلوک الصراط المستقیم استناداً إلى الآیات القرآنیه، والتی منها هیمنه الإنسان وسیطرته على نفسه وروحه وبدنه والعالم:
۱٫ الهیمنه على النفس
إنّ النتیجه والثمره الأُولى للعبودیه هی هیمنه الإنسان على الرغبات والمیول والنزعات النفسانیه، ثم السیطره على «النفس الأمّاره» وتقییدها وولایه الروح الإنسانیه على النفس بحیث یصل الإنسان إلى درجه قصوى من الکمال الروحی یتمکّن من خلاله الإمساک بزمام «النفس الأمّاره» وکبح جماحها،بحیث یکون اختیارها بیده، وانّ هذه المرحله من مراحل الکمال الإنسانی یطلق علیها مصطلح «الولایه على النفس».
ولقد أشارت الآیات القرآنیه إلى هذه المرحله من مراحل التکامل البشری حیث قال سبحانه:
( …إنّ الصَّلوهََ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْکَرِ… ) .( [۱])
بمعنى أنّ الصلاه تخلق فی الإنسان ظاهره وحاله یمکن للمصلّی من خلالها الابتعاد عن الذنوب والمعاصی.
کذلک یقول سبحانه:
( …کُتِبَ عَلَیْکُمُ الصّیامُ کَما کُتَبِ عَلىَ الّذین مِنْ قَبْلِکُم لَعّلکُم تَتَّقُونَ ) .( [۲])
إنّ الصیام نوع من العبودیه والطاعه للذات الإلهیه المقدّسه والذی یخلق فی الإنسان ملکه التقوى والسیطره والهیمنه على النفس والإمساک بزمامها، وحفظ النفس من السقوط فی مهاوی الذنوب والخطایا، ثمّ الولایه على النفس والتغلّب على الهوى وخفّه العقل.
۲٫ البصیره الخاصه
من ثمار العبودیه للّه سبحانه أن یکتسب الإنسان ـ و فی ظل الصفاء الروحی والنور الإلهی ـ رؤیه وبصیره خاصه، یمیّز من خلالها الحق عن الباطل وتجنّبه السقوط فی المعاصی والذنوب والانحراف.
یقول سبحانه:
( یا أَیُّها الّذِینَ امَنُو إِنْ تَتَّقُوا اللّه یَجعَلْ لَکُمْ فْرقاناً… ) .( [۳])
إنّ المراد من (الفرقان) هو هذه البصیره الخاصه والرؤیه النافذه التی تجعل الإنسان یعرف الحق والباطل معرفه جیده، وفی آیه أُخرى یقول سبحانه:
( وَالذینَ جاهَدُوا فینا لَنَهْدِیَنَّهُمْ سُبُلَنا… ) .( [۴])
۳٫ السیطره على الأفکار المتشتّته
من الآمال التی یحلم بها الإنسان هو أن یتمکّن فی أثناء أدائه للطقوس العبادیه من السیطره على قواه العقلیه وترکیزها فی مرکز واحد، وهو الالتفات للّه تعالى وطرد ما سواه عن دائره الفکر والذهن. إنّ الذین یفتقدون الحضور القلبی فی أثناء العباده وتسرح أفکارهم یمیناً وشمالاً هؤلاء وبلا ریب تنقصهم الولایه والسیطره على أفکارهم المتشتّته والناتجه عن القوّه الخیالیه، ولذلک تجدهم یقومون بأداء الصلاه وأفکارهم سارحه فی حقول أُخرى وأرواحهم طائره إلى أماکن بعیده ومحاور أُخرى غیر المحور الذی ینبغی التوجّه إلیه، ولذلک تتحوّل أبدانهم أثناء الصلاه إلى مجرد هیاکل مادیه تتحرک حرکات ریاضیه لا غیر. وأمّا السائرون على طریق العبودیه والباحثون عن الحقیقه، فإنّهم مهیمنون على کلّ أفکارهم وأحاسیسهم ومشاعرهم من خلال القدره التکاملیه التی حصلوا علیها فی ظل العبودیه للّه، کذلک هم مسلّطون على قواهم التخیّلیه التی لا تستقر فی مکان واحد وکأنّها کالطیر الذی ینتقل من غصن إلى غصن ومن شجره إلى شجره. وانّ زمام تلک القوى بأیدیهم وتحت إرادتهم ولذلک تجدهم فی أثناء العباده یتحلّون بدرجه من التمرکز الفکری والحضور القلبی إلى درجه لا یغفلون عن اللّه سبحانه طرفه عین ویغرقون فی الجمال والکمال الإلهی، حتّى یصلون إلى درجه من الفناء فی الذات الإلهیه بحیث یُسلّ النصل من بدنهم، أو یسقط ابن عزیز لهم من شاهق ولم یشعروا بألم النصل أو بصراخ النساء والأطفال واستغاثتهم لسقوط الطفل إلاّ بعد الفراغ من الصلاه.( [۵])
یقول الشیخ الرئیس ابن سینا: والعباده عند العارف ریاضه ما لهممه وقوى نفسه المتوهّمه والمتخیّله لیجرّها بالتعوید عن جناب الغرور إلى جناب الحق، فتصیر مسالمه للسرّ الباطن حینما یستجلى الحق لا ینازعه، فیخلص السرّ إلى الشروق الساطع، ویصیر ذلک ملکه مستقره، کلّما شاء السر أطلع إلى نور الحقّ غیر مزاحم من الهمم، بل مع تشییع منها له فیکون بکلّیّته منخرطاً فی تلک القدس.( [۶])
۴٫ خلع لباس البدن عن الروح
إنّ العلاقه بین الروح والبدن فی عالم الطبیعه علاقه وثیقه ومبرمه فکلّ منهما محتاج إلى الآخر، فمن جهه نجد أنّ الروح لها «علاقه تدبیریه» بالنسبه إلى البدن تحفظه من الفساد والخراب والتفسّخ وتحافظ على حیویته، ولکنّها من جهه أُخرى محتاجه إلى البدن فی القیام بفعالیتها الخاصه، فالروح فی الواقع تسمع و ترى و تتحرک و… بواسطه أعضاء البدن المادیه کالأُذن والعین والرجل و….
ولکن مع ذلک کلّه نرى تاره أُخرى أنّ الروح تصل إلى درجه من الکمال والقدره من خلال الطاعات والعبادات والارتباط بالحق تعالى، إلى درجه تستغنی عن الحاجه إلى البدن حتّى یکون بإمکانها أن تنزع رداء البدن.
ولا ریب أنّه من الصعب والعسیر جداً تصوّر ذلک الأمر وخاصه بالنسبه إلى الشباب الذین ینظرون إلى الأُمور نظره مادیه، ولکن ذلک لا یعسر على الباحثین عن الحق، إذ بإمکانهم متى شاءوا خلعوا رداء البدن المادی.
۵٫ التصرّف فی البدن
إنّ العبودیه تمنح الإنسان قدره عجیبه جداً إلى درجه تخضع البدن لإراده وقدره الروح وهیمنتها،ولذلک نجد الإنسان یقوم بأعمال خارقه للعاده، سواء فی إطار بدنه الخاص أو بالنسبه إلى الآخرین.
ولقد أشار الإمام الصادق(علیه السلام) إلى هذا المعنى فی الروایه التی رواها الحرّ العاملی فی «وسائل الشیعه» حیث قال(علیه السلام) :
«ما ضعف بدن عمّا قویت علیه النیّه».( [7])
۶٫ التصرّف فی العالم
لا تنحصر ثمار العباده والخضوع للّه سبحانه وتعالى فی الهیمنه على البدن وإخضاعه لإراده الإنسان، بل تمتدّ إلى عالم الطبیعه حیث یخضع ذلک العالم ـ و بإذن اللّه سبحانه ـ لإراده الإنسان وقدراته الکمالیه التی اکتسبها فی ظل التقرّب إلى اللّه والاتّصال به والعبودیه له. ولذلک یتمکّن الإنسان من القیام بسلسله من المعجزات والکرامات والأُمور الخارقه للعاده، وفی الواقع یمتلک قدره التصرف والتسلط على الأُمور التکوینیه.
ویرشدنا إلى هذه الحقیقه الناصعه والقدره العجیبه مطالعه الآیات التی تحدّثت عن العدید من أنبیاء اللّه تعالى مثل: یوسف، داود، سلیمان و… والأعمال العجیبه التی قاموا بها، ممّا یوضح لنا بجلاء انّ التصرّف فی عالم التکوین لیس بالأمر المشکل والمعقّد بحیث نشک فی قدره أولیاء اللّه الصالحین على القیام به.( [۸])
[۱] . العنکبوت: ۴۵٫
[۲] . البقره: ۱۸۳٫
[۳] . الأنفال: ۲۹٫
[۴] . العنکبوت: ۶۹٫
[۵] . إشاره إلى ما حدث بالنسبه إلى أمیر المؤمنین وحفیده السجاد (علیهما السلام) .
[۶] . الإشارات:۲/۳۷۰، النمط التاسع، تحت عنوان « تنبیه » .
[۷] . وسائل الشیعه:۱/۳۸; والکافی:۲/۶۸ الحدیث ۴٫
[۸] . منشور جاوید:۵/۱۷۲ـ ۱۷۷٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.