حقیقه السر المستودع فی فاطمه علیها السلام

0

وایضاً جاء قوله تعالى (وأسروا قولکم أو اجهروا به، أنه علیم بذات الصدور)(۲). لیؤکد هذه الحقیقه ، حقیقه السر الذی یکتمه الأنسان على غیره ولکن لا یخفى على الله تعالى أی سرٌ لأنّ الله تعالى خالق الإنسان فی هذا العالم وإلى ذلک أشار القرآن (قل أنزله الذی یعلم السر فی السموات والأرض، إنه کان غفوراً رحیما)(۳)، فیعلم الله تعال حقیقه أسرار الناس وما یکتمون ، إلاّ أنّه هناک اسرار مودعه من قبل الله تعالى عند کثیر من الأولیاء وخصوصاً الأنبیاء والمرسلین وعباد الله الصالحین حیث أمرهم بحفظها ولا یظهروها إلا لمن هو أهل لها ، ولنعم ما قیل فی الشعر المنسوب الى مولى الموحدین أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (علیه السلام) حیث قال :
 لا تَفْشِ سِرَّا ما استطعت الى امرىءٍ  *  یُفشِی الیک سَرَ سَرَائر یُستودَعُ
 فکمـا تـراه بِسِرّ غیـرک صانعـاً        *  فکذا بِسِرّکَ لا محالـه یصنـع
وإلى ذلک أشار الفرزدق :
لا یکْتُم السّرَّ إلا من له شَرفُ       *   والسِّرُّ عند کرام الناس مکتُومُ
 السِّرُّ عندی فی بیت له غلقٌ       *   ضلت مفاتیحه والباب مَردُومُ
اذن الأسرار المودعه من قبل الله تعالى عند الأنبیاء والمرسلین وعباد الله الصالحین هی أمانات وکما ورد فی المثل الذی یقول « السر أمانه فانظر عند من تضع أمانتک ».
وقال الله تعالى : ( ان الله یأمرکم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها )(۴).
وأسرار الله تعالى کلها أماناته فی أرضه وقلوب أولیائه ولا إجازه لهتکها وکشف قناعها إلا بین یدی صاحبها الذی هو أهلٌ لها وهذا أمرٌ أمر الله تعالى به عباده المخلصین من الأنبیاء والأولیاء ـ (علیهم السلام)ـ وبالغ معهم ، وأمرهم ایضاً ان یأمروا بذلک المؤمنین ویبالغوا فیه ، حتى قالوا « افشاء سر الربوبیه کفر وهتک استار الألوهیه زندقه » وقالوا « لا تضعوا الحکمه عند غیر أهلها ، فتظلموها ، ولا تمنعوها من أهلها فتظلموهم کونوا کالطبیب الشفیق یضع الدواء موضع الداء ».
وقالوا فی الشعر المنسوب الفارسی « فمن منع الجهال علماً أضاعه ومن منع المستوجبین فقد ظلم » ، وأقوالهم الشاهده بذلک واشاراتهم الداله علیه أشهر وأظهر من أن تخفى على أحد ، ومع ذلک نحن نذکر بعض ذلک استظهاراً لک ولغیرک لئلا یهمله أحد ویوقع نفسه فی الهلاک الأبدی والشقاء السرمدی ، حیث جاء قوله تعالى تعلیماً لعباده وتأکیداً لهم فی أداء الأمانه التی هی أسراره إلى أهلها ( أنا عرضنا الأمانه على السموات والأرض والجبال فأبین أن یحملنها ، وحملها الإنسان أنه کان ظلوماً جهولاً )(۵).
والمراد انه یقول : الذی هم الملائکه والجن والحیوانات والوحوش الطیور وغیر ذلک ـ أو على استعداد کل واحد من السماوات والأرض والجبال بنفسها ، لانها عند الأکثرین شاعره بذاتها ـ لاجل ایداع أمانتنا التی هی أسرارنا فما وجدنا أهلاً لها ومستعدین لحملها لعدم قابلیتهم وضعف استعدادهم لأن حمل الشیء وقبوله موقوف على قابلیه ذلک الشیء واسعداده ووجدنا الإنسان أهلاً لها ومستعداً لحملها فأمرناه بحملها وأشرنا إلیه بقبولها لأنّه کان « ظلوما جهولاً » أی بسبب أنه کان مستعداً لها ومستحقاً لحملها « بظلومیته وجهولیته ».
فکأنه یقول : ان السبب الأعظم والمُمَد الأعلى فی أهلیته لهذه الأمانه المعروضه على السماوات والأرض والجبال ومافیها من المخلوقات کان « ظلومیته وجهولیته » لانه لو لم یکن مستحقا لحملها ومستعداً لقبولها لکان کغیره من الموجودات لعدم هاتین الصفتین فیه ، وعلى هذا التقدیر تکون صفتا « الظلومیه والجهولیه » مدحاً له « یعنی للإنسان » لا مذمه کما ذهب إلیه أکثر المفسرین(۶) ، ولا شک انه کذلک واللام فی « لانه » لام التعلیل لا غیر ، لیعرف به هذا المعنى والمراد بالإنسان نوعه وبالحمل استعداده للحمل وقابلیته له. وهذا هو المعنى المطابق للامانه والعرض والحمل والقبول والإباء اجمالاً لاغیر ، وإلاّ الأمانه ما کانت شیئاً محسوساً معروضاً على کل واحد من الموجوادات حساً وشهاده ولا کان آباؤهم عنها قولاً وفعلاً ، کما یرسخ فی اذهان المحجوبین عنها . اذن بما أنه تعالى مع عظمه شأنه وجلاله قدره لم یضع ویدع الأمانه إلا عند أهلها ، ولم یأذن بها إلا إلى صاحبها فلا ینبغی ان یفعل غیره بخلاف ذلک وإلا یکون مخالفاً لأمره سالکاً غیره طریقه وایضاً لو لم تکن رعایه الأمانه عنده عظیمه ما مدح بنفسه للراغبین أمانته ، وما سلکهم فی سلک المصلین الصلاه الحقیقیه ، وما جعلهم من الوارثین ( قد افلح المؤمنون الذی هم فی صلاتهم خاشعون ، والذین هم عن اللغو معرضون ، والذین هم للزکاه فاعلون ) إلى قوله تعالى ( اولئک هم الوارثون الذی هم یرثون الفردوس هم فیها خالدون ) فحیث مدحهم على ذلک وسلکهم فی سلک هؤلاء المعظمین بل قدمهم علیهم وجعلهم من الوارثین « الذین یرثون الفردوس » فعرفنا ان رعایتها « یعنی رعایه الأمانه » معتبره وقدرها جلیل وشأنها عظیم وبالجمله الخیانه فی هذه الأمانه هی أیداعها عند غیر أهلها ، وامساکها عن أهلها ، وکلاهما غیر جائز وإلیه أشار جل ذکره فی قوله ( یا أیها الذین آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتکم وانتم تعلمون ) أی « لا تخونوا الله والرسول » بأیداع أسرارهم عند غیر أهلها « وأنتم تعلمون » عاقبه الخائن وصعوبه عذابه وشده عقوبته : ( ذلکم وصاکم به لعلکم تتقون ) ای ذلک القول « وصاکم به لعلکم تتقون » عنها أی تحتزرون عن الخیانه بعد ذلک وتعظمون مکانتها . جعلنا الله من الحاملین أمانته والراعین عهده ، الموفین به الوارثین جنته ، بمحمد وآله أجمعین.
واذ فرغنا من کلام الله تعالى ، فلنشرع فی کلام الأنبیاء (علیهم السلام)ومنها قول النبی (صلى الله علیه وآله)« من وضع الحکمه فی غیر أهلها جهل ، ومن منع عن أهلها ظلم » « ان للحکمه حقاً ، وان لها أهلاً : فأعط کل ذی حق حقه » وقوله (صلى الله علیه وآله)« ان من العلم کهیئه المکنون ، لا یعلمه غلا أهل المعرفه بالله ، فاذا نطقوا به لم یجهله إلا أهل الاغترار بالله » وغیر ذلک من الأقوال المعلومه لأهلها.
والغرض انه (صلى الله علیه وآله)أمر بذلک وفعل بنفسه ، لأنه إذا أراد إیداع مثل هذه الأسرار فی قلوب أصحابه وخواصه کان یخلو بهم ویقول فی آذانهم ، کما فعل بأمیر المؤمنین علی (علیه السلام) وأخبر عنه أمیر المؤمنین بقوله « تعلمت من رسول الله ألف باب من العلم ، وفتح الله تعالى لی بکل باب ألف باب » وإلى کتمانه واخفائه بنفسه عن الأغیار أشار أیضاً بقوله « اندمجت على مکنون علم ، لو أبحث به لا ضطربتم اضطراب الارشیه فی الطوى البعیده ». والى ثمره أظهاره ـ أعنی من الفساد ـ أشار أیضاً وقال « والله لو شئت أن أخبر بکل رجل منکم بمخرجه ومولجه وجمیع شأنه لفعلت ولکنی أخاف أن یکفروا برسول الله » وهذا أمر منه بأخفاء اسرار الله وکتمانها وکنایه عن أخفائها ولهذا لما قال له الخصم « أنت تتکلم بالغیب » قال ویحک ! ان هذا لیس بغیب ، ولکنّه علم تعلمتُ من ذی علم » أراد به النبی صلى الله علیه وآله وسلم.
وکما فعل بسلمان ایضاً ، أی جعله صاحب سّر وقال فیه : « سلمان منّا أهل البیت » أی من أهل بیت التوحید والعلم والمعرفه والحکمه لا من أهل بیت النسوان والصبیان والاهل والاولاد ، وقال تأکیداً لهذا المعنى « لو علم أبو ذر ما فیبطن سلمان من الحکمه لکفره ! » وروی « لقتله! » وکلاهما صحیح فأنظر إلى عظمه السر المودع عند سلمان ، وعلى المبالغه فی کتمان أسرار الله تعالى حیث عرفت أنّ کبار الصحابه کانوا یخفون بعضهم عن بعض حتى النبی (صلى الله علیه وآله)ولعظمه أن سلمان وقربه إلى حضره الرحمان قال (علیه السلام) « الجنه أشوق الى سلمان من سلمان الى الجنه » وکذلک لجلاله قدر أویس القرنی رحمه الله لا طلاعه على أسرار الله تعالى کشفا وذوقا ، قال (صلى الله علیه وآله)فی حقه حیث کان یستنشق من طرف الیمن روائح أنفاسه الشریفه من حیث الباطن أو الظاهر : « أنی لأستنشق روح الرحمن من طرف الیمن » وورد « من ناحیه الیمن » و « من قبل الیمن » وقد سأله سلمان عن هذا الشخص فقال له (علیه السلام) : « ان بالیمن لشخصاً یقال له : « أویس القرنی یحشر یوم القیامه أمه وحده یدخل فی شفاعته مثل ربیعه ومضر، ألا من رآه منکم فلیقرأه عنی السلام، لیأمره أن یدعو لی ».
وإلى غلبه هذه الأسرار بالنسبه إلیه فی بعض الأوقات قال: « لی مع الله وقت لا یسعنی فیه مقرب ولا نبی مرسل » والمراد أنّ لی مع الله حالات وأوقات لا یمکن ان یطلع علیها أحد ، لا ملک مقرب ولا نبی مرسل ولا غیرهم من المخلوقات ، وکأنه یشیر الى أنه ما تنکشف علیه هذه الاسرار ولا تتجلى له هذه الأنوار إلاّ عنده تجرده عن جمیع التعلقات الروحانیه والجسمانیه ـ حتى النبوه والرساله ـ وعن جبرئیل وابلاغه أیضاً لقوله (علیه السلام) : « لو دنوت أنمله لا حترقت » وبالحقیقه المعراج عباره عن هذا المقام ، إن اُرید به العراج المعنوی ، وإن اُرید به المعراج الصوری فهو ظاهر وقد عبر (علیه السلام) عن شده تعلقه بالنبوه والرساله ومنعهما من الوصول إلى حضره الحق جل جلاله وقال حین خلاصه عنهم لحظه « لا یسعنی فیه ملک مقرب أی جبرئیل وابلاغه « ولا نبی مرسل » أی النبوه ورسالتهما لأن الرساله ابلاغ ما حصل عن النبوه وإلى هذا المقام أشار ـ جل ذکره ـ « ولن أجد من دونه ملحداً إلاّ بلاغاً من الله ورسالاته » وأمثال ذلک کثیره. والغرض منه أنّ إخفاء أسرار الله تعالى ـ خصوصاً الأسرار المتعلقه بهم ـ واجب من غیر أهلها لأنها لا زالت کذلک أی مخفیه عن غیر أهلها ، مودعه عند أهلها ، وإذا عرفت هذا فلنرجع إلى قول الأولیاء (علیهم السلام)أعنی اکتفینا منهم بأعظمهم وأکملهم الذی هو نبینا (صلى الله علیه وآله)ومنها قول أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (علیه السلام) وأقواله فی هذا الباب کثیره نذکر منها أحسنها وألطفها ، وهو ما جرى بینه وبین کمیل بن زیاد النخعی رحمه الله الذی کان من أخص تلامذته وأعظم أصحابه وإلیه تنسب خرقه الموحدین وطریقه المتحققین حین سأله عن « الحقیقه » بقوله « ما الحقیقه ! » فقال له (علیه السلام) : « مالک والحقیقه ؟ » یعنی من أنت والسؤال عن الحقیقه ولست بأهلها ! فقال کمیل : « أولست بصاحب سرک ؟ » قال : « بلى ولکن یرشح علیک ما یطفح منّی » یعنی أنت صاحب سری ومن أخص تلامذتی ولکن لست بأهل لمثل هذا السر والإطلاع علیه لأنه « یرشح علیک ما یطفح من » و « إلاّ کان الأمر » یضرک ویضرنی لأن ظرفک لا یحتمل فوق قدرک ، وأنا مأمور بوضع الشیء فی موضعه ، فقال کمیل : « أومثلک یخیب سائلاً ؟ » أی مثلک فی العلوم والحقائق والإطلاع على استعداد کل سائل « یخیب سائلاً » أی یمنعه عن حقه ویجعله محروماً عن مراده ، خائباً عن مقصوده ، ساکتاً عن جوابه ؟ لا والله بل یجب علیک وعلى مثلک جواب کل واحد منهم بقدر استعداده وفهمه وادراکه مطاوعه لقوله تعالى : ( أما السائل فلا تنهر وأما بنعمه ربک فحدّث ) وأسوه نبیک (صلى الله علیه وآله)لقوله « کلموا الناس على قدر عقولهم » فشرع الإمام (علیه السلام) بعد ذلک فی بیانه وقال : الحقیقه کشف سبحات الجلال من غیر إشاره ، فقال کمیل : زدنی فیه بیاناً ، قال الإمام (علیه السلام) : صحو الموهوم مع محو الملعوم.
قال کمیل : زدنی فیه بیاناً ، قال الإمام (علیه السلام) : هتک السر لغلبه الستر. قال کمیل : زدنی فیه بیاناً. قال الإمام (علیه السلام) : نور یشرق من صبح الأزل ، فیلوج على هیاکل التوحید آثاره . قال کمیل : زدنی فیه بیاناً ، قال الإمام (علیه السلام) : أطف السراج ، فقد طلع الصبح.
وهذا الکلام یحتاج إلى شرح طویل وبسط عظیم ، ولکن معنى الکلام الأخیر انه یقول : اسکت بعد ذلک أی بعد هذا البیان التام والإظهار الکامل والکشف الجلی ، عن السؤال من لسان العقل ومقام القلب ومرتبه السلوک ، لأنه قد طلع تباشیر شمس الحقیقه وظهر شعاعها فی الآفاق ، ولست أنت بعد ذلک ، محتاجاً إلى السؤال من لسان العقل الذی کالسراج بالنسبه للشمس.
والمراد أن الشخص إذا وصل إلى مقام المشاهده والکشف فلا ینبغی له أن یطلب المقصود من طریق المجادله والمباحثه لأنّ الکشفیات والذوقیات غیر قابله للعباره والاشاره والسؤال والجواب کما أشار إلیه أولا : « کشف سبحات الجلال من غیر اشاره » فکأنه أمره بالسکوت والصمت والتوجه إلى حضرته تعالى حتى یدرک مقصوده بالذوق الذی هو أعلى مراتب الوصول إلى الله تعالى ، وعن هذا المقام قال العارف : « من عرف الله کلَّ لسانه » أی « من عرف الله » على سبیل المشاهده والذوق « کلَّ لسانه » عن العباره والاشاره والغرض من هذا کله ان الإمام (علیه السلام) اذا کان بأفشاء الأسرار اللهیه من أعظم خواصه وأکبر تلامذته بهذه المثابه ، فلا یجوز لغیره افشاؤها مع کل أحد من العوام والجهال ، فاذن علیک بکلتمانها واخفائها عن غیر أهلها اتباعاً لله تعالى ولرسوله ولإمام المسلمین کافه.
ویروى عن کمیل رضی الله عنه مثل ذلک أیضاً وأبلغ فی کتمان الأسرار واخفائها ، کما هو مذکور فی نهج البلاغه ، وهو أنه قال رضی الله عنه : « أخذ بیدی أمیر المؤمنین علی (علیه السلام) فأخرجنی الى الجبّابه فلمّا أصحر ، تنفس الصعداء ، ثم قال لی : یا کمیل بن زیاد! « إنّ هذه القلوب أوعیه فخیرها أوعاها فأحفظ عنّی ما أقول لک : الناس ثلاثه : فعالم ربانی ومتعلم على سبیل نجاه ، وهمج رعاع أتباع کل ناعق یمیلون مع کل ریح لم یستضیؤا بنور العلم ، ولم یلجأ وإلى رکن وثیق.
یا کمیل : العلم خیر من المال ، العلم یحرسک وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقه ، والعلم یزکو على الإنفاق وصنیع المال یزول بزواله ، یا کمیل ! معرفه العلم دین یدان به ، به یکسب الإنسان الطاعه فی حیاته وجمیل الاحدوثه بعد وفاته ، العلم حاکم والمال محکوم علیه ، یا کمیل بن زیاد : هلک خزان الاموال وهم أحیاء والعلماء باقون ما بقی الدهر ، أعیانهم مفقوده وأمثالهم فی القلوب موجوده ؟ إنّ ههنا لعلّماً جماً ـ وأشار بیده إلى صدره ـ لو أصبت له حمله ! بلى ! أصبت لقناً غیر مأمون علیه ، مستعملاً آله الدین للدنیا ، ومستظهراً بنعم الله تعالى على عباده ، وبحججه على أولیائه ، أو منقاداً لحمله الحقّ لا بصیره له فی أحنائه ، ینقدح الشک فی قلبه لاول عارض من شبهه : ألا ! لاذا ولاذاک ، أو منهوماً باللذه ـ سلس القیاده للشهوه ، أو مغرماً بالجمع والادخار لیس من رعاه الدین فی شیء أقرب شیء شبهاً بهما الانعام السائمه ، کذلک یموت العلم بموت حاملیه ، اللهم بلى : لا تخلو الأرض من قائم الله بحججه ، إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً ، لئلا تبطل حجج الله وبیّناته ، ولم ذا ؟ وأین أولائک ـ لا والله ـ الاقلون عدداً . والاعظمون عند الله قدراً ، یهم یحفظ الله تعالى حججه وبیناته ، حتى یودعوها نظراءهم ، ویزرعوها فی قلوب أشباهههم ، هجم بهم العلم على حقیقه البصیره، وباشروا ردح الیقین ، واستلانوا ما استوعره المترفون ، وانسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنیا بأدبانٍ أرواحها معلقه بالمحل الاعلى أولائک خلفاء الله فی أرضه ، والدعاه إلى دینه ، آه ، آه ! شوقاً الى رؤیتهم ».
واذ فرغنا من کلامه فی کتمان الأسرار والمبالغه فیه بقدر هذا المقام ، فلنشرع فیه من کلام الأئمه المعصومین من أولاده (علیهم السلام)ومبالغه فی هذه المقدمه ، وان قیل : یکفی فی هذه المقدمه ما قدمتم من آیه أو آیتین ، وخبر أو خبرین لأنّ المقصود یحصل منهما ، فلا فائده فی التطویل وزیاده فی الکلام ؟ أجیب عنه بأن المراد لیس نفس الاخفاء ولا الکتمان ، بل هناک غرض آخر یفهم من البحث الاتی فی آخر هذه العجاله وهو معرفه حقیقه السر المستودع فی فاطمه وهل هو ظاهر أم مستور ستره الله عن جمیع البشر إلا الأولیاء الخلص ، وبقیه الأغراض سوف تظهر من بعد ذلک.
ومنها قول الأئمه المعصومین من أهل بیت النبی ـ صلوات الله علیهم أجمعین ـ وهو أنّه مرویٌّ بروایه صحیحه عن احدهم (علیهم السلام)قال : « أن أمرنا صعب مستعصب ، لا یحتمله إلاّ ملک مقرب ، أو نبی مرسل ، أو مؤمن امتحن الله قلبه للإیمان » ، وقال : « خالطوا الناس بما یعرفون ودعوهم بما ینکرون ،ولا تحملوا على أنفسکم وعلینا ، أنّ أمرنا صعب مستعصب ، لا یحتمله إلا ملک مقرب أو نبی مرسل ، أو مؤمن امتحن الله قلبه للإیمان »(7).
وروى محمد بن عبدالجبار عن الحسین بن الحسین اللؤلؤی عن محمد بن الهیثم ، عن ابیه ، عن أبی حمزه الثمالی ، قال : « سمعت أبا جعفر « یعنی الإمام الباقر » ـ یقول : أمرنا صعب مستصعب لا یحتمله إلا ملک مقرب ، أو نبی مرسل ، أو مؤمن امتحنه الله قلبه للإیمان. ثم قال : یا أبا حمزه ! ألست تعلم أنّ من الملائکه مقرباً وغیر مقرب ؟ ومن النبیین مرسلاً ، وغیر مرسل ؟ وفی المؤمنین ممتحناً وغیر ممتحن ؟ قال : قلب بلى ؟ ألا ترى صعوبه أمرنا ؟ ان الله تعالى أختار له من الملائکه المقرب ومن النبیین المرسل ومن المؤمنین الممتحن ».
وروى محمد بن الحسین ، عن محمد بن سنان ، عن عمار بن مروان ، عن جابر عن أبی عبدالله یعنی الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) ـ أنه قال : « أمرنا سرٌّ مستور فی سّر ، وسرّ مستسّر ، وسرّ لا یفیده إلا سرّ وسرّ على سرّ ، مقنّع بسّر » وروی ایضاً أنّه قال : « أمرنا سرّ مستور فی سرّ ، مقنع بالمیثاق : من هتکه أذله الله »(8). وروى ابن محبوب ، عن مرازم ، قال « قال لی أبو عبدالله (علیه السلام) : « أمرنا هو الحق وحقّ الحقّ ، وهو الظاهر ، وباطن الباطن ، وهو السرّ ، وسرّ السرّ ، والسر المستتر ، وسرّ مقنع بسّر ». وإلى کتمان هذا السر ، أشار بقوله (علیه السلام) : « التقیه دینی ودین آبائی ، فمن لا تقیه له ، لا دین له »(9) یعنی : الإتقاء والإحتراز من افشاء الأسرار الإلهیه ، « دینی ودین آبائی » من الأنبیاء والأولیاء (علیهم السلام)« فمن لا تقیه له » فی إخفائها « لا دین له » وإلى هذا أشار علماؤنا فی کتبهم وقالوا : التقیه واجبه لا یجوز رفعها إلى أن یخرج الإمام القائم الذی یظهر الدین کله ویکون من المشرق إلى المغرب على ملّه واحده کما کان الشأن فی زمان آدم (علیه السلام) ، فمن ترکها « یعنی التقیه » قبل خروجه فقد خرج مندین الإمامیه ، وخالف الله تعالى ورسوله والأئمه (علیهم السلام)وهذا الکلام منقول من « اعتقادات ابن بابویه رحمه الله ».
وروى عمران بن موسى عن محمد بن علی وغیره ، عن هارون بن مسلم عن مسعده بن صدقه عن جعفر عن أبیه (علیهما السلام)قال : « ذکر علیّ (علیه السلام) التقیه فی یوم عید ».
قال والله لو علم أبو ذر ماذا فی قلب سلمان ، لقتله ! » ، ولقد آخی رسول الله (صلى الله علیه وآله)بینهما ، فما ظنک بسائر الخلق ؟ « ان علم العلماء صعب مستصعب ، لا یحتمله إلا ملک مقرب أو نبی مرسل ، أو عبد مؤمن ، امتحن الله قلبه للإیمان . قال : « وإنما صار سلمان من العلماء ، لأنه أمرؤ منّا أهل البیت ». فلذلک نسبته الینا(۱۰). وإلى هذا کله أشار الإمام المعصوم زین العابدین (علیه السلام) فی أبیات منسوبه إلیه ، وهو قوله :
انی لاکتم مـن علمـی جـواهــره    *  کیلا یـرى الحـقَّ ذو جهـل فیفتتنا
وقــد تقدمّنـا فیهـا أبــو حسـن    *  مع الحسین ووصّى بها قبلها الحسنا
یا رب جوهـر علم لو أبوح به          *  لقیل لی : أنت ممن یعبد الوثنا!
 ولا ستحل رجال مسلمون دمی          *  یرون أقبـح ما یأتونـه حسنـا
وعلى هذا الاساس نجد ان الأئمه من آل محمد ـ (صلى الله علیه وآله)ـ کانوا یحملون الأسرار الربانیه التی أفاضها الباری علیهم منذ أن خلقهم أنواراً وجعلهم بعرشه محدقین وإلى أن مَنَّ بهم علینا ، ولکن لا یظهرون هذه الأسرار إلا لمن وجدوه أهلاً لحمل الأمانه ، ومستودعاً لها ، وإلى هذا الأمر ـ أعنی حمل الأسرار ـ ورد فی الزیاره الجامعه الکبیره لأئمه المؤمنین (علیهم السلام)ما نصهُ : ( … السلام على محال معرفه الله ومساکن برکه الله ومعادن حکمه الله وحفظه سر الله … اصطفاکم بعلمه ، وارتضاکم لغیبه ، واختارکم لسره … وأنصاراً لدینه ، وحفظه لسره … ومستودعاً لحکمته … ).
وغیر ذلک من الاقوال والزیارات الوارده والتی تصفهم (علیهم السلام)بأنهم المستودع لسّر الله ، وان هذه الاسرار لا یعطوها إلا إلى أهلها وإلى ذلک أشار الحدیث المروی عن أبی بصیر قال : « قال أبو عبدالله (علیه السلام) : یا أبا محمد ، إن عندنا والله سراً منسّر الله وعلماً من علم الله ، والله لا یحتمله ملک مقرب ولا نبی مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للایمان ، والله ما کلف الله ذلک ، أحداً غیرنا ولا استعبد بذلک أحداً غیرنا ، وان عندنا سراً من سر الله ، وعلما من علم الله أمرنا بتبلیغه فبلغنّا عن الله عزّ وجل ما أمرنا بتبلیغه ، فلم نجد موضعاً ولا أهلاً ولا حماله یحتملونه حتى خلق الله لذلک أقواماً ، خلقوا من طینه خلق منها محمد وآله وذریته (علیهم السلام)، ومن نور خلق الله منه محمداً وذریته وضعهم بفضل صنع رحمته التی صنع منها محمداً وذّریتَهُ ، فبلّغنا عن الله ما أمرنا بتبلیغه فقبلوه واحتملوا ذلک « فبلغهم ذلک عنا فقبلوه واحتملوه » وبلغهم ذکرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا ، وحدیثنا فلولا أنهم من هذا لما کانوا کذلک ، لا والله ما احتملوه ، ثم قال : إنّ الله خلق أقواماً لجهنم والنار ، فأمرنا أن نبلغهم کما بلغناهم ، وأشمأزوا من ذلک ونفرت قلوبهم وردوه علینا ولم یحتملوه ، وکذبوا به وقالوا ساحرٌ کذاب ، فطبع الله على قلوبهم وأنساهم ذلک ، ثم أطلق الله لسانهم ببعض الحق فهم ینطقون به وقلوبهم منکره ، لیکون ذلک دفعاً عن أولیائه وأهل طاعته ، ولو لا ذلک ما عُبدَ الله فی أرضه ، فأمرنا بالکف عنهم والستر والکتمان ، فاکتموا عمّن أمر الله بالکف عنه واستروا عمن أمر الله بالستر والکتمان عنه ، قال : ثمّ رفع یده وبکى وقال : اللهم إن هؤلاء لشر ذمه قلیلون ، فاجعل محیانا محیاهم ومماتنا مماتهم ولا تسلط علیهم عدواً لک فتفجعنا بهم ، فأنک إن أفجعتنا بهم لم تعبد أبداً فی أرضک وصلى الله على محمد وآله وسلم تسلیماً(۱۱) ».
أقول : یظهر من هذا الحدیث عده أمور أهمها :
إنّ أهل البیت (علیهم السلام)عندهم أسرار قد آمنهم علیها رب العزه لا یتحملها غیرهم ولا یخرجونها إلى أحد منهم مکلفون بها وبحملها والحفاظ علیها وهذا هو معنى « حفظه سرّ الله » الوارد فی الزیاره الجامعه الکبیره ، وایضاً قوله (علیه السلام) ان عندنا … وعلماً من علم الله یعنی حکمه الله تعالى انهم هم الودائع لها وهذا معنى قوله فی الزیاره ومستودعاً لحکمته ، وعلى هذا تکون هذه الأسرار خاصه بهم لا یخرجونها إلى غیرهم فهم أولى بحملها من غیرهم لانهم فقط الذین یحتملونها. وکذلک عندهم سّر من أسرار الله تعالى وعلماً من علم الله تعالى احتمله نبیٌ مرسل وملک مقرب وعبد امتحن الله قلبه للایمان وقد عبر الروایه ان هذه الأسرار والعلوم لا یحتملها إلا من هو مخلوق من طینتهم وهم الشیعه الحقیقیین ، الذی بشرهم هذا الحدیث بالدعاء من قبل الإمام (علیه السلام) لهم بأن تکون حیاتهم مثل حیاه أهل البیت علیهم السلام.
إذن یظهر من هذا الحدیث وأحادیث مأثوره عنهم (علیهم السلام)أنهم کانوا یحملون أسرار الله تعالى قد أودعها البارى عز وجل فیهم وکما بینت ذلک الفقرات الوارده فی الزیاره الجامعه ، وبما أنهم ذریه الصدیقه الشهیده فاطمه الزهراء صلوات الله وسلامه علیها والتی قد أُقر بفضلها ومحبتها جمیع الأنبیاء والبشر وانها کانت مفروضه الطاعه وعلى معرفتها دارت القرون الاولى ، تکون عندئذ ایضاً حامله للاسرار الالهیه لانه کیف تکون حجه الله على الأئمه وکما ورد ذلک فی الحدیث المأثور عن الإمام الحسن العسکری « نحن حجج الله على خلقه وجدتنا فاطمه حجه الله علینا » وهم حاملین للاسرار وهی تکون غیر حامله له ؟ ولکن السؤال الذی ینقدح فی المقام هو کیف کانت مستودعاً للسر الالهی وما هو حقیقه هذا السر المستودع ؟ کل هذه الأسئله لابد من ادراکها وعلى ما تحتمله لکی نعرف فاطمه ولو معشار عُشر المعرفه التی فُطمنا عنها ـ أی عن معرفه فاطمه علیها السلام.
اقول : قبل أن ندخل فی تفاصیل السر المستودع وحقیقه ماهیته لابد أن نرى کیف إقتضت ات الزهراء لحمل الأمانه الالهیه التی جعلها مستودعاً لها ، وهذا یظهر لنا من خلال مراجعه واستقراء الاحادیث المأثوره فیها والزیارات الوارده فی علو مقامها وشأنها ونستنطقها الحال ونستقرئها الجواب لکی نفهم کیف اقتضت المشیئه الربانیه ذلک ، وان أول ما یظهر من الجواب على ذلک من خلال الزیاره الوارده فی شأنها فی یوم الاحد والتی تقول الزیاره : « السلام علیک یا ممتحنه إمتحنک الذی خلقک قبل أن یخلقک وکنت لما امتحنک صابره ».
والذی یظهر من هذه الزیاره المخصوصه للصدیقه الشهیده انها أُمتحنت من قبل الباری عز وجل وقبل خلقها أی عندما کانت نوراً من الانوار التی خلقها الله تعالى قبل الخلق بالف عام والتی کانت بعرشه محدقه ، والامتحان کان لها لاجل أظهار مقامها السامی ومنزلتها الحقیقیه حیث کانت نتیجه الامتحان صابره ، والمعروف عند العرف العقلائی ان الامتحان یمتحن فیه الشخص لُیعرف مدى استعداداته وقابلیاته « عند الامتحان یکرم المء أو … » ، لذا نجد من باب ان الباری عز وجل الذی هو سید العقلاء بل هو خالق العقل أجرى الامتحان الربانی للزهراء حیث امتحنها ، ونحن نعرف ان الامتحان یکون للمرء إما لزیاده منزله ومقام أو لأجل شیء آخر ، ولکن الزهراء (علیها السلام)إمتحنها الله تعالى لکی تکون حامله للأسرار الالهیه وذلک ما إقتضته المشیئه الربانیه فیها ، لذا کانت ناجحه فی الامتحان الربانی قبل خلقها حیث استحقت لقب الصابره ، اما ماهیه هذا الامتحان وفی أی موضوع کان ، وکیف أجراه الله تعالى علیها ؟ فهذا ما أشارت إلیه بعض الروایات والتی نستفید من خلال التمعن فیها والتدقیق فی مدلولاتها انها امتحنت فی حمل الأمانه الربانیه فوجدها الباری عز وجل صابره على حمل العلم والأمانه الربانیه ، لذا استحقت حمل الأسرار الربانیه ، ولکن ینقدح السؤال المهم فی المقام ما هو حقیقه هذا السر المستودع فی فاطمه ؟.
أقول : قبل الاجابه على حقیقه هذا السر ، أود أن أشیر إلى مسأله مهمه تظهر لنا من خلال عرض الروایات التی تقول ان الاسرار التی اکن یحملها أهل البیت لا یتحملها إلا نبی مرسل أو ملک مقرب أو عبد أمتحن الله قلبه للایمان ، أی من خلال عرض هذه الروایات الوارده فی حمل أسرار الأئمه وانه لا یحملها إلا الممتحن ومطابقتها مع الزیاره الخاصه بالصدیقه الطاهره والتی تقول « السلام علیک یا ممتحنه » یظهر لنا من خلال هذه المطابقه ان العبد الممتحن هو الوحید الذی یستطیع حمل الأسرار والعلوم الربانیه فأفهم تغنم فان فی الأمر اشارات لا یسع المقام أن یُظهرها من خلال القلم أو الکتاب.
أما حقیقه السر المستودع فیظهر لنا من خلال عده احتمالات نحتملها فی کونها هی مفاد السر المستودع ، ولا تقصد من ان ظهور هذه الاحتمالات یکون بالقطع الیقینی ، کلا فان الأمر أعلى وأجل من أن یظهره قلم أو یحظر على ذهن کاتب ، أو عالم ، وأنما الأمر یتجاوز المقام ، فان من الأسرار التی یمتلکها أهل البیت (علیهم السلام)ما لم یخطر على بال بشر، وکیف لا وهم الذین اصطفاهم الله تعالى لیکونوا الدالین على مرضاته وهم الصراط الاقوم ، اما هذه الاحتمالات فلها شواهد ولها قرائن تدل علیها ولا یعنی انها هی السر المستودع فی فاطمه (علیها السلام)بل نترک ذلک للمؤمن لکی یتبحر فی عرفان الصدیقه الطاهره (علیها السلام) عسى ولعل یصل الى حقیقه الأمر ، اما هذه الاحتمالات مع بعض القرائن والشواهد علیها :
۱ـ السر المستودع هو المهدی (عجل الله فرجه الشریف) : قد یکون السر هو صاحب الزمان عج الذی سوف یُظهِر الله الدین کله على یدیه فی آخر الزمان ، لکون ان الزهراء (علیها السلام)جدّته ، وخصوصا نحن نعلم أن الأئمه من ولدها ، فعلیه قد یکون السر الذی سوف یُظهِرهُ الله فی وقته هو الإمام الحجه ، ویدل على کون المهدی هو من ولد فاطمه (علیها السلام)، فی الحدیث المروی عن أبی أیوب الأنصاری والذی من جملته کان الخطاب لفاطمه (علیها السلام)… عن رسول الله (صلى الله علیه وآله)… « ومنا سبطا هذه الأمه وسیّدا شباب أهل الجنه الحسن والحسین وهما أبناک ، والذی نفسی بیده منا مهدیّ هذه الأمه وهو من ولدک »(12).
وعن أُم سلمه، قالت: سمعت رسول الله (صلى الله علیه وآله)یقول: « المهدی من عترتی من ولد فاطمه »(13).
وقد یرد على هذا الاحتمال بأنه اذا کان المهدی (عجل الله فرجه الشریف) سراً من الأسرار المستودعه فی فاطمه فی ذلک الزمان ولم یعرف ولم یُظهر لأ؛دنا فان هذا القول الآن یصبح منتفی لکون مسأله الإمام المهدی والوعد الالهی فیه أصبحت من المتسالمات عند أکثر المسلمین ، هذا من جهه ، وکون الدعاء یقول أی أتوسل بفاطمه وأبیها وبعلها وبنیها … ولفظه بنیها تشمل کل أبناء الزهراء المعصومین والدعاء فی ختامه یقول والسر المستودع ، فانه لا معنى ان یتوسل المؤمن بالسر المستودع الذی یکون المهدی (عجل الله فرجه الشریف) وفی نفس الوقت یتوسل ببنیها ، الذی هو منهم ومشترک معهم ، وربما یجاب أنّه من باب ذکر الخاص بعد العام لیفید الحصر أو الإختصاص ؟!!!
۲ـ وقد یکون السر المستودع أشاره الى ان ولایه الله تعالى سوف تکون فی ولد فاطمه وان الأئمه المعصومین منها (علیها السلام) ، وقد وردت عده شواهد روائیه تدل على أن الأئمه من ولد فاطمه (علیها السلام)وان الولایه فیهم والإمامه منحصره فی وجودهم المبارک وهذا ما اثبته القرآن الکریم والسنه الشریفه ویکفی فی اثبات ولایتهم ما جاء فی کتاب الغدیر للعلامه الامینی ، ولکن ننقل لک بعض الشواهد فی هذا الأمر المهم والتی کان منها ما جاء عن أمیر المؤمنین (علیه السلام) عن النبی (صلى الله علیه وآله)فی حدیث طویل قال : « إن الله عز وجل نظر إلى الأرض ثالثه فاختار منها أحد عشر إماماً … وأمّهم فاطمه ابنتی(۱۴).
وفی حدیث آخر عن جابر بن عبدالله الانصاری قال : « أشهد بالله لقد دخلت على فاطمه بنت رسول الله (صلى الله علیه وآله)لأهنئها بولدها الحسین ، فاذا بیدها لوح أخضر من زبرجده خضراء فیه کتاب أنور من الشمس … فقلت : ما هذا یا بنت رسول الله ؟ فقالت : هذا لوح أهداه الله عز وجل إلى أبی ، فیه اسم ابی وأسم الاوصیاء بعدی من ولدی ، فسألتها ان تدفعه إلی لأنسخه ففعلت …(۱۵) ».
وهذا الاحتمال یرد علیه بکون الدعاء ، یقول بفاطمه … وبنیها والسر المستودع فیکون تکرار للقسم بالأئمه الذین هم بنیها وکذلک بالسر المستودع الذی هو الأئمه.
۳ـ السر المستودع هو أمرهم کما فی بصائر الدرجات عن الصادق (علیه السلام) : « إن أمرنا سّر مستتر وسّر لا یفیده إلا سّر وسّر على سّر وسرّ مقنع بسر ».
وعنه (علیه السلام) أیضاً : « إن أمرنا هذا مستور مقنع بالمیثاق من هتکه أذله الله ».
وعنه (علیه السلام) : « أن أمرنا هو الحق وحق الحق وهو الظاهر وباطن الظاهر وباطن الباطن وهو السّر وسّر السّر وسّر مستسر وسّر مقنع بالسر ».
فالزهراء بما أنها أم الأئمه وهی حجه الله علیهم وانها مفروضه الطاعه على جمیع البشر کما ورد ذلک فی الاحادیث المأثوره تکون الأسرار التی مودعه فیها معروفه عند الأئمه وهم یحافظون علیها وقائمون بمقتضاها ، أو تعلقاتها أو تبلیغ دواعیها ومحافظین على هذه الأسرار ولا یظهرونها لأحد إلا من کان محتملاً لعلمهم واسرارهم ولذلک ظهر الشیء القلیل منها ، لسلمان وکمیل وأبی ذر وغیرهم من المؤمنین الممتحنین ، فامرهم هو سر الله تعالى المودع فی فاطمه (علیها السلام)والأئمه یحافظون على اسرار هذا الأمر وان کان تفسیر الأمر فی الروایات المأثوره هو أمر الولایه ، « السلام على محال معرفه اله ومساکن برکه الله ومعادن حکمه الله وحفظه سر الله »(16).
۴ـ السر المستودع هو العلوم الربانیه المودعه فی فاطمه (علیها السلام)، وهذا ما نستطیع فهمه من خلال الأحادیث المرویه فی شأنها (علیها السلام) حیث کانت المحدّثه من قبل الملائکه وکان لها مصحف یتوارثه الأئمه واحداص بعد واحد وفیه کل ما یحتاجونه من الذی یجری على البشر وفیه أسماء الحکام الذی یحکمون وحکموا من زمن آدم الى آخر یوم من الدنیا ، وعلیه نحتمل ان یکون المصحف هو السر المودع فی فاطمه وهذا فیه من الأمور التی لم یطلع علیها سوى ابناء الزهراء الأئمه المعصومین الذین یتوارثون هذا المصحف وینظرون فیه وهو من املاء رسول الله وربما من املاء الإمام علی بن أبی طالب (علیه السلام) ، وهذا ما أشارت إلیه جمله من الروایات الوارده فی المقام ومنها :
* « ما رواه الحسین بن أبی العلاء قال سمعت أبا عبدالله (علیه السلام) یقول عندی الجفر الأبیض قال قلنا وأی شیء فیه ، قال : فقال لی زبور داود ، وتوره موسى ، وانجیل عیسى ، وصحف ابراهیم والحلال والحرام ومصحف فاطمه ما أعم أن فیه قرآنا وفیه ما یحتاج الناس الینا ولا نحتاج إلى أحد حتى أنّ فیه الجلده ونصف الجلده وثلث الجلده … »(17).
وأیضاً ما رواه أبو بصیر بالسند المتصل قال دخلت على أبی عبدالله (علیه السلام) فقلت له إنی أسئلک جعلت فداک عن مسئله لیس هیهنا أحد یسمع کلامی فرفع أبو عبدالله (علیه السلام) ستراً … « وساق الحدیث »… حتى أجابه الإمام قائلاً : « وان عندنا لمصحف فاطمه (علیها السلام)وما یدریهم ما مصحف فاطمه قال مصحف فیه مثل قرآنکم هذا ثلاث مرات والله ما فیه من قرآنکم حرف واحد انما هو شیء املاها الله وأوحى الیها قال قلت هذا والله هو العلم انه لعلم ولیس بذاک قال ثم سکت ساعه ثم قال : انّ عندنا لعلم ما کان وما هو کائن إلى أن تقوم الساعه قال قلت جعلت فداک هذا والله هو العلم قال انه العلم وما هو بذاک ، قال قلت جعلت فداک ، فأی شیء هو العلم ، قال ما یحدث باللّیل والنهار الأمر بعد الأمر والشیء بعد الشیء إلى یوم القیامه (۱۸).
* وفی حدیثٍ عن حمّاد بن عثمان قال سمعت أبا عبدالله (علیه السلام) یقول : « تظهر الزنادقه فی سنه ثمانیه وعشرین ومائه وذلک لأنی نظرت فی مصحف فاطمه قال فقلت : وما مصحف فاطمه (علیها السلام)؟ فقال : ان الله تبارک وتعالى لما قبض نبیه (صلى الله علیه وآله)دخل على فاطمه من وفاته من الحزن مالا یعلمه إلا الله عز وجل فأرسل الیها ملکا یسّلی عنها غمها ویحدثها ، فشکت ذلک الى أمیر المؤمنین (علیه السلام) فقال لها إذا أحسست بذلک فسمعت الصوت فقولی لی فاعلمته فجعل یکتب کلما سمع حتى أثبت من ذلک مصحف قال : ثم قال اما انه لیس فیه من الحلال والحرام ولکن فیه علم ما یکون.
أقول : یظهر من هذا الحدیث وأحادیث أخرى مأثوره عن أهل بیت العصمه (علیهم السلام)ان مصحف فاطمه متوارث من قبل الأئمه وفیه علم ما کان ویکون إلى آخر الزمان ، وفیه الحکام الذین یحکمون والفرق التی تظهر وتبتدع فی کل زمان ، ویظهر من هذا المصحف انه من إملاء الإمام علی (علیه السلام) حیث کانت الملائکه تحدث الصدیقه الشهیده (علیها السلام)بعد وفاه رسول الله (صلى الله علیه وآله)وتملی على علیّ (علیه السلام) ویکتبه ، وعلى هذا الاساس یکون المصحف متأخر رتبه فی الوجود والظهور عن الاساس الذی اسسناه فی کون السر المستودع فی فاطمه کان بعد امتحانها قبل الخلق وکما بیّناه فی مقدمه البحث ، فعلیه یکون هذا الاحتمال فی کون المصحف هو السر المستودع فی فاطمه (علیها السلام)بعید وعلى ضوء الاساس الذی بیناه ، لذا تکون العلوم الربانیه لیست هی السر المستودع وخصوصا نحن نعلم ان ورد فی الروایه الشریفه عن أبی عبدالله (علیه السلام) حیث یقول : ( إن عندنا والله سرّاً من سرّ الله ، وعلماً من علم الله ، والله ما یحتمله ملک مقرب ولا نبی مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للأیمان والله ما کلّف الله ذلک أحداً غیرنا ، ولا استعبد بذلک أحداً غیرنا … )(۱۹).
فیتبین من هذه الروایه ان عند أهل البیت بما فیهم فاطمه (علیها السلام)عندهم سراً من سر الله تعالى وهذا غیر العلم وإلا لکان الإمام یقول العلم نفسه السر بل انه فصّل بین السر والعلم فعلیه العلم غیر السر المستودع فیهم علیهم السلام.
۵ـ قد یکون السر هو ما أشارت الروایه المرویه فی شأن الحدیث القدسی المروی عن لسان جابر بن عبدالله الاصناری عن رسول الله (صلى الله علیه وآله)عن الله تبارک وتعالى أنّه قال : « یا أحمد لولاک لما خلقت الافلاک ، ولولا علی لما خلقتک ولولا فاطمه لما خلقتکما »(20).
أی إنه العله الغائیّه لخلقکما کما یظهر من الحدیث القدسی هو وجود فاطمه (علیها السلام)، أما کیف یکون هذا الأمر فهذا ما سیتبین لنا من خلال بحث هذا الحدیث فی موضوع مستقل انشاء الله.
۶ـ السر المستودع هو اسم الله الأعظم.
عندما نراجع الروایات الوارده فی شأن أهل البیت (علیهم السلام)نجد أن مما حظی به الأئمه (علیهم السلام)، دون غیرهم هو أنهم یحملون اسم الله الأعظم وهذا ما صرحت به الاحادیث المأثوره عنهم ، حیث خصهم الباری عز وجل بهذا الکرامه العظیمه ، وکما تبین لنا من الروایه المتقدمه ان السر الذی بحوزه أهل البیت هو غیر العلم والحکمه التی یتملکها أهل البیت (علیهم السلام)، فقد یکون السر الذی یملکونه هو نفسه الاسم الاعظم لله تعالى الذی إذا دعی به أجاب ، والذی یدل على أنهم عندهم اسم الله الاعظم جمله من الروایات الوارده فی المقام منها ما ورد عن جابر عن أبی جعفر (علیه السلام) قال : « ان اسم الله الاعظم على ثلاثه وسبعین حرفاً وانما کان عند آصف منها حرف واحد فتکلم به فُخسف بالأرض ما بینه وبین سریر بلقیس حتى تناول السیر بیده ، ثم عادت الأرض کما کانت أسرع من طرفه عین ، ونحن عندنا من الأسم الاعظم اثنان وسبعون حرفاً ، وحرف واحد عند الله استأثر به فی علم الغیب عنده ولا حول ولا قوه إلا بالله العلی العظیم(۲۱). وعن النوفلی ، عن أبی الحسن صاحب العسکری (علیه السلام) قال : سمعته یقول « اسم الله الاعظم ثلاثه وسبعون حرفاً ، کان عند آصف حرف فتکلم به فأنخرقت له الأرض فیما بینه وبین سبأ ـ أی مملکه سبأ او مدینه سبأ حیث کان عرش بلقیس ـ فتناول عرش بلقیس حتى صیره إلى سلیمان ، ثم انبسطت الأرض فی أقل من طرفه عین ، وعندنا منه اثنان وسبعون حرفاً ، وحرف عند الله مستأثر به فی علم الغیب(۲۲).
أقول : وکثیرهٌ هی الأحادیث المأثور عنهم (علیهم السلام)فی هذا الباب حیث خصهم الله تبارک وتعالى بهذه الخصوصیه والذی یظهر من هذه الأحادیث انهم افضل مقاماً ومنزلهً من الأنبیاء السابقین ، بدلاله هذه الاحادیث ، وکل ما ثبت للأئمه (علیهم السلام)فهو ثابت للصدیقه الشهیده (علیها السلام)من حیث کونها أُم الأئمه الاطهار ومن کونها حجه الله على الأئمه وکما سیمر بنا ذلک فی شرح هذا الحدیث ، وکذلک هناک عده اشارات فی الروایات إلى مسأله أسم الله الأعظم وکیف ان الإمام علی (علیه السلام) الذی هو کفؤ الزهراء (علیها السلام)کان یحمل اسم الله الاعظم الذی اذا دعی به أجاب وهذا ما وجدناه فی قضیه رده الشمس التی غابت فی أرض بابل حیث سأله أحد أصحابه یا أمیر المؤمنین کیف رددت هذه الشمس ، فقال له سئلت الله تعالى بأسمه الاعظم ان یردها علیها فردها ، وکما ورد فی سوره الواقعه ( فسبح باسم ربک العظیم )(۲۳). وعلى هذا الأساس فان کل ما أعطاه الله تبارک وتعالى وخص به أهل البیت (علیهم السلام)فهو ثابت للزهراء (علیها السلام)، فعلیه تکون الصدیقه الطاهره حامل لاسم الله الاعظم الذی خصه الله تبارک وتعالى بأهل بیت النبوه ومعدن الرساله ، فیکون وعلى ما احتمله بل أرجحه على بقیه الاحتمالات الاخرى ان السر المستودع فی فاطمه هو اسم الله الاعظم ، والذی یدل علیه على ما استفیده من الدعاء الذی بدأنا به البحث « اللهم انی أسألک بحق فاطمه وأبیها وبعلها وبنیها والسر المستودع فیها … » حیث یظهر من هذا الدعاء أولاً التوسل بحق فاطمه… وکذلک التوسل إلى الله تعالى بالسر المستودع ، والتوسل لا یکون إلى الله تعالى إلا بالذی یکون له شأن عند الله عز وجل ، ونبتغی إلیه الوسیله ، فعلیه نحتمل أن یکون السر هو اسم الله الاعظم المستودع عند فاطمه (علیها السلام)، وأبناؤها وخصوصا هناک شواهد تدلل على ان هذا الاسم لا یخرجونه أهل البیت (علیهم السلام)الى أحد وکما ورد فی الحدیث المروی فی شأن عمر بن حنظله حیث قال لأبی جعفر (علیه السلام) : « إنی أظنّ أنّ لی عندک منزله ، قال : أجل ، قال : قلت فإنّ لی إلیک حاجه قال وما هی ؟ قال : قلت تعلمنی الأسم الأعظم قال وتطبیقه قلت نعم قال : فادخل البیت قال : فدخل البیت فوضع أبو جعفر (علیه السلام) یده على الأرض فأظلم البیت فارعدت فرایص عمر فقال : ما تقول اعلمک فقال لا قال : فرفع یده فرجع البیت کما کان »(24).
ویوجد أیضاً شاهد آخر یدل على کون فاطمه (علیها السلام)تمتلک الاسم الاعظم وذلک عندما قادوا علیاً (علیه السلام) فی یوم سقیفه بنی ساعده للبیعه فخرجت نفسی لها الفداء تجر أذیالها خلف ابن عمها وهی تقول خلو ابن عمی أو لاکشفن رأسی للدعاء ، حیث یقول سلمان « فخرجت فاطمه (علیها السلام)فقالت : یا أبا بکر أترید أن ترملنی من زوجی ـ والله ـ لئن لم تکف عنه لأنشرن شعری ولأشقن جیبی ، ولآتین قبر أبی ، ولأصیحن الى ربی : فأخذت بید الحسن والحسین (علیهما السلام)، وخرجت ترید قبر النبی (صلى الله علیه وآله)، فقال علی (علیه السلام) لسلمان : أدرک أبنه محمد (صلى الله علیه وآله)فإنی أرى جنبتی المدینه تکفیان ، والله ان نشرت شعرها ، وشقت جیبها ، وأتت قبر أبیها ، وصاحت الى ربها لا یناظر بالمدینه أن یخسف بها ( وبمن فیها ) ، فادرکها سلمان رضی الله عنه فقال ، یا بنت محمد ، أن الله بعث أباک رحمه فارجعی فقال : یا سلمان ، یریدون قتل علی ، ما على علیَّ صبر ، فدعنی حتى آتی أبی فأنشر شعری ، وأشق جیبی ، وأصبح إلى ربی ، فقال سلمان أنی أخاف ان تخسف بالمدینه ، وعلی (علیه السلام) بعثنی إلیک ویأمرک ان ترجعی الى بیتک وتنصر فی. فقالت : إذا أرجع وأصبر ، وأسمع له وأطیع »(25).
ویظهر من هذه الروایه ان الصدیقه الزهراء (علیها السلام)لو أنها دعت الله تعالى لاستجاب الله دعائها ، فان الإمام علی (علیه السلام) عندما قال : ( فانی أرى جنبتی المدینه تکفیان ) یعنی إشاره إلى أنّها کانت عندها الولایه التکوینیه وکما سنقف مع هذا البحث انشاء الله تعالى ، وعلى کل حال فان الصدیقه کانت تحمل الاسم الاعظم ، ولا ضیر فی ذلک فهی أم أبیها وأم الأئمه الاطهار الذین یحملون الأسم الاعظم الذی إذا دعی به أجاب ، وهناک اشاره لطیفه فی کون فاطمه الزهراء (علیها السلام)لها أسم مشتق من أسماء الله الحسنى حیث وَرَدَ ذلک فی حدیث الاشتقاق « هذه فاطمه وأنا فاطر السموات والأرض ، فاطم أعدائی من رحمتی یوم فصل قضائی ، وفاطم أولیائی عما یعیرهم ویشینهم ، فشققت لها أسماً من أسمی ».
وقال رسول الله (صلى الله علیه وآله): « أن الله شق لک یا فاطمه اسماً من اسمائه وهو الفاطر وأنت فاطمه » وعلیه فان فاطمه ودیعه المصطفى ، فاطمه الانسیه ، الحوراء مطلع الانوار العلویه ومشکاه الولایه وأم الأئمه وعیبه العلم ووعاء المعرفه . واختتم هذا البحث فی أمرٍ قد أستفدته واستنتجته من خلال بعض الروایات الوارده فی کتب الحدیث کأمثال الکافی والبصائر وغیرهما ، حیث یظهر من خلال الروایات أن أمر آل محمد (صلى الله علیه وآله)أمر جسیم مقنع بالمیثاق لا یستطاع فهمه وادراکه وذکره وهذا الأمر هو ( کما عبرت عنه الروایه ـ « أمرنا » سر فی سر وسر مستتر فی سر ولا یفیده إلا سر وسر على سّر وسّر مقنع بسر وهو الحق وحق الحق وهو الظاهر وباطن الظاهر وباطن الباطن وهو السر وسر السر وکذلک ورد فی الحدیث الشریف انه لو قد قام قائمنا لتکلم بهذا الأمر وصدقه القرآن ، وکذلک وجدت ان هذا الأمر ـ وکما ورد فی الروایه ـ هو الذی جعل الملائکه مقربین وغیرُ مقربین والأنبیاء مرسلین وغیر مرسلین والمؤمنین ممتحنین وغیر ممتحنین ، وعلیه یکون الأمر هو السر، فما هو السر ؟؟؟…
( إنما أمره إذا اراد شیء ان یقول له کن فیکون فسبحان الذی بیده ملکوت کل شیء وإلیه ترجعون ).
عبد الحسین صادق العاملی

أنائحه مثلی على العرصـهِ القَفـرا

*

تعالى أُقاسمکِ المناحـهَ والذکــرى

حدیث الجوى یاورقُ یرویه کلُّـنا

*

عن العَبرهِ الوطفاءِ والکبـدِ الحـرّى

کلانا کئیبٌ یُتبعُ النـــوحَ أنّــهً

*

إذا ماوعاها الصخرُ صدّعتِ الصخرا

خذی لک شطـراً من رسیـسٍ مبّرح

*

ولی منُهُ یاذاتَ الجناحِ ذری شطـرا

خلا إنّها تبکی ومافــاضَ دمْعُهـا

*

وأرسلتُها من ذمقلتـی أدمعـاً حمرا

فلا جمرُ أحشائی یجـفـفُ عبرتی

*

ولا عبرتی فی صوبها تثخمد الجمرا

وقائلهٍ وهـیَّ الخلیــهَ من جـوىً

*

معرّسُهُ أضحى فی الحیازَم والصدرا

رویدکَ نهنْهْ عن غـرامِـکَ واتخـذْ

*

شعاریکَ فی الخطبِ التجلدَ والصبرا

فقلـتُ ولکـنْ فاتـنی الصبـرُ کلّهُ

*

لرزءٍ أُصیبـتْ فیهِ فاطمـهُ الزهرا

غـداهَ تبـدْت مستـباحـاً خباؤهـا

*

ومهتوکهً حـُـب الخفارهِ والستـرا

على حینَ لاعیـنُ النـبـی أمامهـا

*

لنُبصـر ماعانتـهُ بضعتـهُ قَسـرا

على حینَ لا یفُ الرسـولِ بمنتضى

*

الغرارِ ولـم تنـظر لرایتـهِ نشـرا

بنحلتها جائـتْ تطـالُـب معشـراً

*

بدا کفرهمْ من بعدِ ما أضمروا الکفرا

عَموُا عنْ هواها ثمّ صمّـوا کثیرُهم

*

کأنّ بسمع القوم من قولِهـا وَقــرا

لقدْ أرعشت بالوعظِ صـلَّ ضغونِهمْ

*

فثاروا لها والصلُّ إنْ یرتعشْ یضرا

فلو أنهـمْ أوصـى النبـی بظلمـهمْ

*

لها ما استطاعوا غیرَ ما ارتکبوا أمرا

وأنّـى وهمْ طوراً علیها تراثَهـــا

*

أبوا وأبوا منها البُکــا تـارهً أُخرى

وهـمْ وشموها تـارهً بسیاطهـــمْ

*

وآونهً قدْ أوسعوا ضلعَهـا کســرا

وخلـی حدیـثَ البابِ ناحیهً فـمـا

*

تمثلتُــهُ جرتْ مقلتـی نهــرا

بنفسـی التـی لیلاً توارتْ بلحدهـا

*

وکـان بعیـنِ الله أنْ دُفنـتْ سـّرا

بنفسی التـی أوصتْ باخفاءِ قبرهـا

*

ولولاهُم کانـتْ بأظهـارِهِ أحــرى

ــــــــــــــــ
(۱) النحل : ۱۹٫
(۲) الملک ۱۳٫
(۳) الفرقان ۶٫
(۴) النساء : آیه ۵۸٫
(۵) الأحزاب : آیه ۷۲٫
(۶) راجع تفسیر المیزان : ۱۶ | ۳۵۶ ، حیث فیه القول الفصل لهذا الموضوع.
(۷) بصائر الدرجات : ۱ | ۴۸٫
(۸) بصائر الدرجات : ۱ | ۴۸٫
(۹) راجع التقیه بین الأعلام ، بقلم سیّد عادل العلوی.
(۱۰) بصائر الدرجات ۱ | ۴۵٫
(۱۱) اصول الکافی : ۱ | ۴۶۷ ح ۵٫
(۲۱) ینابیع الموده : ۴۳۶ ، منتخب الاثر : ۱۹۲٫
(۱۳) من سنن أبی داود عن العوالم : ۱۰۳۱٫
(۱۴) احقاق الحق ۵ | ۴۰٫
(۱۵) النصوص على الأئمه الأثنی عشر : ۶۷ ، ح ۵ عن أمالی الطوسی ، وعیون أخبار الرضا (علیه السلام).
(۱۶) الزیاره الجامعه الکبیره.
(۱۷) بصائر الدرجات : ۳ | ۱۷۰ ح۱٫
(۱۸) بصائر الدرجات : ۳ | ۱۷۲ ح۳٫
(۳) بصائر الدرجات : ۳ | ۱۷۷ ح ۱۸٫
(۱۹) الکافی : ۱ | ۴۶۷ ح ۵٫
(۲۰) الجنه العاصمه : ۱۴۸ | کشف اللآلی : ۵ ، مستدرک سفینه البحار : ۳ | ۳۳۴ عن مجمع النورین : ۱۴ عن العوالم : ۱ | ۴۴٫
(۲۱) الکافی : ۱ | ۲۸۶ ح ۱ ، بصائر الدرجات : ۴ | ۲۲۸٫
(۲۲) نفس المصدر السابق.
(۲۳) راجع بصائر الدرجات : ۵ | ۲۳۷٫
(۲۴) بصائر الدرجات : ۴ | ۲۳۰٫
(۲۵) تفسیر العیاشی : ۲ | ۶۶ ح ۷۶ ، البرهان : ۲ | ۹۳ ح ۴ ، الاختصاص : ۱۸۱٫
تقدیم آیه الله السید عادل العلوی

Leave A Reply

Your email address will not be published.