الرجوع إلى مدینه الرسول (ص)
فهل کان الوصول فی نفس السنه التی حدثت فیها فاجعه کربلاء الدامیه ، أی سنه ۶۱ للهجره ، أم کان ذلک فی السنه التی بعدها ؟
فهنا تساؤل یقول : کیف یُمکن ذهاب العائله من کربلاء إلى الکوفه ، ثم إلى دمشق ، ثم الرجوع والوصول إلى کربلاء، کل ذلک فی أربعین یوماً، مع الانتباه الى نوعیه الوسائل النقلیّه المتوفّره یومذاک ؟!
وهذه معرکه علمیّه تاریخیه لا تزال قائمه على قدم وساق بین حمله الأقلام من المحدّثین والمؤرخین .
ونحن إذا أردنا دراسه هذا الموضوع فإنّ البحث یحتاج إلى شرح واف ، وکلام مفصّل مطوّل ، ونرجوا الله تعالى أن یوفّقنا للبحث والتحقیق عن هذا الموضوع فی مؤلّفاتنا القادمه ، إن شاء الله تعالى .
ولعلّ رجوعهم کان من طریق الأردن إلى المدینه المنوره ، فحینما وصلوا إلى مفترق الطرق طلبوا من الحَرَس ـ الذین رافقوهم من دمشق ـ أن یجعلوا طریقهم نحو العراق ولیس إلى المدینه . ولم یستطع الحرس إلا الخضوع لهذا الطلب والتوجه نحو کربلاء .
وحینما وصلوا أرض کربلاء صادف وصولهم یوم العشرین من شهر صفر .
وکان الصحابی الجلیل جابر بن عبد الله الأنصاری قد جاء إلى کربلاء یرافقه عطاء ـ أو عطیّه ـ العوفی(۱).. وجماعه مِن بنی هاشم ، جاؤا جمیعاً لزیاره قبر الإمام الحسین علیه السلام .
ـــــــــــــــــــــــ
(۱) وهو من مشاهیر التابعین.. الذین لم یَرَوا رسول الله (صلى الله علیه وآله) ولکنّهم رأوا صحابه الرسول .
واجتمع جماعه من أهل السواد(۱) وهم أهل القرى والأریاف التی کانت فی ضواحی کربلاء یومذاک ، فصار هناک اجتماع کبیر ـ نِسبیّاً ـ من شتّى الطبقات ، فالجمیع حضروا عند قبر ریحانه رسول الله وسید شباب أهل الجنه ، یزورون قبره ویسلّمون علیه ، والکآبه تخیّم على وجوههم ، والأسى والأحزان تَعصِر قلوبهم .
کانت القلوب تشتعل حزناً ، والدموع مستعدّه لتجری على الخدود ، ولکنّهم ینتظرون شراره واحده ، حتى تضطرم النفوس بالبکاء ، وترتفع أصوات النحیب والعویل .
فی تلک اللحظات وصلت قافله العائله المکرمه إلى کربلاء ، فکان وصولها فی تلک الساعات هی الشراره المترقّبه المتوقّعه ، «فتلاقَوا ـ فی وقت واحد ـ بالبکاء والعویل» .(2)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) أهل السواد . کان یُعبّر عن أراضی العراق بـ «أرض السواد» لکثره وکثافه الأشجار فیها .. مع الانتباه الى تُربتها الصالحه للزراعه لدرجه کبیره ، فالأراضی التی تُغطّیها الأشجار تتراءى من بعید وکأنّها سوداء ، ومِن هنا سمَّوا المزارع والبساتین بـ «أرض السواد» وسمَّوا الذین یسکنون هذه المناطق بـ «أهل السواد» . المحقق
(۲) ذکر السید ابن طاووس ـ فی کتاب (الملهوف) ص ۲۲۵ ـ : ولمّا رجعت نساء الحسین (علیه السلام) وعیاله من الشام وبلغوا العراق ، قالوا للدلیل: مُرّ بنا على طریق کربلاء. فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاری وجماعه من بنی هاشم ، ورجالاً من آل الرسول ، قد وردوا لزیاره قبر الحسین (علیه السلام) ، فوافَوا فی وقت واحد ، وتلاقوا بالبکاء والحزن واللَطم ، وأقاموا المآتم المُقرحه للأکباد ، واجتمعت إلیهم نساء ذلک السواد ، وأقاموا على ذلک أیّاماً» .
کانت السیده زینب (علیها السّلام) ـ فی هذا المقطع من الزمان ، وفی هذه المنطقه بالذات ، وهی أرض کربلاء ، ـ لها الموقف العظیم ، وکانت هی القلب النابض للنشاطات والأحاسیس المبذوله عند قبور آل رسول الله (علیهم السلام) فی کربلاء .
نشاطات مشفوعه بکلّ حزن وندبه ، مِن قلوب ملتهبه بالأسى !
وما تظنّ بسیده فارقت هذه الأرض قبل أربعین یوماً ، وترکت جُثَث ذویها معفّره على التراب بلا دفن ، والیوم رجعت إلى محلّ الفاجعه .. فما تراها تصنع وماذا تراها تقول ؟؟!
أقبلت نحو قبر أخیها الحسین (علیه السلام) فلمّا قربت من القبر صرخت ونادت أکثر من مرّه ومرتین :
وا أخاه !! وا أخاه !! وا أخاه !!
کانت هذه الکلمات البسیطه ، المنبعثه من ذلک القلب الملتهب ، سبباً لتهییج الأحزان وإساله الدموع ، وارتفاع اصوات البکاء والنحیب !
والله العالم کم کانت کلمات الشکوى تمرّ بخاطر السیده زینب الکبرى (علیها السّلام) حین کانت تبثّ آلامها وأحزانها عند قبر أخیها الإمام الحسین ؟ ممّا جرى علیها وعلى العائله طیله تلک الرحله المُزعجه .
وما یُدرینا ..؟ ولعلّها کانت سعیده ومُرتاحه الضمیر بما قامت به طیله تلک الرحله !
فقد ایقظت عشرات الآلاف من الضمائر الغافله ، وأحیَت آلاف القلوب المیّته ، وجعلت أفکار المنحرفین تتغیّر وتتبدّل مائه وثمانین درجه على خلاف ما کانت علیه قبل ذلک !
کلّ ذلک بسبب إلقاء تلک الخطَب المفصّله ، والمحاورات الموجزه التی دارت بینها وبین الجانب المُناوئ ، أو الافراد المحایدین الذین کانوا یجهلون الحقائق ولا یعرفون شیئاً عن أهل البیت النبوی الطاهر .
وتُعتبر هذه المساعی من أهمّ إنجازات السیده زینب الکبرى ، فقد أخذوها أسیره إلى عاصمه الأمویّین ، وإلى البلاط الأموی الذی أُسّس على عداء أهل البیت النبوی من أول یوم ، والذی کانت موادّه الإنشائیه ـ یوم بناء صرحه ـ من النُصب والعداء لآل رسول الله ، ومکافحه الدین الإسلامی الذی لا ینسجم مع أعمال الأمویین وهوایاتهم .
أخذوها إلى مقرّ ومسکن طاغوت الأمویّین ، وبمحضر منه ومشهد ، ومسمع منه ومن أسرته . خطبت السیده زینب تلک الخطبه الجریئه ، وصبّت جام غضبها على یزید ، ووَصَمته بکلّ عارٍ وخِزی ، وجعلت علیه سبّه الدهر ، ولعنه التاریخ !!
نعم ، قد یتجرّأ الإنسان أن یقوم بمغامرات ، إعتماداً على القدره التی یَملکها ، أو على السلطه التی تُسانده ، وأمثال ذلک .
ولکن ـ بالله علیک ـ على مَن کانت تعتمد السیده زینب الکبرى فی مواجهاتها مع أولئک الطواغیت وأبناء الفراعنه ، وفاقدی الضمائر والوجدان ، والسُکارى الذین أسکرتهم خمره الحکم والإنتصار ، مع الخمره التی کانوا یشربونها لیلاً ونهاراً ، وسرّاً وجهاراً ؟؟!
هل کانت تعتمد على أحد غیر الله تعالى ؟!
ویُمکن أن نقول : إنّها قالت ما قالت ، وصنعت ما صنعت ـ فی إصطدامها مع الظالمین ، أداءً للواجب ، وهی غیر مُبالیه بالعواقب الوخیمه المحتمله ، والأضرار المتوقّعه ، والأخطار المتّجهه إلى حیاتها .. فلیکن کلّ هذا . فإنّ الجهاد فی سبیل الله محفوف بالمخاطر ، والمجاهد یتوقّع کل مکروه یُحیط به وبحیاته .
ونقرأ فی بعض کتب التاریخ : أنّ قافله آل الرسول مکثت فی کربلاء مدّه ثلاثه أیام ، مشغوله بالعزاء والنیاحه ، ثم غادرت کربلاء نحو المدینه المنوّره .