إستراتیجیه الصلح عند الإمام الحسن (علیه السلام)

0

 
 وتحقیقاً لکلمه الرسول الصادق المصدّق (صلى الله علیه وآله) حین قال:  “ إنّ ابنی هذا سیّد ، ولعلّ اللـه عزَّ وجلَّ یصلح به بین فئتین من المسلمین “ [1] .
فلولا أنّ الحسن کان قدوه الصلاح ، وأسوه التضحیات ، وجماع المکرمات ، وکان بالتالی الإمام المؤیَّد بالغیب . لتمزقت نفسه الشریفه بصعود معاویه اریکه الحکم ، وهو الذی قال فیه الرسول (صلى الله علیه وآله):  “ إذا رأیتم معاویه هذا على منبری فاقتلوه ، ولن تفعلوا “ .
ولولا اتصال قلبه الکبیر بروح الرب إذاً لمات کمداً . حیث کان یرى تقهقر المسلمین وصعود نجم الجاهلیه الجدیده.
 ولولا حلمه العظیم النابع من قوه إیمانه باللـه وتسلیمه لقضائه ، إذاً ما صبر على معاویه . وهو یرقى منبر جده ، ویمزق منشور الرساله ، ویسب أعظم الناس بعد الرسول .
بلى ، ولکنّ الحسن (علیه السلام) آثر الآخره على الدنیا . وقبل الصلح للاسباب التالیه:
۱- إن نظره أهل البیت (علیه السلام) إلى الحکم کانت تنبع من انه وسیلهً لتحقیق قیم الرساله . فإذا مال الناس عن الدین الحق ، وغلبت المجتمع الطبقات الفاسده ، وأرادت تحویل الدین إلى مطیه لمصالحهم اللامشروعه .
فلیذهب الحکم إلى الجحیم .. لتبقى شعله الرساله متقده ، ولتصب کلّ الجهود فی سبیل إصلاح المجتمع أولاً ، وبشتى الوسائل المتاحه .
لقد قال الإمام علی (علیه السلام) عن أسلوب الحکم :  “ واللـه ما معاویه بأدهى منّی ، ولکنه یغدر ویفجر . ولولا کراهیه الغدر لکنت من أدهى الناس . ولکن کلّ غُدره فُجره وکلّ فُجره کُفره ، ولکلّ غادرٍ لواءٌ یُعرف به یوم القیامه . واللـه ما أُستغفل بالمکیده ولا أُستّغمز بالشدیده “ [2] .
   أما عن نظرته إلى الحکم ذاته فقد رُوی عن عبد اللـه بن العباس أنه قال :  “ دخلت على أمیر المؤمنین (علیه السلام) وهو یخصف نعله . فقال لی : ما قیمه هذا النعل ؟.
   فقلت : لا قیمه لها .
   فقال (علیه السلام) : واللـه لَهِیَ أحبُّ إلیّ من إمرتکم ، إلاّ أن أُقیم حقّاً أو أدفع باطلاً “ [3] .
  2- ولقد عاش الإمام الحسن (علیه السلام) مرحله هبوط الروح الإیمانیه عند الناس ، وبالذات فی القبائل العربیه التی خرجت من جو الحجاز . وانتشرت فی أراضی الخیر والبرکات ، فنسیت رسالتها أو کادت .
فهذه کوفه الجند التی تأسست فی عهد الخلیفه الثانی لتکون حامیه الجیش ، ومنطلقاً لفتوحات المسلمین الشرقیه ، أصبحت الیوم مرکزاً لصراع القبائل ، وتسیس العسکر . وأخذ یتبع من یعطی أکثر . فبالرغم من وجود قبائل عربیه حافظت على ولائها للإسلام والحق ، ولخط أهل البیت الرسالی . إلاّ أن معظم القبائل التی استوطنت أرض السواد حیث الخصب والرفاه بدأت تبحث عن العطاء ، حتى أنهم تفرقوا عن القیاده الشرعیه ، وبدأوا یراسلون المتمردین فی الشام حینما عرفوا أنّ معاویه یبذل أموال المسلمین بلا حساب ، بل إنک تجد ابن عمِّ الإمام الحسن وقائد قوات الطلیعه فی جیشه . عبید اللـه بن العباس . یلتحق بمعاویه طمعاً فی دراهمه البالغه ملیون درهمٍ .
ونجد الکوفه تخون مره أخرى إمام الحق الحسین (علیه السلام) ، حینما یبعث إلیهم ابن عمه مسلم بن عقیل . فیأتیهم ابن زیاد ویمنِّیهم بأن یزید فی عطائهم عشره . فإذا بهم یمیلون إلیه ویُقاتلون سبط رسول اللـه وأهل بیته بابشع صوره ، ودون أن یسألوا ابن زیاد عمّا یعنیه بکلمه عشره . فإذا به یزید فی عطائهم عشره تُمیرات فقط .. ولعلَّهم کانوا یمنون أنفسهم بعشره دنانیر !!
لقد تعبت الکوفه من الحروب ، وبدأت تفکر فی العیش الرغید . وغاب عنهم أهل البصائر الذین کانوا یحومون حول أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ، ویذکِّرون الناس بالیوم الآخر . ویبیّنون للناس فضائل إمامهم الحق . لقد غاب عنهم الیوم عمار بن یاسر الذی کان ینادی بین الصفیْن فی معرکه صِفِّین : الرواحَ إلى الجنه !. ومالک الأشتر الذی کان لعلیٍ (علیه السلام) مثلما کان علیٌّ لرسول اللـه (صلى الله علیه وآله) بطلاً مقداماً . وقائداً میدانیّاً محنکاً .
وغاب ابن التیهان الذی یعتبره الإمام علی (علیه السلام) أخاً له ، ویتأوه لغیابه ، بلى لقد غاب أهل البصائر من أصحاب الرسول وأنصار علی (علیه السلام) الذین کان أمیر المؤمنین (علیه السلام) یعتمد علیهم فی إدارته للحروب ..
   وغاب القائد المقدام ، البطل الهمام ، الإمام علی (علیه السلام) أیضاً ، بعد أن أنهى سیف الغدر حیاته الحافله بالأسى ، فإنه کان قد صعد المنبر قبیل استشهاده ، وقد نشر المصحف فوق رأسه وهو یدعو ربه ویقول: “ مـــا یحبــــس اشقاکم أن یجیء فیقتلنی ، اللـهمّ إنی قد سئمتهم وسئمونـــی ، فأَرِحْهــــم منّی وأَرِحْنــــی منهــــم “ [4] .
   وبالرغم من أن الإمام علیّاً کان قد جهّز جیشاً لمقارعه معاویه قبیل استشهاده . وهو ذلک الجیش الذی قاده من بعده الإمام الحسن (علیه السلام) إلاّ أنّ خور عزائم الجیش . واختلاف مذاهبه وخیانه قواده ، کان کفیلاً بهزیمته حتى ولو کان الإمام علی (علیه السلام) هو الذی یقوده بنفسه ..
   إلاّ أن التقدیر کان فی استشهاد البطل ، وأن یتم الصلح على ید نجله العظیم الذی أخبر الرسول (صلى الله علیه وآله) أن اللـه سوف یُصلح به بین طائفتین من أمته .
ویشهد على ذلک ما جاء فی حدیث مأثور عن الحارث الهمدانی قال :لمّا مات علیّ (علیه السلام) جاء الناس الى الحسن وقالوا : أنت خلیفه أبیک ووصیّه ، ونحن السامعون المطیعون لک ، فمرنا بأمرک فقال :“ کذبتم ، واللـه ما وفیتم لمن کان خیراً منِّی ، فکیف تفون لی ؟. وکیف أطمئن إلیکم ولا اثق بکم ؟. إن کنتم صادقین فموعد ما بینی وبینکم معسکر المدائن فوافوا هناک “ [5] .
وماذا کان یمکن للإمام الحسن أن یصنعه فی مثل هذه الظروف المعاکسه ؟. هل یسیر فی جیشه بسیــــره معاویــــه ، ویوزع علیهم أموال المسلمین ، فمــــن رغب عنــــه عالجه بالعسل المسمــــــوم ؟. أم یسیــــــــر بسیره أبیه حتى ولو کلّفه ذلک سلطته .
لقد ترک السلطه حین علم بأنها لم تعد الوسیله النظیفه لأداء الرساله ، وان هناک وسیله أفضل وهی الإنسحاب إلى صفوف المعارضه وبث الروح الرسالیه فی الأمه من جدید ، عبر تربیه القیادات ، ونشر الأفکار ، وقیاده المؤمنین الصادقین المعارضین للسلطه وتوسیع نطاق المعارضه . وهکذا فعل (علیه السلام) .
۳- وشروط الصلح التی أملاها الإمام على معاویه . وجعلها بذلک مقیاساً لسلامه الحکم ، تشهد على أنه (علیه السلام) کان یخطط لمقاومه الوضع الفاسد ، ولکن عبر وسائل أخرى . لقد جاء فی بعض بنود الصلح ما یلی :
۱- أن یعمل ( معاویه ) بکتاب اللـه وسنّه رسوله وسیره الخلفاء الصالحین .
۲- ولیس لمعاویه بن أبی سفیان أن یعهد إلى أحد من بعده عهداً بل یکون الأمر من بعده شورى بین المسلمین .
۳- وعلى أن الناس آمنون حیث کانوا من أرض اللـه فی شامهم ، وعراقهم ، وحجازهم ، ویمنهم .
۴- وعلى أنّ أصحاب علیّ وشیعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم ..
۵- وعلى أن لایبغی للحسن بن علیّ ولا لأخیه الحسین ولا لأحد من أهل بیت رسول اللـه غائله سراً ولا جهراً ، ولا یخیف أحداً منهم فی أفق من الآفاق [۶] .
إن نظره خاطفه لهذه الشروط تهدینا إلى أنها اشتملت على أهم قواعد النظام الإسلامی من دستوریه الحکم ( على هدى الکتاب والسنّه ) وشوریّه الحکم . وإنه مسؤول عن توفیر الأمن للجمیع وبالذات لقیاده المعارضه ، وهم أهل بیت الرسول . وقـد قبل معاویه بهذه الشروط ، مما جعلها أساساً للنظام عند الناس . وقد وجد الإمام بذلک أفضل طریقه لتبصیر الناس بحقیقته ، وتألیب أصحاب الضمائر والدین علیه ، حین کان یخالف بعض تلک الشروط .
قد تحمّل الإمام الحسن عناءً کبیراً فی إقناع المسلمین بالصلح مع معاویه ، حیث إنّ النفوس التی کانت تلتهب حماساً ، والتی کانت معبأه نفسیّاً ضد معاویه ، کانت تأبى البیعه معه . على أنّ القشریین من طائفه الخوارج کانت ترى کفر من أسلم الأمر إلى معاویه ، وقد قالوا للإمام الحسن (علیه السلام) : ( کفر واللـه الرجل ) [۷] .
وقد خطب الإمام بعد صلحه مع معاویه فی الناس وقال :  “ أیها الناس ‍‍ إنکم لو طلبتم ما بین جابلقا وجابرسا رجلاً جدّه رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) ما وجدتم غیری وغیر أخی . وإن معاویه نازعنی حقّاً هو لی فترکته لصلاح الأمه ، وحقن دمائها . وقد بایعتمونی على أن تسالمــــوا من سالمت ، وقد رأیت أن أُسالمه ، وأن یکون ما صنعت حجهً على مــــن کان یتمنّى هذا الأمــــر ،
وإنْ أَدری لعلّه فتنه لکم ومتاع إلى حین “ [8] .
ومع ذلک فقد عارضه بعض أفضل أصحابه فی ذلک . فقال حجر بن عدی رضوان اللـه علیه له : “ أما واللـه لَوَددتُ أنک مت فی ذلک الیوم ، ومتنا معک ولم نَرَ هذا الیوم ، فإنا رجعنا راغمین بما کرهنا ، ورجعوا مسرورین بما أحبّوا “ .
   ویبدو أن الإمام کره أن یجیبه فی الملأ إلاّ أنه حینما خلا به قال :  “ یا حجر قد سمعتُ کلامک فی مجلس معاویه . ولیس کلُّ إنسان یُحب ما تُحب ، ولا رأیه کرأیک ، وإنّی لم أفعل ما فعلت إلاّ إبقاءً علیکم ، واللـه تعالى کلَّ یوم هو فی شأن “ [9] .
   وکان سفیان من شیعه أمیر المؤمنین والحسن (علیه السلام) ، ولکنه دخل على الإمام وعنده رهط من الناس فقال له : السلام علیک یا مُذِلَّ المؤمنین ‍.
  فقال له : وعلیک السلام یا سفیان .
   یقول سفیان : فنزلت فعقلت راحلتی ثم أتیته فجلست إلیه فقال : کیف قلت یا سفیان ؟‍
   قال : قلت : السلام علیک یا مُذِلَّ المؤمنین . واللـه بأبی أنت وأمّی أذللت رقابنا حین أعطیت هذا الطاغیه البیعه ، وسلّمت الأمر إلى اللعین ابن آکله الأکباد ، ومعک مئه ألف کلّهم یموت دونک ، وقد جمع اللـه علیک أمر النّاس .
فقال  (علیه السلام):  “ یا سفیان إنّا أهل بیت إذا علمنا الحقَّ تمسّکنا به ، وإنّی سمعت علیّاً (علیه السلام) یقول : سمعت رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) یقول : لا تذهب الأیّام واللّیالی حتّى یجتمع أمر هذه الأمه على رجل واسع السرم ، ضخم البلعوم ، یأکل ولا یشبع ، لا ینظر اللـه إلیه ، ولا یموت حتى لایکون له فی السماء عاذر ، ولا فی الأرض ناصر ، وإنّه لمعاویه . وإنّی عرفتُ أنّ اللـه بالغ أمره “ .
ثم أذّن المؤذِّن فقمنا إلى حالب یحلب ناقته فتناول الإناء فشرب قائماً ثمّ سقانی وخرجنا نمشی إلى المسجد فقال لی :  “ ما جاء بک یا سفیان ؟
قلت : حُبُّکم والذی بعث محمدّاً بالهدى ودین الحق .
قال : فأبشر یا سفیان فإنّی سمعت علیّاً (علیه السلام) یقول : سمعت رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) یقول : یرد علیَّ الحوض أهل بیتی ومَن أحبّهم من أُمّتی کهاتین – یعنی السبّابتین – أو کهاتین – یعنی السبابه والوسطى – إحداهما تفضل على الأخرى ، أبشر یا سفیان ، فإنّ الدنیا تسع البرّ والفاجر ، حتّى یبعث اللـه إمام الحقّ من آل محمّد (صلى الله علیه وآله) “ .
وفی بعض الأحیان کان الإمام الحسن (علیه السلام) یصد على أصحابه ببیعه معاویه . فحین دخل قیس بن سعد بن عباده الأنصاری صاحب شرطه الخمیس الذی أسسه الإمام علی (علیه السلام) ، دخل على معاویه فقال لــه معاویه : بایع . فنظر قیـــس إلى الحسن (علیه السلام) ، فقال : یا أبا محمّد بایعت ؟. فقال له معاویه أما تنتهــــی ؟. أما واللـه إنّی … [۱۰] .
فقال له قیس : ما شئت . أَمَا واللـه لئن شئت لتناقضت به [۱۱] .
قال : فقام إلیه الحسن وقال له : بایع یا قیس ، فبایع [۱۲] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([۱]) بحار الأنوار : ( ج ۴۳ ، ص ۲۹۸ ) .
([۲]) نهج البلاغه : ( ص ۳۱۸ ) . کلمه ( ۲۰۰ ) – اعداد صبحی الصالح – .
([۳]) المصدر : ( ص ۷۶ ) .
([۴]) بحار الانوار : ( ج ۴۲ ، ص ۱۹۶ ) .
([۵]) بحار الأنوار : ( ج ۴۴ ، ص ۴۳ ) .
([۶]) المصدر : ( ص ۶۵ ) .
([۷]) المصدر : ( ص ۴۷ ) .
([۸]) المصدر : ( ص ۵۶ ) .
([۹]) المصدر : ( ص ۵۷ ) .
([۱۰]) یبدو أنّ معاویه أراد أن یُهدِّد قیساً . ولکنه سکت .
([۱۱]) یبدو أنّ قیساً ردّ تهدیدات معاویه ، وقال : إن شئت فإنی قادر على نقض العهد .
([۱۲]) المصدر : ( ص ۶۲ ) .

Leave A Reply

Your email address will not be published.