الإمامة تنصيب إلهي أم انتخاب بشري؟ (02)
تعيين الإمام
أجمع الشيعة أن الانتخاب في الإمامة باطل، والاختيار فيها مستحيل، فحالها كحال النبوة، ليس بيد الأمة، ولا بيد أهل الحل والعقد فكما أن النبوة لا تكون بإيجاد الإنسان ورغبته كذلك الإمامة، لأنّ العصمة التي هي شرط من شروط الإمامة عند الشيعة، لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، المطلع على دخائل القلوب وخفايا النفوس، فهو عزّ وجلّ وحده يمنحها لمن يشاء من عباده ويختاره لمنصب الإمامة والخلافة.
فالنبوة والإمامة، كونهما منصباً إلهياً فإن تعيينهما من مختصاته تعالى ولا يجوز فيهما الترشيح والانتخاب. وقد أعلن ذلك في القرآن الكريم. قال تعالى: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ)(01).
وقال تعالى أيضاً: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(02).
والنصوص المتضافرة عن أئمة أهل البيت تدل بوضوح على وجوب تعيين الإمامة من الله عزّ وجلّ. من تلك النصوص ما استدل به حجة الله على أرضه وخليفته على عباده الذي يصلح ما فسد من نظام الدين ويقوم الاعوجاج، مهدي هذه الأمة عجل الله فرجه الشريف وذلك عندما سأله سعد بن عبد الله عن العلة التي تمنع من اختيار الناس إماماً لأنفسهم فأجابه (عليه السلام) قائلاً:ـ يختارون مصلحاً أو مفسداً؟ ـ بل مصلحاً.
ـ فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد بما يخطر ببال غيره من إصلاح أو فساد؟
ـ بلى.
ـ فهي العلة أوردها لك ببرهان يثق به عقلك، اخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل الكتب عليهم، وأيدهم بالوحي والعصمة، إذ هم أعلام الأمم، وأهدى إلى الاختيار، منهم مثل موسى وعيسى هل يجوز مع وفور عقلهما، وكمال علمهما إذا هما بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان أنه مؤمن.
ـ لا.
ـ هذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه، ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه، ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلاً ممن لا يشك في إيمانهم وإخلاصهم، فوقعت خيرته على المنافقين.
قال تعالى في ذلك:(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ)(03) الى قوله تعالى:
(…فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ)(04) فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوة واقعاً على الأفسد دون الأصلح، وهو يظن أنه الأصلح علمنا ان الاختيار ليس الا لمن يعلم ما تخفي الصدور، وتكن الضمائر)(05).
من هنا نعلم أن الطاقات البشرية قاصرة عن إدراك الأصلح الذي تسعد به الأمة وإنما أمر ذلك بيد الله تعالى العالم بخفايا الأمور قال تعالى: (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(06).
واجبات الإمام
حمل الإسلام مسؤولية كبيرة على عاتق الإمام، فأوجب عليه السهر على مصالح المسلمين ورعاية شؤونهم الدينية والدنيوية، وأناط به العمل على تطوير حياتهم وارشادهم إلى الخير والصلاح.
وقد ذكر المعنيون بهذه البحوث أهم الواجبات التي يجب على الإمام القيام بها من أجل صيانة الإسلام كما أراده الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله):
1ـ حراسة الإسلام وحفظ الدين وصيانته من المستهترين بالقيم الإنسانية والأخلاقي الحميدة.
2ـ حماية بيضة الإسلام لينصرف الناس في معايشهم وينتشروا في أسفارهم، آمنين على أنفسهم وأموالهم.
3ـ الدفاع عن الثغور بالعدد والعُدَد حتى لا يطمع العدو بهم فينتهك محارمهم، ويسفك دماء المسلمين، من هنا وجب الجهاد.
4ـ الجهاد ضد الكفار المحاربين للإسلام حتى يسلموا أو يدخلوا في ذمة المسلمين قياماً بحق الله بظهور دينه على الدين كله.
قال تعالى: (وَيَأْبَى اللهُ إِلاَ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(07).
5ـ تنفيذ الأحكام الشرعية بالحق، وقطع الخصومات حتى لا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم، وإقامة الحدود لتتوقى المحارم، وتصان الأنفس والأموال.
6ـ اختيار الأمناء والأكفاء، وتقليد الولايات للثقات النصحاء لتضبط الأعمال وتحفظ الأموال.
7ـ جباية أموال الفيء، والخراج على ما أوجبه الشرع نصاً أو اجتهاداً من غير حيف ولا عسف.
8ـ العطاء المحق لكل واحد من بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه إلى المسلمين في وقت معلوم لا تقديم فيه ولا تأخير.
9ـ الإشراف على الأمور العامة بنفسه غير معتمد على ولاته وعماله، فقد يغش الناصح ويخون الأمين فينجرف وراء أهوائه وأطماعه. قال تعالى: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ)(08).
وجاء في الصحيحين من رواية ابن عمر قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالمرأة في بيت زوجها راعية ومسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في مال أبيه راع ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)(09).
وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن مرة الجهني قال لمعاوية: سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول: (ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجات والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته)(10).
ومن يمعن النظر فيما أثر عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يرى أن واجبات الإمام أشمل من ذلك فانها تصل إلى إقامة مجتمع يعيش أفراده في ضلال العدل والحق والحرية، ونشر الأخلاق والفضائل التي دعا إليها الدين الإسلامي، ونبذ الرذائل والبغي والفساد التي نهى عنها. فواجبات الإمام مهمة وشاملة نتمنى أن يأخذ بها رؤساء العالم اليوم أو ببعض منها.
هذا من حيث الواجبات أما عن صفات الإمام، فما هي الصفات التي نص عليها الفقه الإسلامي والتي يجب أن يتحلى بها الإمام؟
صفات الإمام
لابدّ أن تتوفر في الإمام جميع الصفات الرفيعة، والنزعات الخيرة والمثل الكريمة، من علم وتقوى، ورجاحة في الرأي وأصالة في التفكير ودراية تامة بما تحتاج إليه الأمة في جميع مجالاتها وقد ذكر المعنيون بالفقه الإسلامي الشروط الأساسية التي يجب أن تتوفر في الإمام عند الشيعة. أهمها(11):
1ـ العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام.
2ـ العدالة بشروطها الجامعة وهي الامتناع من ارتكاب الذنوب، وعدم الإصرار على صغائرها.
3ـ سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان… ليصح معه مباشرة ما يدرك بها.
4ـ سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة، وسرعة النهوض.
5ـ الرأي المفضي إلى سياسة الرعيّة، وتدبير المصالح.
6ـ الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية بيضة الإسلام وجهاد العدو، لأن الجهاد في سبيل إحقاق الحق باب من أبواب الجنة كما قال أمير المؤمنين في خطبة الجهاد.
7ـ النسب وهو أن يكون الإمام من قريش لأنها أفصح العرب وأعلمهم ويعتقد الشيعة أن الإمام يجب أن تتوفر فيه صفات أخرى فيكون أفضل الناس في ملكاته الفكرية وإبداعاته الشخصية ألا وهي العصمة.
تتمة هذا البحث في الحلقة التالية إن شاء الله تعالی
…………………….
01- سورة ص: الآية 26.
02- سورة القصص: الآية 68.
03- سورة الأعراف: الآية 155.
04- سورة النساء: الآية 153.
05- بحار الأنوار، ج13، ص127.
06- سورة آل عمران: الآية 29.
07- سورة التوبة: الآية 32.
08- سورة ص: الآية 26.
09- صحيح البخاري، ج9، ص62، ومسلم ج2، ص213.
10- صحيح الترمذي، ج6، ص73 والخلة: الحاجة والفقر.
11- راجع هذه الأوصاف في الأحكام السلطانية، ص4 والمقدمة لابن خلدون، ص135.
12- سورة الأحزاب: الآية 33.