من وصايا الإمام الباقر لبعض أصحابه (03)
وتابع وصيته لجابر:
يا جابر إنه من دخل قلبه صافي دين الله أشغله عما سواه، يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون، هل هي إلا ثوب لبسته، أو لقمة أكلتها، أو مركب ركبته، أو امرأة أصبتها.
يا جابر: إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها، ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم، ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يعمهم من نور الله ما رؤوا بأعينهم من الزينة، ففازوا بثواب الأحرار، إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوالين بحق الله، قوامين بأمر الله (01).
هذه الوصية الرائعة الحافلة بجواهر الحكم أضاءت جانباً كبيراً من مواهب الإمام (عليه السلام) وعبقرياته، ولو لم تكن له إلا هذه الوصية لكفت على الاستدلال على عظمته وما يملكه من طاقات علمية لا حدود لها.لقد نظر حفيد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى أعماق النفوس البشرية وحلل أبعادها وسبر أغوارها، وعرف ما ابتلى به الإنسان في ذلك العصر من آفات وأمراض خبيثة كالجهل والطمع والغرور والكبرياء والجشع… وما إلى ذلك مما دفعه إلى الإغراق في المعاصي واقتراف الآثام والانحراف عن طريق الحق، طريق الإسلام القويم.
درس الإمام هذه الأمراض الأخلاقية والاجتماعية فوضع لها العلاج اللازم والدواء الحاسم. ولكن هل يلتزم الإنسان بهذه الوصفة الطبية؟ إنه لو التزم بها لعاد إنساناً مثالياً في سلوكه وأخلاقه يصون نفسه من الانزلاق في متاهات الدنيا الفانية، ويتصل بخالقه العظيم الذي إليه مرجعه ومآله.
………………