المجتمع فی عصر النبی محمد (ص)
ومن ناحیه أخرى، کان یمکن لأی شخص لا یرتبط بالقبیله بعلاقه نسب (صله دم) أن یرتبط بها بوصفه حلیفاً أو جاراً أو مولى، لکن التفاصیل لیست لها أیّه أهمیه هنا. وتوحی المصادر بأن عصر محمد (ص) شهد إرتباط عدد کبیر من الأشخاص بالقبیله دون الإنتساب إلى جدها المشترک، وبعضهم أقام مع القبیله لبعض الوقت بینما أقام الآخرون معها بشکل دائم، وکلا المجموعتین، ولکن بشکل أکثر تحدیداً المجموعه التی عاشت مع القبیله على الدوام، مالت إلى التزواج الداخلی مع القبیله (الزواج اللحمی)، وبذلک أصبحوا أقرباء لکل أفراد القبیله سواء من الرجال أو النساء. وسیتیح الإلتباس فی النسب نتیجه لهذه العلاقه لمجموعات الأشخاص المحمیین (الجار/ المستجیر/ الدخیل) الادعاء فیما بعد بأنّهم أعضاء فی القبیله بالدم، وهناک أسس خیالیه لعدّ بعض الأنساب القبلیّه لحقبه ما قبل الإسلام بُنى تفسر أو تسوغ العلاقات الإجتماعیه اللاحقه، وکان لشخص آخر لیس أبوه الحقیقی ویَعرِفُ الناس ذلک عنه، والتسمیه العربیه لهذا الإبن هی (دعَیّ) التی تتضمن أی شیء یماثل التبنی القانونی الحدیث.
هکذا کانت القبیله العربیه فی عصر محمد (ص) مجموعه قرابه بسیطه لکنها ذات بنیه معقده، ولأنّ هذه البنیه تُفهم بلغه القرابه فحینما لا تکون هناک قرابه فعلیه یتم التأکید أحیاناً على القرابه الخیالیه، وکانت القبیله الکبیره والقویه کیاناً سیاسیاً ذات سیاده لا یدین بالطاعه لغیره، وهی تحمی نفسها وتضمن الأمن لأفرادها بقدرتها العسکریه الذاتیه، وتنقسم إلى أجزاء تنقسم بدورها إلى أجزاء وهکذا، والأجزاء الصغیره التی تقوم على القرابه، کما هو الأمر فی القبیله الرئیسیه تماماً، ربّما تصبح یوماً ما قبائل فرعیه، عشائر وأسر. وإذا أصیبت القبیله بسوء وتناقص عدد أفرادها بحیث تعجز عن الدفاع عن نفسها على نحو کافٍ، فإنّها قد تطلب الحمایه من قبیله قویه لتصبح عندها فی وضع متدن وربّما تحتویها القبیله القویه فی النهایه، وربّما ترتبط بعض القبائل أیضاً بتحالف أو إتحاد مؤقت أو دائم، وکان النظام القبلی هو أساس مثل هذا الأمن مثلما هو أساس الحیاه والمِلکیه الإقتصادیه طالما أنّ القبیله تحاول تفادی العنف بین أفرادها ولا تشجع العنف من قبل أفراد القبائل الأخرى، وعندما هاجر محمد إلى المدینه فی عام ۶۲۲م مع حوالی سبعین من المسلمین المکیین، واجه على الفور مشکله ضمان أمنه وأمن هؤلاء المهاجرین الذین فصلتهم هجرتهم عن حمایه عشائرهم فی مکه مما جعلهم بحاجه إلى بدیل عنها، وربّما تمت تسویه المسأله قبل أن یقرر محمد (ص) الذهاب إلى المدینه، ویُفترضُ أن تتوافق هذه التسویه تماماً مع الوثیقه المعروفه بدستور المدینه/ الصحیفه حتى إذا کان الشکل الباقی من هذه الوثیقه یعود بتاریخه إلى حوالی العام ۶۲۸م. وتتعلق وظیفه المهاجرین کجماعه قرابه ووفقاً لدستور المدینه بالأمن (عبر المسؤولیه المشترکه عن دفع الدیّه مثلا)، فقد کان المهاجرون من ذوی القرابه لأنّهم جمیعاً ینتمون إلى قبیله قریش على الرغم من إختلاف عشائرهم، وکانوا، فضلاً عن ذلک وبوصفهم قبیله واحده، متحالفین مع ثمانیه عشائر مدینیه، وتشترک هذه المجموعات التسع فی حمایه بعضها من العنف خصوصاً عنف المشرکین المکیین. وعلیه، یمکن عدّ الکیان السیاسی الجدید الذی نشأ عندما ذهب محمد إلى المدینه کیاناً منسجماً مع التقالید العربیه من حیث هو تحالف قبائل للدفاع والإسناد المتبادل، وفی الواقع أن بعض العادات اعتمدت أیضاً على وظیفه القرابه، فقد دعا محمد (ص) أتباعه من أهل المدینه لمؤاخاه المهاجرین وسرى مفعول هذه المؤاخاه ظاهریاً حتى لأغراض المیراث.
وکان هنالک من ناحیه أخرى شعور أحیاناً بأنّ الکیان السیاسی الجدید یمثل أُمّه أو جماعه تقوم على الدین لا القرابه، حیث کانت عضویه التحالف الذی تکوّن المجتمع على أساسه مفتوحه فقط لمن آمنوا بأنّ محمداً هو رسول لله حسبما یبیّن دستور المدینه. وکانت القبائل المختلفه والمنتمیه إلى هذا التحالف متحالفه بدورها بشکل غیر رسمی مع جماعات لیست فی الحلف، حیث کان لقبائل المدینه علاقات وثیقه مع الجماعات الیهودیه المختلفه هناک وبعض القبائل البدویه فی الجوار، وبعض المعاهدات المبکره بین محمد (ص) والقبائل البدویه المحیطه بالمدینه لم یفرض على هذه الأخیره إعتناق الإسلام. إلا أنّ هذه العلاقات، وعلى الرغم من إعتراف مجتمع المدینه بها وإحترامه لها، لم تمنح القبائل والعشائر المقصوده عضویه کامله فی ذلک المجتمع، فقد کان التحالف الذی أنشأ مجتمع المدینه وعلى الرغم من توافقه مع العرف العربی تحالفاً من نوع خاص أساسه إعتراف کل فرد فیه بأنّ محمدا رسول الله، واستمر العمل بالأشکال القدیمه للتحالف، لکن المجتمع الجدید قام أساساً على هذا الإعتراف العام، فکان أساسه الدین ولیس النسب ولا التحالف.
لقد أحدث تکوین المجتمع الإسلامی فی المدینه تعدیلاً شاملاً فی المؤسسه السیاسیه هناک، حیث کان یمکن لمحمد (ص) عندما بدأ دعوته فی مکه أن یکتفی بتحول الناس إلى عباده الله مع بقاء البنى السیاسیه على ما هی علیه، لکن المشرکین المعارضین الذین ربّما أدرکوا المضامین السیاسیه لدعوته بوضوح أکبر منه، لم یقبلوا برسالته بأی شکل یمکن أن یوافق هو علیه، ویبدو أنّ هذا ما أجبره على إختیار الإنغماس فی السیاسه بدلاً من التخلی عن دعوته. لقد بدأ بالإعتقاد بأنّ النبی أو الرسول مرسل من الله إلى قوم النبی أو قبیلته، إلا أن صعوبه الإستمرار فی هذا الإعتقاد عندما تکون أغلبیه قبیله النبی معارضه له، جعلت القرآن یتوقف عن الحدیث عن قبیله النبی أو (القوم) لیتکلم بدلاً عن ذلک عن الجماعه (الأُمّه) التی ستکون بهذا المعنى کیاناً دینیاً أساساً، وکان الیهود والمسیحیون مجتمعات/ کیانات دینیه (أُمم) ویماثلهم فی ذلک المؤمنون من المکیین والمدینیین الذین اتبعوا محمداً (ص) وکونوا جماعه دینیه (أُمّه) أخرى. وهکذا تم تدریجیاً تعدیل فکره العرب القدیمه عن القبیله أو جماعه القرابه لتحل محلها فکره الجماعه الدینیه (الأُمّه)، وربّما استطاع الکیان السیاسی الجدید فی المدینه أن یقوم وببساطه کتحالف وفقاً للمفهوم التقلیدی، ولکن التطور اللاحق لهذا التحالف لم یکن ممکناً دون المفهوم الجدید خصوصاً بعد أن حظی محمد (ص) فیه بموقع القیاده.
وإذ ازدهر مجتمع المسلمین الصغیر فی المدینه إقتصادیاً وانتصر عسکریاً، وکان نجاحه فی غزواته أکثر من فشله، فقد بدأ الأفراد والجماعات یلتحقون به فی تدفق دائم على المدینه لممثلین مفوضین من قبائل وأجزاء من قبائل ینشدون التحالف مع محمد بعد فتح مکه والإنتصار فی معرکه حُنین فی عام ۶۳۰م. وکان الجواب الإعتیادی لهؤلاء الممثلین أن قبولهم کحلفاء یُلزمهم بالوعد بطاعه الله ورسوله ودفع الزکاه أو الصدقه الشرعیه، وبهذه الطریقه اکتسب الوضع الخاص لمحمد کرسول لله أهمیه سیاسیه بالغه، حیث منحه هذا الوضع الخاص فی الأشهر الأولى فی المدینه ما هو أکثر من الهیبه، ولکن سلطته أصبحت مطلقه فی السنوات الأخیره من حیاته. وتم حِفظُ بعض المعاهدات والوثائق القانونیه من سنوات محمد (ص) الأخیره، ویبدو أن أغلبها أصیل، ولم تتحدث هذه المعاهدات والوثائق عن الجماعه کأُمّه لکنها استخدمت مصطلحات أخرى مثل الجماعه التی تشیر إلى إتحاد للقبائل، وغالباً ما أکدت التطوّرات اللاحقه الکیفیه التی تم بها تصور الدوله الإسلامیه فی ذلک العصر، ولم یتضح فیما إذا کان بالإمکان عدّ التحالف الواسع للسنوات الأخیره مماثلاً للتحالف الذی وصفه دستور المدینه. واستمرت الأُمّه ککیان وثیق الإرتباط داخل هذا التحالف الواسع، وأیا کان الخیار الأقرب إلى الحقیقه، فقد بقیت الدوله الإسلامیه إتحاداً للقبائل على الرغم من أسسها الدینیه.
ولیس من المؤکد أیضاً ما إذا کان بإمکان المرء أن یصبح فعلاً مسلماً وعضواً فی هذه الدوله دون أن یکون أیضاً عضواً فی قبیله متحالفه مع محمّد (ص) الذی لاشک أنّه قَبِلَ باعتناق الإسلام فردیاً، فالذین اسلموا من قریش یمکن إضافتهم ببساطه إلى عشیره المهاجرین فی المدینه، أمّا المهاجرون من الأفراد والجماعات من أعضاء القبائل الأخرى، فإذا لم یکونوا على قدر من الأهمیه یکفی لیعقدوا معاهدات خاصه بهم فربّما کانوا یضافون إلى المهاجرین القرشیین کحلفاء أو جیران محمیین أو موالی. وکانت هناک من ناحیه أخرى أمثله عن أشخاص ادعوا أنّهم مسلمون، لکنهم قتلوا على ید المقاتلین المسلمین، ولکن ربّما کان هذا ببساطه نتیجه لحقیقه أن مضامین المفهوم الجدید للدوله لم تکن مفهومه بصوره ملائمه من الأشخاص العادیین، ومن المحتمل أن نواب محمد (ص) الأساسیین کانت لدیهم سلطه إستقبال من یعلنون إسلامهم، وعلیه فبینما یمکن النظر إلى الدوله الإسلامیه کإتحاد قبلی یقوم على أساس دینی، فقد کانت تُعَدّ أیضاً قبیله من بعض الأوجه. وإذ کان المسلمون أخوه مثلهم فی ذلک مثل أعضاء القبیله، فلا یمکن أن ینتهکوا حرمات بعضهم، وفی الوقت نفسه وبسبب الأساس الدینی للجماعه الإسلامیه، کان غیر المسلمین أعداءً أو أعداءً محتملین لها ویجب معاملتهم على هذا الأساس بإستثناء من تحالف منهم مع محمد (ص).
لقد هیأت هذه الأفکار العرب للوحده السیاسیه، ووجهت میولهم للغزو إلى الخارج، فغزوا أوّلاً القبائل العربیه غیر الحلیفه حتى أسلمت کلها، ثمّ تحرکوا أبعد فأبعد خارج أرضهم موجهین غزواتهم إلى الأراضی المحیطه وسکانها، وهکذا کیّف الإسلام مؤسسات القبیله والإتحاد العربیه التقلیدیه، وإستخدمها بشکلها الجدید هذا لهدایه العرب وخلق إمبراطوریه من نوع جدید. وقدم مفهوم العرب عن القبیله حلاً بارعاً أیضاً لما یدعى الیوم (مشکله الأقلیات)، حیث کان من الطبیعی للقبیله القویه أن تضع تحت حمایتها القبائل الضعیفه والجماعات الصغیره الأخرى، ولجأ محمد (ص) إلى هذه الممارسه عندما واجه جماعات رفضت أن تُسلِمَ لسبب أو آخر، وربّما کانت لدیه فی البدایه علاقات کهذه مع القبائل الوثنیه مکنتها من البقاء على وثنیتها، لکنه مال مع نمو قوته إلى أن یطلب من هذه القبائل إعلان إسلامها ویفرض على الجماعات الیهودیه والمسیحیه وضع القبیله التابعه. وبانتشار الإسلام خارج الجزیره العربیه، عقدت جماعات مسیحیه عدیده معاهدات مع الفاتحین المسلمین حصلت بها على وضع مماثل احتفظت فیه باستقلالها الداخلی وضمنت حمایه الدوله الإسلامیه لها مقابل ضریبه محدده (جزیه) تدفعها لهذه الدوله.
وإذا کانت مسأله شرف بالنسبه للقبیله البدویه أن تحمی فعلیا أولئک الذین وضعتهم تحت حمایتها، فقد شعرت الدوله الإسلامیه أیضاً بمسؤولیتها عن ضمان حقوق الجماعات التی تعهدت بحمایتها (أهل الذمه)، ویعنى هذا أنّ للإسلام بشکل عام سجلاً ممتازاً فی مجال التعامل مع الأقلیات الدینیه، أمّا من لم یُسلموا وقاتلوا العرب وهُزموا أمامهم واستسلموا لهم دون قید أو شرط، فکانت لهم فی البدایه أوضاع مختلفه عمن اتفقوا مع المسلمین سلیماً وبشکل طوعی، لکن أوضاع المجموعتین تشابهت فی النهایه. واقتصرت هذه الحمایه فی البدایه أیضاً على أهل الکتاب وتحدیداً الیهود والمسیحیون، ولکن إتصال المسلمین بالزرادشتیین والبوذیین والهندوس وغیرهم ممن رفضوا التخلی عن أدیانهم، دفع بالمسلمین إلى عدّ کل هؤلاء من أهل الکتاب لیمنحوهم بذلک وضع الجماعه المحمیه أو أهل الذمه.