الغرب واستهداف الإسلام

0

هل هو اتفاق واجماع على مبدأ توجیه الإساءه إلى مسلمی العالم الذین یربو تعدادهم على ملیار وسبعمئه ملیون مسلم تحت ذرائع حریه الرأی والتعبیر؟ أم أن مضمون ما یجری عبر وسائل الإعلام والاتصالات الحدیثه یشیر إلى بروز ثقافه الکراهیه والبغضاء التی أسس لها ساسه الغرب وصبغ بها مجتمعاته بمنطق(إسلاموفوبیا) لمواجهه الدین والثقافه الإسلامیه؟ 

بالرغم من أن إجراء المجله الفرنسیه یمکن أن یصنف شکلیا ضمن إطار "التضامن" مع مخرج الفیلم المسیء للإسلام إلا أنها فی حقیقه الأمر تأتی کمحصله طبیعیه لمناخ محتقن ومعبأ منذ أمد بأفکار ومواقف مشوهه تقصدت الإساءه إلى صوره الإسلام وإظهاره کعدو للحیاه وللبشریه. 

ونرى بوضوح أن وزیر الخارجیه الفرنسیه لوران فابیوس یبرر بوقاحه قل نظیرها قیام مجله "شارلی ایبدو" الأسبوعیه الفرنسیه الساخره بنشر رسوم کاریکاتوریه تسئ للنبی محمد صلى الله علیه وسلم قائلا بتهکم معیب "إن المبدأ فی فرنسا هو حریه التعبیر ویجب عدم المساس به". 

وما زاد هذا التبجح وقاحه وغطرسه هو أن معظم قنوات التلفزه الفرنسیه التی بثت تصریح فابیوس کانت تعرض فی الوقت ذاته حکم القضاء الفرنسی بمنع مجله "کلوزیر" من بیع أو إعاده نشر الصور التی اقتنصها المصورون للأمیره کیت میدلتون وهی عاریه الصدر خلال العطله التی أمضتها مع زوجها الأمیر ولیام فی جنوب فرنسا. لأن الصور کما جاء فی حیثیات الحکم، قد صدمت الرأی العام البریطانی وأججت غضب العائله المالکه. وکأن فابیوس یقول إن مشاعر العائله المالکه البریطانیه التی لا یزید تعداد کل من ینتمون إلیها على خمسه عشر ألف فرد، أهم من مشاعر المسلمین الذین یزیدون على ملیار وسبعمئه ملیون نسمه. 

ومن الملفت أن فرنسا وعموم الغرب ومعظم أدواتهم فی المنطقه یجدون فی حریه الإحتجاجات – اعتصام، تظاهر، إضراب – أعمال فوضى وهمجیه، لا بد من مواجهتها. وبالمقابل کل الممنوعات التی یقوم بها الغرب تصبح مدعاه للفخر والاعتزاز وتستحق الإشاده الأمیرکیه الى حدود الإعجاب بالجرأه والتقنیه العلمیه التی یتمتع بها. 

ربما یکون من الصعب على العقل استدراک مقارباته، لکنه لن یستحیل عن إدراک النفاق الغربی الذی ما فتئ أن کان الشاهد الحاضر دوما على انتهاک المبادئ الأساسیه لحقوق الشعوب تحت شعارات الحریه، وتتحول الحریه ذاتها فیما بعد إلى رأس حربه للقتل والإنتهاک العلنی حین تتعرض وتتصادم مع مصالحه أو عندما تمس شیئا من معتقداته وممارساته. وعندما تهب ریاح الغرب تنقلب المعادلات رأسا على عقب، ویصبح الکیل بمکیالین وتسود لغه المعاییر المزدوجه، ویتضح لنا أن هذه الریاح انتقائیه فی طرح شعاراتها حیث تتحول فیها المبادئ إلى وجهات نظر، والقیم إلى فرضیات، لکنها طالما اعتمدت فی غالب الأمر على سیاسه تدویر الزوایا التی من خلالها تفضل التحکم والسیطره عن بعد.
 
لقد تاجرت ریاح الغرب على مدى عقود مدیده بحیاه الشعوب وروجت باسمها الأکاذیب ومارست وارتکبت تحت شعارها أفظع الجرائم. فهی باسم الحریه قتلت ودمرت وشردت. وحین تتحرک عکس رغباتها تستنفر مختلف قواها وأدواتها. ویصبح وقع العملیات الجدید نافذا بعد التهدید والوعید الذی یلاحق الشعوب. 

والسؤال کیف یقود ساسه الغرب دفه معاداه الاسلام؟
یرجح الکثیرون أن بدایه تبلور الموقف الغربی ضد الاسلام تزامن مع الحملات الاستعماریه الغربیه على غالبیه الدول العربیه فی بدایات القرن الماضی حیث عملت على إحکام سیطرتها على الدول المستعمره، ومحاوله النیل من المؤسسات الدینیه، وتغییبها وتحیید دورها فی الحیاه العامه وتشویه صورتها لدى الشعوب الغربیه عبر نعتها بتهم کثیره کـ"التخلف والتبعیه والعنف". ولا حقا ما اصطلح على تسمیته بالإسلام السیاسی لإخفاء جوهر الکراهیه والعداء. ومن الواضح أن استعداء السیاسه الغربیه للدین الإسلامی وتشویه صورته أخذ منحى تصاعدیا خلال الثلاثین عاما الماضیه، وارتکز على قاعدتین: 

الأولى تأسیس ودعم التیارات المتطرفه والتکفیریه، التی من شأن ممارساتها تقدیم الإسلام للعالم کدین إقصائی یلغی الآخر ویبرر العنف والقتل والسرقه والاغتصاب، تشوه کل آمارات التحضر والرقی البشری وتشکک بالإسهامات الحضاریه الواسعه التی قدمها هذا الدین الحنیف للبشریه. 

والثانیه تکمن فی تشجیع الإساءات المجتمعیه للدین الإسلامی وللمسلمین والتحریض علیها سواء عبر الصمت عن الإساءات التی توجهها وسائل الإعلام ومؤسسات أخرى للإسلام ورموزه بذریعه احترام حریه التعبیر والرأی، أم عبر التحریض والاعتداءات الجسدیه وأعمال التمییز العنصری والدینی التی یتعرض لها المسلمون فی الغرب، والتخوف من وجودهم ومحاوله اتهامهم بالإرهاب وتحویلهم إلى أشخاص متطرفین منبوذین لا یحبذ الاختلاط بهم اجتماعیا. 

ولعل ما یثبت التزام السیاسه الغربیه بالعمل على هاتین القاعدتین فی مشروع استهداف الدین الإسلامی هو ذلک التزامن المفضوح بین نشر مجله فرنسیه رسوما مسیئه للرسوم الکریم، وإنتاج فیلم أمیرکی أیضا مسئ لرسول الإسلام. 

فی الواقع، نجد أن العدید من التشکیلات والنماذج سواء کانت أنظمه أو تیارات أو أحزاب وقوى مجتمعیه تتدثر بلبوس الإسلام وتدعی زورا وبهتانا أنها الحصن الحصین له ولعموم المسلمین، قد شکلت وما زالت وللأسف السند الحقیقی للغرب فی حملته. فمنها من تضامن وشارک بوضوح فی حمله التشویه هذه عبر نظامه السیاسی الإسلامی المتطرف أو التابع للسیاسه الغربیه، ومنها من یکتفی بالدعم الاقتصادی من خلال شرایین النفط التی تضخ مئات الملیارات من الدولارات والتی تستثمر فی بنوک الغرب ومصانعه وشرکات أسلحته. فضلا عن المشارکه فی وسائل إعلام صنعت مختلف أنواع التحریض ضد المسلمین وبثت شتى أصناف تشویه الحقائق لإضعاف الروح المعنویه لدى الأمه الاسلامیه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.