توصیف القرآن للفساد الإقتصادی – قارون

0

قارون: الغنیُّ المُتکبِّر، صاحب الثروه الکبیره المتغطرس، وعلى الرغم من أنّه کان من قوم موسى، وقیل أنّه کان إبن عمه، وکان ذا صوت حسن بتلاوه التوراه.. إلا أنّه اغترّ وتجبّر عندما أثرى واستغنى، وبلغت ثروته بحیث أن مفاتیح خزائن أمواله، تعجز عن حملها المجموعه الکبیره من الرجال الأقویاء، فکم کانت خزائنه؟! کان من أصحاب "الملیارات"، ولکنه کان یخرج على قومه أشراً بطراً متکبراً علیهم، غیر ذاکرٍ لآلاء الله، غیر شاکر لنعمته علیه، وکأنّ المال هو أکثر کل شیء قیمه لدیه، وکأنّه یعطیه القوّه والبقاء..
وذکّره قومه بأنّ الله لا یُحبُّ الفرحین: المُتکبِّرین، وقالوا له: استمتع بمالک ولکن لا تَنسَ الله، ولا تنس الدار الآخره بأن تُقدِّم لنفسک عملاً صالحاً وصدقه جاریه تنفعک هناک، وأحسن کما أحسن الله إلیک: أنفق من مالک على المحتاجین، ممّا أعطاک الله، ولا تبغ الفساد، لا تتطاول بمالک على الناس بأنواع البغی والظلم.. ولکنّ غروره أعماه، وقال: ما أوتیت من مال فهو بقدرتی، بذکائی وفهمی وعلمی.. فکان ما کان من عاقبته السیِّئه التی قصّها لنا القرآن، والتی أکّد فیها على نفی قیمه المال المعنویه والإجتماعیه ما لم ینفق منها فی سبیل الله بالأعمال الصالحه وخدمه المجتمع، وأنّ العلو والإستکبار من الأغنیاء وإستغلال الثروه لإستعباد الناس وظلمهم هو نوع من البطر والتجبُّر ونکران أنعم الله ونسیان ذکره وشکره، وهو نوع من الفساد الذی یۆدی بصاحبه إلى الهلاک، فیقول تعالى: (إنّ قارونَ کان من قَومِ مُوسى فَبَغى علیهم وآتَیناهُ من الکُنُوزِ ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصبَهِ أولی القُوّهِ إذ قالَ لهُ قَومُهُ لا تَفرَح إنّ الله لا یُحِبّ الفَرِحِین * وابْتَغِ فیما آتاکَ اللهُ الدارَ الآخرهَ ولا تَنسَ نَصیبَکَ من الدنیا وأحسِن کما أحسَنَ اللهُ إلیک ولا تَبغِ الفَسادَ فی الأرض إنّ الله لا یُحِبّ المُفسدین * قالَ إنّما أُوتِیتُهُ على عِلمٍ عندی أوَلَم یَعلَم أنّ اللهَ قد أهلک من قَبلِهِ من القُرُونِ مَن هو أشدّ منهُ قُوّهً وأکثرُ جَمعاً ولا یُسأَلُ عن ذُنُوبهم المُجرمون * فَخَرجَ على قومِهِ فی زِینَتِهِ قال الذین یُریدُونَ الحیاه الدنیا یا لَیتَ لَنا مِثلَ ما أوتِیَ قارونُ إنّهُ لَذُو حظِّ عظیم * وقالَ الذین أُوتُوا العِلمَ وَیلَکُم ثَوَابُ اللهِ خیرٌ لمَن آمَنَ وعملَ صالحاً ولا یُلَقّاها إلاّ الصابرون * فَخَسَفنا بهِ وبِدارهِ الأرضَ فما کان لهُ من فِئهٍ یَنصُرُونهُ من دونِ اللهِ وما کان من المُنتصرین * وأصبح الذین تَمَنّوا مَکانَهُ بالأمسِ یقولون وَیْکَأنّ اللهَ یَبسُطُ الرِّزقَ لمَن یَشاء من عبادهِ ویَقدِرُ لولا أنْ مَنَّ اللهُ علینا لَخَسَفَ بنا وَیْکَأنّهُ لا یُفلِحُ الکافرون) (القصص/ ۷۶-۸۲).
المخلّون بالإقتصاد من قوم شعیب:
صوره القوم الذین یخلّون بالنظم الإقتصادیه ولا یلتزمون بالمعاملات الصحیحه: إنّهم ینقصون الوزن ویبخسون الناس فی المکیال، فیأکلون حقّهم ویعبثون بالوضع الإقتصادی للبلد والناس.. فلا تکون هناک ثقه ولا إطمئنان فی المجتمع فضلاً عن ضیاع الحقوق والإثراء بالحرام، وذلک عین الفساد.
ولأنّ الأنبیاء یُذکِّرونهم بالحق، والمۆمنون ینهونهم عن الباطل، فإنّهم وزیاده فی غیّهم وتعنّتهم، کانوا یروِّعون المۆمنین ویُخوِّفون الناس من اتباع الرساله.. ولمّا لا ینفع ذلک هدّدوا النبی وأتباعه بالتهجیر والإبعاد إن لم یرتدُّوا عن دین الحق.
وهذه صوره من الصور التی تُبیِّن إمتداد الفساد المالی إلى الجوانب الإجتماعیه الأخرى، فکان فساد الحکم والظلم والبغی لغرض قمع المصلحین وصدّهم عن معارضه خطواتهم الفاسده وعبثهم بمقدرات الناس وسرقه أموالهم.
وهکذا کانت دعوه شعیب الإصلاحیه: دعوه لإصلاح الأوضاع الإقتصادیه ومکافحه الفساد، قائمه على الإیمان والدین، کعامل للتقوى والإمتناع عن الجرائم الإقتصادیه.
یقول تعالى: (وإلى مَدیَنَ أخاهُم شُعَیباً قال یا قومِ اعبُدُوا اللهَ ما لکم من إلهٍ غَیرُهُ قد جاءَتکُم بَیِّنهٌ من ربِّکُم فأَوفوا الکَیلَ والمیزانَ ولا تَبخَسوا الناسَ أشیاءَهم ولا تُفسِدوا فی الأرضِ بعدَ إصلاحها ذلکم خیرٌ لکم إن کُنتُم مۆمنین * ولا تَقعُدوا بکلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدّونَ عن سبیلِ اللهِ مَن آمنَ بهِ وتَبغُونها عِوَجاً واذکروا إذ کنتم قلیلا فَکَثّرکُم وانظُروا کیفَ کانَ عاقبهُ المُفسدین) (الأعراف/ ۸۵-۸۶).
(قال المَلأُ الذینَ استَکبَروا من قَومِهِ لَنُخرجَنّکَ یا شُعَیبُ والذین آمنوا معکَ من قَریَتِنا أو لَتَعودُنَّ فی مِلّتِنا قال أوَلَو کُنّا کارهین) (الأعراف/ ۸۸).
وبذلک یعطینا القرآن فی قصه النبی شعیب مع قومه، صوره متکامله من رساله الإصلاح التی حملها الأنبیاء، فی بُعدها الدینی العقائدی: فی الدعوه إلى عباده الله: (… یا قوم اعبدوا الله…) (هود/ ۸۴)، وفی بُعدها الإصلاحی الإقتصادی: فی الدعوه إلى رعایه الموازین ورعایه حقوق الناس المالیه والتقیُّد بالنظم والقوانین الإقتصادیه، لا کما کانوا یریدون العمل دون حدٍّ أو ضابط:(أو أن نفعل فی أموالنا ما نشاء) (هود/ ۷۸)، وفی بُعدها الحقوقی بالتنویه إلى حرِّیه الناس فی الإعتقاد ورفض الإکراه فیه: (أو لتعودنّ فی ملّتنا قال أوَلو کُنّا کارهین) (الأعراف/ ۸۸)، وفی بُعدها السیاسی: فی فضح إستخدام القوّه للإرعاب والإرهاب لقمع الصوت المعارض والمصلح، وفی مجال إصلاح العادات والتقالید الموروثه (قالوا یا شُعیب أصلاتک تأمُرُک أن نترک ما یعبدُ آباۆنا…) (هود/ ۷۸).. وبیان العلاقه بین أنواع الفساد، الثقافی والإقتصادی والإجتماعی والسیاسی، وهناک دروس أخرى تحملها الآیات المبارکات، فلتراجع فی مظانها من التفسیر.

Leave A Reply

Your email address will not be published.