السلفیه

0

السلف فی اللغه کلّ من تقدّمک من آبائک وذوی قرابتک، وربّما یستعمل جمعاً للسالف بمعنى الماضی.
وفی المصطلح عباره عن جماعه الصحابه والتابعین وتابعی التابعین حیث تعد اجتهاداتهم وآراؤهم فی الأُصول والفروع أسوه للآخرین، ولا یجوز الخروج عنها قید شعره، ویجب التمسّک بها والدعوه إلیها على أنّها مظهر الدین الحق وعنوان العقیده الصحیحه معتمداً على ما رواه الشیخان من روایه عبد الله بن مسعود: «خیر الناس قرنی، ثم الذین یلونهم، ثم الذین یلونهم، ثم یجیء أقوام تسبق شهاده أحدهم یمینه، ویمینه شهادته». ( [1 ])
ولا شک انّ المراد من الخیریه هو خیریه أهل القرون الثلاثه من المسلمین لا نفس الزمان، فالذین یمثلون الحلقه الأُولى من تلک السلسله هی حلقه الصحابه، والحلقه الثانیه تمثل التابعین الذین لم یستضیئوا بنور النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) مباشره ولکن غمرهم ضیاء النبوه باتّباعهم لأصحاب رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) والاهتداء بهدیهم. وأمّا الحلقه الثالثه فهی تمثّل تابعی التابعین، وبعد انتهاء هذه الحلقات الثلاث ظهرت البدع ظهوراً فاشیاً، وتتابعت الفرق الضالّه الّتی تشذ عن صراط تلک العصور الثلاثه، کل فرقه تشق لنفسها من ذلک الطرف العریض سبیلاً متعرجه تقف على فمه وتدعو إلیه، مخالفه بذلک قول الله عزوجل: ( وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِی مُسْتَقِیماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِکُمْ عَنْ سَبِیلِهِ ذَلِکُمْ وَصَّاکُمْ بِهِ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ ) ( [۲]) .
فهذا هو السلف، والسلفیه عباره عن الخلف الذین یقتدون بهم فی الأُصول والفروع ولا یخرجون عمّا رأوا من الفعل والترک قید شعره .
والسلفیه بهذا المعنى تعتمد على روایه عبد الله بن مسعود، فلنتناولها بالبحث والتمحیص فنقول :
القرن فی اللغه أهل زمان واحد، المقدار الّذی یقترن فیه أهل ذلک الزمان فی أعمالهم وأحوالهم، یقال: هو على قرنی أی على سنّی وعمری.
وأمّا إطلاقه على مائه سنه فاصطلاح جدید لا یحمل علیه الکتاب والسنّه.
وعلى ضوء ذلک فلا محیص عن حمل الحدیث على الصحابه وتابعیهم وتابعی تابعیهم.
ولکن ابن تیمیه وأتباعه راحوا یحدّدون السلفیه بثلاث قرون، أی ۳۰۰ سنه، فکلّ ما حدث فی هذه الحقبه من الزمان فهو مظهر دین الحق وعنوان العقیده الصحیحه، وبذلک یبرّرون أعمالهم فی تحریم البناء على قبور الأولیاء بأنّه حدث بعد القرون الثلاثه .
وربّما یؤیّد الحدیث بما روی عن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) أنّه قال :
وإنّ بنی إسرائیل تفرقت على اثنتین وسبعین ملّه، وتفترق أُمّتی على ثلاث وسبعین ملّه، کلّهم فی النار إلاّ ملّه واحده، قالوا: من هی یا رسول الله؟ قال: ما أنا علیه وأصحابی. ( [۳])
أقول: أوّلاً: لا یمکن الرکون إلى هذا المؤید، لأنّ النصوص هنا مختلفه .
روى الحاکم ( [۴]) وأبو داود ( [۵]) وابن ماجه ( [۶]) بأنّ النبی قال: إلاّ واحده وهی الجماعه، أو قال: الإسلام جماعتهم.
وروى الحاکم أیضاً أنّ النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) حدّد أعظم الفرق هلاکاً، وقال: ستفترق أُمّتی على بضع وسبعین فرقه أعظمها فرقه، قوم یقیسون الأُمور برأیهم، فیحرّمون الحلال ویحلّلون الحرام. وقال: هذا حدیث صحیح على شرط الشیخین ولم یخرجاه.( [۷])
وروى صاحب الروضات عن کتاب الجمع بین التفاسیر إنّ النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) قال: هم أنا وشیعتی.( [۸]) وعلى هذا لا یمکن الاعتماد على هذا النقل .
وثانیاً: أنّ المعیار الوحید للهلاک والنجاه هو شخص النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ، وأمّا أصحابه فلا یمکن أن یکونوا معیاراً للهدایه والنجاه إلاّ بقدر اهتدائهم واقتدائهم برسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) ، وإلاّ فلو تخلّفوا عنه قلیلاً أو کثیراً فلا یکون الاقتداء بهم موجباً للنجاه.
وعلى ذلک فعطف (وأصحابی) على النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) لا یخلو من غرابه!!
***
هذا ما یرجع إلى دراسه الروایه من حیث اللفظ، وأمّا دراستها من حیث المعنى، فنقول :
أوّلاً: انّ إضفاء القداسه على جماعه خاصه على نحو یکون رأیهم فی الأُصول والفروع حجه لغیرهم ولا یجوز الخروج عنه قید شعره بمثابه حجیّه قولهم فی مجالی الأفعال والتروک، مع أنّه لم یدلّ دلیل علیها غایه الأمر انّ قول الصحابی أو التابعی حجّه لهما لا لغیرهما.
وبعباره جامعه قول الثقه إذا نقله عن النبی الصادع بالحق حجه، وإلاّ فقول الصحابی فضلاً عن التابعی بما هو هو لیس بحجه، سواء أکان من القرون الثلاثه الأُولى أو ما بعدها.
وثمّه کلمه قیّمه للإمام الشوکانی نذکرها بنصها:
والحق انّه ـ رأی الصحابی ـ لیس بحجه، فإنّ الله لم یبعث إلى هذه الأُمّه إلاّ نبینا محمداً (صلى الله علیه وآله وسلم) ، ولیس لنا إلاّ رسول واحد وکتاب واحد، وجمیع الأُمّه مأموره باتّباع کتابه وسنّه نبیه، ولا فرق بین الصحابه ومن بعدهم فی ذلک، فکلّهم مکلّفون بالتکالیف الشرعیه وباتّباع الکتاب والسنّه، فمن قال: إنّها تقوم الحجه فی دین الله عزوجل بغیر کتاب الله تعالى وسنّه رسوله (صلى الله علیه وآله وسلم) وما یرجع إلیها، فقد قال فی دین الله بما لا یثبت. ( [۹])
ثانیاً: انّ الخیریه الّتی أخبر عنها الرسول حسب الروایه، فهل یراد منها انّها ثابته لجمیع أفراد هذه القرون الثلاثه ممّن یظللهم الإسلام فی مشارق الأرض ومغاربها، أو انّها ثابته لمجموع المسلمین فی تلک العصور الثلاثه؟
أمّا الافراد فقد لا تنطبق الخیریه على بعضهم، قال ابن حجر :
هل هذه الأفضلیه بالنسبه إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث، وإلى الثانی نحا الجمهور، والأوّل قول ابن عبد البر.
وقال أیضاً: واتّفقوا انّ آخر من کان من أتباع التابعین ممّن یقبل قوله من عاش حدود ۲۲۰ هـ ، وفی هذا الوقت ظهرت البدع ظهوراً فاشیاً، وأطلقت المعتزله ألسنتها ورفعت الفلاسفه رؤوسها، وامتحن أهل العلم لیقولوا بخلق القرآن، وتغیّرت الأحوال تغیّراً شدیداً لم یزل فی نقص إلى الآن، وظهر قوله (صلى الله علیه وآله وسلم) : ثم یفشو الکذب ظهوراً بیّناً حتّى یشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات. ( [۱۰])
فعلى ضوء ما ذکره فآخر ما بقی من تابعی التابعین أصل انتهاء الخیریه، وبدأ الشر بعده . أمّا الوجه الأوّل، أی کون الخیریه لأفراد هذه الأُمّه قاطبه فدون إثباتها خرط القتاد، إذ کیف یعقل خیریه کل من عاش بعد رحیل النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) إلى نهایه عام ۲۲۰ هـ ، وقد ظهر فیهم الفساد ودبّت فیهم نار الفتنه والشقاق!!
ومن استقرأ تاریخ الإسلام وتاریخ العقائد یقف على أنّ تلک البرهه من الزمان من أحلک العصور ظلمه، ولنستعرض النماذج التالیه:
۱٫قاد جماعه من الصحابه والتابعین حمله شعواء ضد عثمان حتّى انتهى الأمر إلى الإطاحه به وقتله، وقد بلغ من غضب الثوار على عثمان بمکان انّ الإمام أمیر المؤمنین وأبناءه لم یتمکنّوا من صدّهم عنه، فهل الخیر کان إلى جانب الثوار أو إلى جانب عثمان؟!
۲  . هذا هو طلحه والزبیر قد جهّزا جیشاً جراراً لحرب الإمام علی (علیه السلام) وأعانتهما أُمّ المؤمنین عائشه، فقتل جرّاء ذلک خلق کثیر عند هجومهما على البصره وعند قتالهما للإمام (علیه السلام) ، فهل الخیر کان إلى جانب جیش الإمام أو إلى جانب طلحه والزبیر؟!
۳٫کما صنع معاویه نظیر ذلک حیث حارب الإمام فی صفین وکان مع علی (علیه السلام) من البدریّین جماعه کثیره حاربوا جیش الشام وعلى رأسهم معاویه بن أبی سفیان وعمرو بن العاص، فهل الخیر کان إلى جانب الإمام وجیشه أو إلى جانب جیش معاویه، وقد ذهب ضحیه تلک الحرب سبعون ألف ( [۱۱]) من العراقیّین والشامیّین؟! وهل یمکن لأحد أن یصف الفئه الباغیه بالخیر؟! وقد قال النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) مخاطباً عمار: «إنّک لن تموت حتّى تقتلک الفئه الباغیه الناکبه عن الحق، وانّ آخر زادک من الدنیا شربه لبن». ( [12])
۴٫انّ معاویه أوّل من بدّل نظام الحکم الإسلامی من الشورى إلى النظام الملکی الّذی ساد بین الأُمویّین ما یقرب من ثمانین عاماً، فهل تعدّ تلک العصور الدمویه الملیئه بالقتل وسفک الدماء خیر القرون؟!
نقل صاحب المنار: انّه قال أحد علماء الألمان فی الآستانه لبعض المسلمین وفیهم أحد شرفاء مکّه: إنّه ینبغی لنا أن نقیم تمثالاً من الذهب لمعاویه بن أبی سفیان فی میدان کذا فی عاصمتنا «برلین» قیل له: لماذا؟! قال: لأنّه هو الّذی حوّل نظام الحکم الإسلامی عن قاعدته الدیمقراطیه إلى عصبیه الغلب (الملک لمن غلب) ولولا ذلک لعمّ الإسلام العالم کلّه ولکنّا نحن الألمان وسائر شعوب أُوروبا عرباً مسلمین. ( [۱۳])
وبکلمه جامعه إنّا إذا استعرضنا العهد الأُمویّ الّذی تسلّم فیه الأُمویّون منصّه الخلافه ابتداءً من معاویه بن أبی سفیان فیزید بن معاویه فمروان بن الحکم ثم أبنائه الأربعه، فهل یمکن أن نعدَّ هذه الحقبه من التاریخ خیر القرون وقد قتل فیها سبط النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) الحسین بن علی (علیه السلام) ، وأُبیحت دماء أهل المدینه وأعراض نسائهم، وحوصرت مکه وهتکت حرمتها على ید الحجاج بن یوسف الثقفی، واستعبد أبناء المهاجرین والأنصار، ونقش على أیدیهم کما ینقش على أیدی غلمان الروم، إلى غیر ذلک من الجرائم البشعه الّتی یندى لها جبین الإنسانیه؟!
فإذا کان هذا حال الأفراد، فیعلم منه حال المجموع، فکیف یمکن أن یقال: إنّ المجموع فی هذه القرون الثلاثه أفضل من بقیه مجامیع سائر القرون؟! ولا یقول ذلک إلاّ لمن غض الطرف عن قراءه التاریخ والحوادث المریره الّتی جرت فی العصور الأُولى .
وثالثاً: إنّ ابن حجر یذکر بأنّ البدع ظهرت بعد (۲۲۰) سنه وأطلقت المعتزله ألسنتها ورفعت الفلاسفه رؤوسها… الخ، ولکنّه لم یقرأ تاریخ العقائد فإنّ قسماً کبیراً من المناهج الثلاثه، سواء أصحّت أم لم تصحّ، قد وضعت لبناتها الأُولى فی هذه الحقبه من الزمان .
فهذه هی المحکّمه الذین یکفّرون عامّه المسلمین ظهرت فی مختتم العقد الرابع من القرن الأوّل فی مسأله التحکیم، ودامت حروب الخوارج من عصر علی إلى قرون متمادیه وزهقت خلالها نفوس کثیره.
ثم ظهرت المرجئه فی العقد التاسع من القرن الأوّل، وهم الذین یقدّمون الإیمان ویؤخّرون العمل وکانت عقیدتهم ردّ فعل لما علیه المحکّمه. لأنهم کانوا یکفّرون مرتکب الکبیره، فالمرجئه تتسامح فی کل ذلک وتعدّ الجمیع من أهل النجاه والفلاح، لأنّ المهم هو الإیمان دون العمل .
ثم ظهر الاعتزال عام ۱۰۵ هـ على ید واصل بن عطاء (المتوفّى عام ۱۳۱ هـ) وزمیله عبید بن عمرو (المتوفّى ۱۴۳ هـ) . وفضلاً عن ذلک فقد ظهرت الزنادقه والملاحده فی أواخر العهد الأُمویّ وبدایه العهد العباسیّ .
ورابعاً: السلفیه بهذا المعنى تضفی الحجیه الشرعیه لأقوال السلف وأفعالهم، وانّها کاشفه عن قول النبی وفعله، والحجیه مسأله أُصولیه لا تثبت إلاّ بدلیل قطعی، وما روی فی المقام من أخبار الآحاد وإن نقل عن عمران بن حصین، وعبد الله بن مسعود( [۱۴]) إلاّ أنّها لا تخرج عن أخبار الآحاد .

[۱] . السلفیه للدکتور محمد سعید رمضان البوطی: ۱۱ .
[۲] . الأنعام: ۱۵۳ .
[۳] . سنن الترمذی: ۵ / ۲۶، کتاب الإیمان، الحدیث ۲۶۴۱; ونقله الشهرستانی فی الملل والنحل: ۱ / 13 .
[۴] . المستدرک: ۱ / ۱۲۸ .
[۵] . سنن أبی داود: ۴ / ۱۹۸، کتاب السنّه .
[۶] . سنن ابن ماجه: ۲ / ۴۷۹، باب افتراق الأُمم .
[۷] . المستدرک: ۴ / ۴۳۰ .
[۸] . روضات الجنان: ۵۰۸، الطبعه الحجریه .
[۹] . إرشاد الفحول: ۲۱۴ .
[۱۰] . فتح الباری: ۷ / ۴ .
[۱۱] . مروج الذهب: ۲ / ۴۰۴ .
[۱۲] . الکامل فی التاریخ : ۳ / ۱۵۷ .
[۱۳] . تفسیر المنار: ۱۱ / ۲۶۹، فی تفسیر سوره یونس .
[۱۴] . فتح الباری: ۷ / ۴- ۶ .

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.