النفاق والمراء

0

انّ مصطلح «النفاق» و «المنافق» من المصطلحات العربیه والتی شاع استعمالها فی اللغه الفارسیه بدرجه أصبح الجمیع یدرک معنى ومفهوم هذه المصطلحات بصوره واضحه.
إنّ أصحاب المعاجم اللغویه یقولون: إنّ «النفاق» مأخوذ من «النافقاء» وإنّما سمّی منافقاً، لأنّه نافق کالیربوع وهو دخوله نافقاءه، یقال: قد نفق به ونافق، وله جحر آخر یقال له القاصعاء، فإذا طلب قصع فخرج من القاصعاء فهو یدخل فی النافقاء ویخرج من القاصعاء، أو یدخل فی القاصعاء ویخرج من النافقاء، فیقال هکذا یفعل المنافق یدخل فی الإسلام ثمّ یخرج منه من غیر الوجه الذی دخل فیه.( [۱])
ولا شکّ انّ من أخطر وأقبح الأمراض النفسیه هو الابتلاء بمرض
«النفاق»، وإنّه فی الواقع یمثّل محور ومرکز جمیع الخبائث والقذارات الروحیه والخصال الذمیمه، ومن الآثار السلبیه التی تخلّفها حاله النفاق فی نفس الإنسان: «الحیره» و «الضیاع»، وهذه الآثار تظهر على ملامح المنافق وفی طیّات أفعاله بصوره متواصله وجلیّه أکثر من غیرها من الآثار السلبیه الأُخرى الناتجه عن النفاق، وذلک لأنّ المنافق یعلم جیداً انّه ذو وجهین ولذلک یسعى جاهداً أن لا یطّلع أحدٌ من الناس على ما فی داخله، وبسبب التضاد الداخلی الذی یعیشه والحیره والضیاع المتواصل التی یشعر بها تطغى علیه حاله من القلق والاضطراب والخوف، ولذلک سرعان ما یظهر کامنه وینکشف أمره.
ولقد أشار القرآن الکریم ومن خلال المثال إلى هاتین الصفتین التی تکون إحداهما ولیده الأُخرى، حیث یقول سبحانه واصفاً حال المنافق:
( مَثَلُهُمْ کَمَثَلِ الَّذِی اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا اَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَکَهُمْ فی ظُلُمات لایُبْصِرُون ) .( [۲])
ولنفرض إنسان ما یعیش فی الفلاه وفی محیط مظلم جداً تحیط به الوحوش الکاسره والسباع المفترسه والحشرات السامه، فاستوقد لنفسه ناراً لیرى من خلالها ما یحیط به ویحترز من المخاطر التی تحوم حوله، ولکنّه یفاجأ بإعصار عات یطفئ النار ویذهب بالنور الذی أوجده لنفسه، فما هی الحاله التی یعیشها حینئذ یاترى، فهل هناک أمر غیر الحیره والضیاع والاضطراب والقلق؟!
إنّ حاله المنافق تشبه حاله هذا الإنسان الذی أصابه الإعصار وذهب بنوره فإنّه یعیش الحیره والضیاع والاضطراب والقلق ولا یختلف عن صاحبه أبداً، بل انّ اضطراب هذا الشخص وذعره وقلقه أشدّ بمراتب من قلق وذعر الإنسان الذی لیس له نور من الأوّل وانّه یعیش فی ظلام دامس، کذلک حال المنافق، وذلک لأنّ نور الإسلام والإیمان قد أضاء له محیطه وکشف له دیاجیر الظلام وبیّن له مکامن الخطر التی تحیط به حینما آمن أوّل مرّه ( ذلِکَ بِأنَّهُمْ آمَنُوا ) ، ولکنّه بسبب اختیاره طریق النفاق والمراء واستبدال الإیمان بالکفر قصد إلى إطفاء ذلک النور وإخماد شعلته والعیش فی الظلام الدامس والإصابه بالحیره والضیاع، ولذلک یکون حاله حال الإنسان الذی أصابه الإعصار وأطفأ نوره الذی أضاءه لنفسه.
إنّ هذا التفسیر یعنی أنّ الرغبه فی الإسلام والمیل إلى الإیمان بمنزله النار المشتعله التی تضیء الطریق، وإنّ النفاق والمراء بمنزله الإعصار الذی یخمد تلک النار ویطفئ ذلک الضیاء بنحو لا یمکن الاستفاده من ذلک الضیاء لا فی عالم الدنیا ولا فی الآخره.
ولذلک نرى القرآن الکریم یقول فی حقّ المنافقین:
( ذلِکَ بِأنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ کَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا یفْقَهُون )( [۳]) .( [۴])
[۱] . لسان العرب:۱/۳۵۹، ماده نفق.
[۲] . البقره: ۱۷٫
[۳] . المنافقون: ۳٫
[۴] . منشور جاوید:۴/۹و ۱۳۲، ۱۳۳و ۱۷۱٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.