الوجدان أو النداء الباطنی
لقد أولى علماء النفس والباحثون النفسانیون هذه المسأله أهمیه کبیره فی بحوثهم النفسیه وسعوا إلى تحلیل مسأله الوجدان وفقاً لبحوثهم التجریبیه، وفی أثناء بحثهم عن الکثیر من المسائل التی تتعلّق بذلک توصّلوا إلى الکثیر من النتائج المهمّه فی هذا المجال إلاّ أنّ النقطه التی نالت اهتماماً أکبر وحظّاً وافراً من البحث والتحلیل هی مسأله دراسه وبیان الجذور الوجودیه لمسأله الوجدان فی الطبیعه البشریه. ونحن أیضاً نقتفی أثرهم ونرکّز البحث على هذه المسأله، ونقدّم البحث فیها على سائر المسائل الأُخرى التی تتعلّق بالموضوع.
جذور الوجدان فی الطبیعه البشریه
تشیر التحالیل والاختبارات الکثیره إلى وجود إدراک وقوّه خاصه فی طبیعه الإنسان یشخّص من خلالها الأُمور الحمیده والحسنه ویمیّز بین الأُمور الذمیمه والسیّئه، ولقد أطلقوا على هذا النوع من الإدراک عنوان «الوجدانیات» ولقد عدّها الفلاسفه المسلمون قسماً من العقل العملی.
إنّ هذه القوه الإدراکیه فی تشخیص الأُمور الحسنه عن السیّئه لا تحتاج إلاّ إلى تشخیص ماهیه العمل أوّلاً، وفی مقام الحکم لا تحتاج إلاّ إلى محکمتها الخاصه بها، ولا تحتاج إلى قاض من الخارج ثانیاً، وحینما یقال:«الوجدان هو المحکمه التی لا تحتاج إلى قاض» المقصود منه انّ الوجدان لا یحتاج إلى قاض خارج عنه، بل الوجدان مستقل فی قضائه وحکمه.
لقد أثبتت التجارب انّ للوجدان جذوراً فی طبیعه الإنسان وخلقته، وانّ الطفل ومنذ أوّل خطوه یخطوها على البسیطه توجد فی داخله هذه القوّه وهذه الطاقه جنباً إلى جنب مع باقی الغرائز والمیول والرغبات الطبیعیه الأُخرى، وتأخذ هذه «القوه» أی قوه الوجدان بالتکامل والاشتداد کلّما کبر ونمت قواه الطبیعیه.
وعلى هذا الأساس نعرف انّ النداء الوجدانی والتحسین والثناء أو اللوم والتوبیخ والذم، لم یلق إلى الإنسان من الخارج، وحسب الاصطلاح التعلیمی لا یتعلّمها الإنسان من خلال وسائل وطرق التعلیم الخارجیه، بل هو نداء ینبعث من داخل الإنسان وباطنه ویسمعه فی أعماقه، وهو من الأُمور الفطریه التی أُودعت فی طینته وخلقته والتی تسوقه إلى طریق السعاده والفلاح.
الفرق بین الوجدان الفطری والوجدان الأخلاقی
نطرح المثال التالی لتمییز النداء الفطری عن غیره وإن ظهر بمظهر الأُمور الفطریه : لا شکّ انّ نقض العهود، وخیانه الأمانه والتعدّی على حقوق الآخرین، تُعدّ من الأُمور القبیحه والذمیمه والمستهجنه لدى جمیع الملل والأقوام والشعوب فی العالم، وکلّ إنسان یدرک ذلک جیداً حینما یرجع إلى داخله ووجدانه، ولذلک یذم ویوبخ القائمین بتلک الأعمال القبیحه، انّ هذا النداء العام الذی یسمع من خلال ضمیر البشر وفی کلّ بقاع العالم وبین جمیع الأقوام والشعوب،لا یمکن أن یکون ولید التعلیم والتربیه الاجتماعیه، أو الشروط والتحوّلات الاقتصادیه أو نتیجه وسائل التبلیغ والإرشاد، وذلک لأنّ من الواضح جداً انّ شعوب العالم المختلفه لم تخضع یوماً ما إلى نظام تربوی واحد أو سیاسه مشترکه أو نمط اقتصادی خاص،بل انّها دائماً تعیش تحت شروط وحالات متفاوته ومختلفه من الناحیه الاقتصادیه والسیاسیه والتربویه، هذا من جهه، ومن جهه أُخرى نجد انّ هذا الإدراک الفطری موجود فی زوایا جمیع أبناء البشر على اختلاف جنسیاتهم وألوانهم وأوطانهم، فالکلّ ینادی: انّ الخیانه ونقض العهود والتجاوز على حقوق الآخرین أُمور قبیحه وذمیمه لا ینبغی للإنسان الاتّصاف بها، وهذا ما یکشف لنا بجلاء انّ هذا الإدراک وهذا النداء والقضاء من الأُمور الفطریه التی خلقت مع الإنسان، وانّه من المستحیل أن تتمکّن الأفکار المستورده أو المکتسبه من عوامل خارجیه أن تخلق فی الإنسان تلک الظاهره بهذه الشمولیه والسعه.
فی مقابل ذلک یوجد هناک الکثیر من الأعمال التی تُعدّ من الأُمور القبیحه والذمیمه عند أکثر الناس، ولکنّها لا تعدّ کذلک لدى طائفه أُخرى من الناس، فعلى سبیل المثال الزواج من المحارم الذی اتّفقت جمیع الشرائع السماویه على تحریمه، والذی ینظر إلیه أتباع الدیانات السماویه نظره اشمئزاز وتنفّر خاصه. ولکن فی نفس الوقت نرى هذا العمل لا یُعدّ قبیحاً ومذموماً لدى طائفه من الناس، ولو کان قبح هذا العمل فطریاً لما اختلف فیه أبناء النوع الإنسانی، ولذلک یمکن القول: إنّ قبح هذا العمل لا ینبع من حاله فطریه فی داخل الإنسان وإن ظهرت بمظهر الأُمور الفطریه، بل هی فی الواقع ولیده النهی المتواصل والتحذیرات المتکرره التی صدرت من أصحاب الشرائع السماویه والتی أدّت إلى استحکام ونفوذ قبحها وخسّتها فی أعماقنا، ولولا وجود هذا العامل التبلیغی والإرشادی المتواصل والتحذیر والتحریم المتکرر لما اعتبرنا تلک الأُمور من الأُمور القبیحه والمنفوره التی یستحق فاعلها الذم والتوبیخ.
من خلال هذا التوضیح یمکن القول: لتمییز هذین النوعین، لابدّ من عدّ الإدراک الأوّل من قبیل «الوجدان الفطری»، و الثانی من قبیل «الوجدان الأخلاقی».( [1])
[۱] . منشور جاوید:۱۴/۱۷۳ـ ۱۷۵٫