أسئله حول الخاتمیه
هناک أسئله حول الخاتمیه تثار بین آونه و أخرى،و هی بین سؤال قرآنی فلسفی و فقهی،و نکتفی من الأول بواحد من الأسئله.
السؤال الأول:تنصیص القرآن على أن جمیع أهل الشرائع ینالون ثواب الله.
إن القرآن الکریم ینص على أن المؤمنین بالله و بالیوم الآخر من جمیع الشرائع سینالون ثواب الله و أنه لا خوف علیهم و لا هم یحزنون،و معنى ذلک أن جمیع الشرائع السماویه تحفظ إلى جانبالإسلام،و أن أتباعها ناجون شأنهم شأن من اعترف بالإسلام و صار تحت لوائه تماما،و على ضوء هذا،فکیف تکون الشریعه الإسلامیه واقعه فی آخر مسلسل الشرائع السماویه و کیف تکون رسالته خاتمه الشرائع؟و إلیک ما یدل على ذلک حسب نظر السائل:
۱ـقال سبحانه: إن الذین آمنوا و الذین هادوا و النصارى و الصابئین من آمن بالله و الیوم الآخر و عمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم و لا خوف علیهم و لا هم یحزنون (البقره/۶۲) .
۲ـ إن الذین آمنوا و الذین هادوا و الصابئون و النصارى من آمن بالله و الیوم الآخر و عمل صالحا فلا خوف علیهم و لا هم یحزنون (المائده/۶۹) .
۳ـ إن الذین آمنوا و الذین هادوا و الصابئین و النصارى و المجوس و الذین أشرکوا إن الله یفصل بینهم یوم القیامه إن الله على کل شیء شهید (الحج/۱۷) .
إن استنتاج بقاء شرعیه الشرائع السماویه من هذه الآیات مبنی على غض النظر عما تهدف إلیه الآیات و ذلک أن الآیات بصدد رد مزاعم ثلاثه کانت الیهود تتبناها،لا بصدد بیان بقاء شرائعهم بعد بعثه الرسول الأکرم صلى الله علیه و آله.و هی:
۱ـفکره«الشعب المختار»:
کانت الیهود و النصارى یستولون على المسلمین بل العالم بادعائهم فکره«الشعب المختار»بل إن کل واحده من هاتین الطائفتین:الیهود و النصارى،کانت تدعی أنها أرقى أنواع البشر،و کانت الیهود أکثرهم تمسکا بهذا الزعم و قد نقل عنهم سبحانه قولهم:
و قالت الیهود و النصارى نحن أبناء الله و أحباؤه قل فلم یعذبکم بذنوبکم بل أنتم بشر ممن خلق… (المائده/۱۸) و الله سبحانه یرد هذا الزعم بکل قوه عند ما یقول: فلم یعذبکم بذنوبکم ،و قد بلغت أنانیه الیهود و استعلاؤهم الزائف حدا بالغا و کأنهم قد أخذوا على الله عهدا بأن یستخلصهم و یختارهم،حیث قالوا: و قالوا لن تمسنا النار إلا أیاما معدوده (البقره/۸۰) .
۲ـالانتماء إلى الیهودیه و النصرانیه مفتاح الجنه:
قد کانت الیهود و النصارى تبثان وراء فکره:الشعب المختار،فکره أخرى،و هی:أن الجنه نصیب کل من ینتسب إلى بنی إسرائیل أو یسمى مسیحیا لیس إلا،و کأن الأسماء و الانتساب مفاتیح للجنه،قال سبحانه ناقلا عنهم: و قالوا لن یدخل الجنه إلامن کان هودا أو نصارى (البقره/۱۱۱) .
و لکن القرآن یرد علیهم و یقول: تلک أمانیهم قل هاتوا برهانکم إن کنتم صادقین*بلى من أسلم وجهه لله و هو محسن فله أجره عند ربه و لا خوف علیهم و لا هم یحزنون (البقره/۱۱۱ـ۱۱۲) فان قوله سبحانه بلى من أسلم یعنی الإیمان الخالص و قوله: و هو محسن یعنی العمل وفق ذلک الإیمان و کلتا الجملتین تدلان على أن السبیل الوحید إلى النجاه یوم القیامه هو الإیمان و العمل لا الانتساب إلى الیهودیه،و النصرانیه،فلیست هی مسأله الأسماء و إنما هی مسأله إیمان صادق و عمل صالح.
۳ـالهدایه فی اعتناق الیهودیه و النصرانیه:
و هذا الزعم غیر الزعم الثانی،ففی الثانی کانوا یقتصرون فی النجاه بالانتماء إلى الأسماء و فی الأخیر یتصورون أن الهدایه الحقیقیه تنحصر فی الاعتناق بالیهودیه و النصرانیه و قالوا کونوا هودا أو نصارى تهتدوا (البقره/۱۳۵) و القرآن الکریم یرد هذه الفکره کما سبق،و یقول ان الهدایه الحقیقیه تنحصر فی الاقتداء بمله إبراهیم و اعتناق مذهبه فی التوحید الخالص الذی أمر الأنبیاء بإشاعته بین أممهم،قال سبحانه قل بل مله إبراهیم حنیفا و ما کان من المشرکین (البقره/۱۳۵) و فی آیه أخرى ما کان إبراهیم یهودیا و لا نصرانیا و لکن کان حنیفا مسلما و ما کان من المشرکین (آل عمران/۶۷) .
نستخلص من کل هذه الآیات أن الیهود و المسیحیین و بخاصه القدامى منهم کانوا یحاولونـبهذه الأفکار الواهیهـالتفوق على البشر،و التمرد على تعالیم الله،و التخلص بصوره خاصه من الانضواء تحت لواء الإسلام،مره بافتعال اکذوبه (الشعب المختار) الذی لا ینبغی أن یخضع لأی تکلیف،و مره أخرى بافتعال خرافه (الأسماء و الانتساب) و ادعاء النجاه بسبب ذلک و الحصول على مغفره الله و جنته و ثوابه.
و مره ثالثه بتخصیص (الهدایه) و حصرها فی الانتساب إلى إحدى الطائفتین بینما نجد أنه کلما مر القرآن على ذکر هذه المزاعم الخرافیه أعلن بکل صراحه و تأکید:أنه لا فرق بین إنسان إلا بتقوى الله فإن أکرمکم عند الله أتقاکم.
و أما النجاه و الجنه فمن نصیب من یؤمن بالله،و یعمل بأوامره دونما نقصان لا غیر،و هو بهذا یقصد تفنید مزاعم الیهود و النصارى الجوفاء.
بهذا البحث حول الآیات الثلاث (المذکوره فی مطلع البحث) نکشف بطلان الرأی القائل بأن الإسلام أقرـفی هذه الآیاتـمبدأ (الوفاق الإسلامی المسیحی و الیهودی) تمهیدا لإنکار عالمیهالرساله الإسلامیه و خاتمیتها،بینما نجد أن غایه ما یتوخاه القرآنـفی هذه الآیاتـإنما هو فقط نسف و إبطال عقیده الیهود و النصارى و لیعلن مکانه بأن النجاه إنما هی بالإیمان الصادق و العمل الصالح.
فلا استعلاء و لا تفوق لطائفه على غیرها من البشر مطلقا،کما أن هذا التشبث الفارغ بالأسماء و الدعاوى لیس إلا من نتائج العناد و الاستکبار عن الحق.
فلیست الأسماء و لا الانتساب هی التی تنجی أحدا فی العالم الآخر،و إنما هو الإیمان و العمل الصالح،و هذا الباب مفتوح فی وجه کل إنسان یهودیا کان أو نصرانیا،مجوسیا أو غیرهم .
و یوضح المراد من هذه الآیه قوله سبحانه: و لو أن أهل الکتاب آمنوا و اتقوا لکفرنا عنهم سیئاتهم و لأدخلناهم جنات النعیم (المائده/۶۵) .
فتصرح الآیه بانفتاح هذا الباب بمصراعیه فی وجه البشر کافه من غیر فرق بین جماعه دون جماعه حتى أن أهل الکتاب لو آمنوا بما آمن به المسلمون لقبلنا إیمانهم و کفرنا عنهم سیئاتهم.
هذا هو کل ما کان یرید القرآن بیانه من خلال هذه الآیات،و لیس أی شیء آخر.إذن فلا دلاله لهذه الآیات الثلاث على إقرار الإسلام لشرعیه الشرائع بعد ظهوره…و إنما تدل على أن القرآن یحاول بها إبطال بعض المزاعم.
هذا کله حول السؤال القرآنی،و هناک أسئله أخرى جدیره بالذکر و التحلیل،و إلیک بیانها :
السؤال الثانی:لما ذا ختمت النبوه التبلیغیه؟
إن الشریعه الإسلامیه شریعه متکامله الأرکان فلا شریعه بعدها،و مع الاعتراف بذلک یطرح هذا السؤال:
إن الأنبیاء کانوا على قسمین:منهم من کان صاحب شریعه،و منهم من کان مبلغا لشریعه من قبله من الأنبیاء،کأکثر أنبیاء بنی إسرائیل الذین کانوا یبلغون شریعه موسى بین أقوامهم .
هب أنه ختم باب النبوه التشریعیه لکون الشریعه الإسلامیه متکامله،فلما ذا ختم باب النبوه التبلیغیه؟
و الجواب عنه،غنى الأمه الإسلامیه عن هذا النوع من النبوه،و ذلک بوجهین:
الوجه الأول:ان النبی الأکرم ترک بین الأمه الکتاب و العتره و عرفهما إلیها،و قال:لن تضل الامه ما دامت متمسکه بهما.فإذا کانت الهدایه تکمن فی التمسک بهما فالامه الإسلامیه فی غنى عن المهمه التبلیغیه إذ مهمتها موجده بالتمسک بهما فالعتره الطاهره مشاعل الحق،و منارات التوحید،أغنت الأمه،علومهم و توجیهاتهم عن بعث نبی یبلغ رسالات الله،و هذا إجمال الکلام فی أئمه أهل البیت علیهم السلام و التفصیل موکول إلى محله.
الوجه الثانی:ان علماء الأمه المأمورین بالتبلیغ بعد التفقه أغنوا الأمه عن أی نبوه تبلیغیه،قال سبحانه فلو لا نفر من کل فرقه منهم طائفه لیتفقهوا فی الدین و لینذروا قومهم إذا رجعوا إلیهم لعلهم یحذرون (التوبه/۱۲۲) و قال سبحانه و لتکن منکم أمه یدعون إلى الخیر و یأمرون بالمعروف و ینهون عن المنکر (آل عمران/۱۰۴) .
السؤال الثالث:لما ذا حرم الخلف …
السؤال الثالث:لما ذا حرم الخلف من المکاشفه الغیبیه و الاتصال بعالم الغیب و استطلاع ما هناک من المعارف و الحقائق؟
الجواب:ان الفتوحات الغیبیه من المکاشفات و المشاهدات الروحیه لم توصد بابها و إنما أوصد باب خاص و هو باب النبوه الذی یحمل الوحی التشریعی أو التبلیغی.
قال سبحانه: سنریهم آیاتنا فی الآفاق و فی أنفسهم حتى یتبین لهم أنه الحق أ و لم یکف بربک أنه على کل شیء شهید (فصلت/۵۳) .فالفتوحات الباطنیه من المکاشفات و الإلقاءات فی الروع غیر مسدوده بنص الکتاب العزیز قال سبحانه یا أیها الذین آمنوا إن تتقوا یجعل لکم فرقانا (الأنفال/۲۹) أی یجعل فی قلوبکم نورا تفرقون به بین الحق و الباطل و تمیزون به بین الصحیح و الزائف لا بالبرهنه و الاستدلال بل بالشهود و المکاشفه،قال سبحانه یا أیها الذین آمنوا اتقوا الله و آمنوا برسوله یؤتکم کفلین من رحمته و یجعل لکم نورا تمشون به و یغفر لکم و الله غفور رحیم (الحدید/۲۸) .
و هناک آیات و روایات تدل بوضوح على انفتاح هذا الباب فی وجه الإنسان،نکتفی بما ذکرناه .
السؤال الرابع:ادعاء النقص فی التشریع الإسلامی.
کلما تکاملت جوانب الحضاره و تشابکت،و تعددت ألوانها،واجه المجتمع أوضاعا و أحداثا جدیده و طرحت علیه مشاکل طارئه لا عهد للأزمنه السابقه بها،إذن فحاجه المجتمع إلى قوانین و تشریعات جدیده لا تزال تتزاید کل یوم تبعا لذلک،و ما جاء به الرسول لا یجاوز قوانین محدوده،فکیف تفی النصوص المحدوده بالحوادث الطارئه غیر المتناهیه؟
الجواب:ان خلود التشریع و بقاءه فی جمیع الأجیال و مسایرتهللحضارات الإنسانیه،و استغناءه عن کل تشریع سواه،یتوقف على وجود أمرین فیه:
الأول:أن یکون التشریع ذا ماده حیویه خلاقه للتفاصیل بحیث یقدر معها علماء الامه و الأخصائیون منهم،على استنباط کل حکم یحتاج إلیه المجتمع البشری فی کل عصر من الأعصار.
الثانی:أن ینظر إلى الکون و المجتمع بسعه و انطلاق،مع مرونه خاصه تماشی جمیع الأزمنه و الأجیال،و تسایر الحضارات الإنسانیه المتعاقبه،و قد أحرز التشریع الإسلامی کلا الأمرین،أما الأول فقد أحرزه بتنفیذ أمور:
الفـالاعتراف بحجیه العقل فی مجالات خاصه:
إن من سمات التشریع الإسلامی التی یمتاز بها عن سائر التشریعات هی إدخال العقل فی دائره التشریع و الاعتراف بحجیته فی الموارد التی یصلح له التدخل و القضاء فیها،فالعقل أحد الحجج الشرعیه و فی مصاف المصادر الأخرى للتشریع،و قد فتح هذا الاعتراف للتشریع الإسلامی سعه و انطلاقا و شمولا لما یتجدد من الأحداث و لما یطرأ من الأوضاع الاجتماعیه الجدیده .
إن الملازمه بین حکمی العقل و الشرع (إنه کلما حکم به العقلحکم به الشرع) ترفع کثیرا من المشاکل التی لم یرد فیها نص،فللعقل دور کبیر فی استنباط کثیر من الأحداث التی یصلح للعقل القضاء فیها و یقدر على إدراک حکم الشرع من حکم نفس العقل،و ذلک فی الموارد التالیه :
۱ـالقول بالملازمه بین وجوب المقدمه و ذیها.
۲ـالقول بالملازمه بین حرمه الشیء و مقدمته.
۳ـالحکم بالبراءه عند عدم النص.
۴ـالحکم بالامتثال القطعی عند العلم الإجمالی.
۵ـالحکم بالملازمه بین الحرمه و فساد العباده.
۶ـالحکم بالملازمه بین تعلق النهی بنفس المعامله و فسادها.
۷ـالحکم بالاجزاء عند الامتثال وفق الأمر الاضطراری.
۸ـالحکم بالاجزاء عند الامتثال وفق الأمر الظاهری.
۹ـاستکشاف الأمر الشرعی بالأهم عند التزاحم.
۱۰ـاستکشاف بطلان الصلاه عند اجتماع الأمر و النهی بتقدیمه على الآمر.
إلى غیر ذلک من الأحکام التی تعد من ثمرات القول بالتحسین و التقبیح العقلیین،فمن عزل العقل عن الحکم فی ذلک المجال،فقد قصرت فکرته عن تقدیم أی حل لهذه الأحکام و ما ذکرناه نماذج لما للعقل من دور،و إلا فالأحکام المستنبطه من العقل فی مجالاتمختلفه أکثر من ذلک.
بـإن الأحکام تابعه للمصالح و المفاسد عند العدلیه:
إن من أمعن فی الکتاب و السنه یقف على أن التشریع الإسلامی تابع لملاکات،فلا واجب إلا لمصلحه فی فعله و لا حرام إلا لمفسده فی اقترافه و یشهد بذلک کتاب الله فی موارد:
یقول سبحانه: إنما یرید الشیطان أن یوقع بینکم العداوه و البغضاء فی الخمر و المیسر و یصدکم عن ذکر الله و عن الصلاه فهل أنتم منتهون (المائده/۹۱) فالآیه تعلل حرمه الخبیثین باستتباعهما العداوه و البغضاء و صدهما عن ذکر الله،یقول سبحانه: …و أقم الصلاه إن الصلاه تنهى عن الفحشاء و المنکر… (العنکبوت/۴۵) .
إلى غیر ذلک من الآیات التی تصرح بملاکات الأحکام.
و قد تضافرت النصوص عن أئمه أهل البیت علیهم السلام على أن الأحکام الشرعیه تخضع لملاکات،قال الإمام الطاهر علی بن موسى الرضا علیه السلام:«إن الله تبارک و تعالى لم یبح أکلا و لا شربا إلا لما فیه المنفعه و الصلاح،و لم یحرم إلا ما فیه الضرر و التلف و الفساد» (1) .و قال علیه السلام فی الدم:«إنه یسیء الخلق و یورث القسوه للقلب و قله الرأفه و الرحمه و لا یؤمن أن یقتل ولده و والده» (2) .
و هذا باقر العلوم و إمامها علیه السلام یقول:«إن مدمن الخمر کعابد وثن،و یورثه الارتعاش،و یهدم مروته و یحمله إلى التجسر على المحارم من سفک الدماء و رکوب الزنا» (3) .
و غیرها من النصوص المتضافره عن أئمه الدین (۴) .
فإذا کانت الأحکام تابعه لمصالح و مفاسد فی الموضوع،فالغایه المتوخاه من تشریعها إنما هی الوصول إلیها،أو التحرز عنها،و بما أن المصالح و المفاسد لیست على وزان واحد،بل رب واجب یسوغ فی طریق إحرازه اقتراف بعض المحارم،لاشتماله على مصلحه کبیره لا یجوز ترکها أصلا،و رب حرام ذی مفسده کبیره،لا یجوز اقترافه،و إن استلزم ترک الواجب أو الواجبات .
و لأجل ذلک فقد عقد الفقهاء بابا خاصا لتزاحم الأحکام و تصادمها فی بعض الموارد،فیقدمون الأهم على المهم و الأکثر مصلحه على الأقل منها،و الأعظم مفسده على الأحقر منها،و هکذا …و یتوصلون فی تمییز الأهم عن المهم،بالطرق و الامارات التی تورث الاطمئنان،و باب التزاحم فی علم الأصول غیر التعارض فیه،و لکل أحکام.
و قد أعان فتح هذا الباب على حل کثیر من المشاکل الاجتماعیه التی ربما یتوهم الجاهل أنها تعرقل خطى المسلمین فی معترک الحیاه،و أنها من المعضلات التی لا تنحل أبدا،و لنأت على ذلک بمثال و هو:
إنه قد أصبح تشریح بدن الإنسان فی المختبرات من الضروریات الحیویه التی یتوقف علیه نظام الطب الحدیث،فلا یتسنى تعلم الطب إلا بالتشریح و الاطلاع على خفایا الأمراض و الأدویه .
غیر أن هذه المصلحه،تصادمها مسأله احترام الإنسان حیه و میته،إلى حد أوجب الشارع الإسراع فی تغسیله و تکفینه و تجهیزه للدفن،و لا یجوز نبش قبره إذا دفن،و لا یجوز التمثیل به و تقطیع أعضائه،بل هو من المحرمات الکبیره التی لم یجوزها الشارع حتى بالنسبه إلى الکلب العقور،غیر أن عنایه الشارع بالصحه العامه و تقدم العلوم جعلته یسوغ اقتراف هذا العمل لتلک الغایه،مقدما بدن الکافر على المسلم و المسلم غیر المعروف على المعروف منه،و هکذا …
جـالتشریع الإسلامی ذو ماده حیویه:
إن التشریع الإسلامی فی مختلف الأبواب مشتمل على أصول و قواعد عامه تفی باستنباط آلاف من الفروع التی یحتاج إلیها المجتمع البشری على امتداد القرون و الأجیال.
أخرج الکلینی عن عمر بن قیس عن أبی جعفر الباقر علیه السلام قال:سمعته یقول إن الله تبارک و تعالى لم یدع شیئا تحتاج إلیه الأمه إلا أنزله فی کتابه و بینه لرسوله،و جعل لکل شیء حدا و جعل علیه دلیلا یدل علیه و جعل على من تعدى ذلک الحد حدا.
روى الکلینی عن أبی عبد الله علیه السلام أنه قال:ما من شیء إلا و فیه کتاب أو سنه (۵) .
و قال الإمام الطاهر موسى الکاظم علیه السلام عند ما سأله عن وجود کل شیء فی کتاب الله و سنه نبیه قال مجیبا:بل کل شیء فی کتاب الله و سنه نبیه (۶) .
نعم تتجلى حیویه ماده التشریع إذا أخذنا بسنه رسول الله المرویه عن طریق أئمه أهل البیت،فقد حفظوا سنه رسول الله صلى الله علیه و آله عند ما کانت کتابه الحدیث أمرا معرضا عنه و لذلک صارت أدله الفقه الإسلامی متوسعه کافله لاستنباط الأحکام و بذلک أغنواالأمه الإسلامیه عن مقاییس ظنیه کالقیاس و الاستقراء و ما لا دلیل علیه من الکتاب و السنه على وجه القطع و الیقین.
إن الاکتفاء بما ورد عن النبی عن طریق الصحابه و عدم الرجوع إلى ما رواه أئمه أهل البیت عن جدهم متسلسلا کابر عن کابر لخساره عظمى،فعلى المشغوف بتجدید حیاه الإسلام و إغنائه عن أی تشریع غربی و شرقی و تجسید الخاتمیه فی مجال التشریع أن یجتاز الحدود التی ضربها الأمویون و من لف لفهم بین الناس و أئمه أهل البیت علیهم السلام فعند ذلک ستنفتح آفاق من حدیث الرسول مما یحتار اللب به،و یثیر الحسره لما فات الأمه من التنور بنورهم فی القرون الماضیه.
دـتشریع الاجتهاد و عدم غلق بابه:
و مما أضفى على التشریع الإسلامی خلودا و غضاضه و شمولیه و إغناء عن موائد الأجانب،فتح باب الاجتهاد فیما تحتاج إلیه الأمه فی حیاتها الفردیه و الاجتماعیه،و من أقفله فی الأدوار السابقه قطع الأمه الإسلامیه عن مواکبه التطور و الحضاره و من ثم جعل التشریع الإسلامی ناقصا غیر کامل لما تحتاج إلیه الأمه،و أما لزوم فتحه فهو أن الأمه الإسلامیه فی زمن تتوالى فیه الاختراعات و الصناعات،و تتجدد الأحداث التی لم یکن لها مثیلفی عصر النبی و لا بعده،فهم أمام أحد أمور:
۱ـإما بذل الوسع فی استنباط أحکام الموضوعات الحدیثه من الأصول و القواعد الإسلامیه .
۲ـأو اتباع المبادىء الغربیه من غیر نظر إلى مقاصد الشریعه.
۳ـو الوقوف من غیر إعطاء حکم.
و من المعلوم بطلان الثانی و الثالث فیتعین الأول.
نعم لم یزل هذا الباب مفتوحا عند الشیعه بعد رحیل صاحب الرساله إلى یومنا هذا،و بذلک أنقذوا الشریعه من الانطماس و أغنوا الأمه الإسلامیه عن التطلع إلى موائد الغربیین.
و بما أن الاجتهاد الحر و الخروج عن قید المذاهب صار واضح اللزوم نقتصر على هذا المقدار .
هـ حقوق الحاکم الإسلامی أو ولایه الفقیه:
من الأسباب الباعثه على بقاء الدین و کونه ماده حیویه صالحه لحل المشاکل و المعضلات الطارئه،کون الحاکم الإسلامی بعد النبی و الأئمه ممثلا لقیادتهم الحکیمه فی أمور الدین و الدنیا،التی من شأنها أن توجه المجتمع البشری إلى أرقى المستویات الحضاریه،فقد فتحت لمثل هذا الحاکم الصلاحیات المؤدیه إلىحق التصرف فی کل ما یراه ذا مصلحه للأمه فی إطار القوانین العامه،لأنه یتمتع بمثل ما یتمتع به النبی و الإمام من النفوذ المطلق،إلا ما کان من خصائص النبی و الأئمه.
فبما أن المحققین أسهبوا الکلام فی معنى ولایه الفقیه اقتصرنا على هذا المقدار.
مرونه التشریع الإسلامی:
لقد سبق الحدیث عن أن استغناء التشریع الإسلامی عن کل تشریع سواه رهن أمرین:
الأول:إنه ذو ماده حیویه خلاقه للتفاصیل بحیث یقدر على الإجابه ببیان حکم جمیع الأحداث التالیه و الطارئه.
الثانی:النظر إلى الکون و المجتمع بسعه و انطلاق مع مرونه خاصه تماشی جمیع الأزمنه و الأجیال و قد مر الکلام فی الأمر الأول و إلیک الکلام حول الأمر الثانی.
إن الذی فتح للتشریع الإسلامی خلودا و غناء عن سائر التشریعات هو مرونه أحکامه التی تماشی جمیع الأزمنه و الحضارات،و قد تمثلت هذه المرونه بامور:
الأول:کونه جامعا بین الدعوه إلى الماده و الروح:
إذا غالت المسیحیه فی التوجه إلى الناحیه الروحیه،فدعت إلى الرهبانیه و التعزب،أو غالت الیهودیه فی الدعوه إلى ملاذ الحیاه و الانکباب على الماده حتى نسیت کل قیمه روحیه،فالإسلام دعا إلى المادیه و المعنویه على وجه یطابق الفطره الإنسانیه و جعل الفطره مقیاسا للحلال و الحرام و شرع للإنسان ما یسعده فی الدنیا و الآخره على ما هو مذکور بالتفصیل فی محله .
الثانی:النظر إلى المعانی لا إلى الظواهر:
الإسلام ینظر إلى المعانی و الحقائق لا الظاهر و القشور فیأمر بالأخذ باللب لا بالقشر و هذا هو السر فی خاتمیه الدین الإسلامی و تمشیه مع تطور الحیاه،و لا یتوهم من ذلک جواز التدخل فی التشریع بحجه الأخذ باللب دون القشر،فإن الکبریات الوارده فی الکتاب و السنه کلها لب و أما القشر فإنما یرجع إلى التخطیط و التجسید.
و سیوافیک عند الإجابه على السؤال الخامس من أن الإسلام دعا الإنسان إلى الملبس و المسکن و إشاعه العلم و التربیه،و هذا هو اللب و أما الأشکال و الأنماط لهذا التشریع فمتروک إلىمقتضیات العصور.
إن الذی یهتم به التشریع کون البیت مقاما على أرض غیر مغصوبه و من مال حلال بحیث یتمکن المسلم من إقامه فرائضه علیها و حفظ کیانه،و قد أناط شکل البیت و هندسته إلى مقتضیات الظروف و المصالح و کذا الملابس و وسائل التعلیم ابتداء من الحفر على الصخر و الجدران و الکتابه على الجلود و القراطیس،إلى ابتکار وسائل إلکترونیه متطوره لإنجاز الغرض،فمن أراد الحفاظ على الصور،فقد عرقل الأمه الإسلامیه عن التقدم و أثار مشاکل فی تطبیق الشریعه فی الأزمنه الحاضره.
الثالث:الأحکام التی لها دور التحدید:
من الأسباب الموجبه لمرونه هذا الدین و انطباقه على جمیع الحضارات الإنسانیه تشریعه القوانین الخاصه التی لها دور التحدید و الرقابه بالنسبه إلى عامه تشریعاته و قد اصطلح علیها الفقهاء بالأدله الحاکمه،لأجل حکومتها و تقدمها على کل حکم ثبت لموضوع بما هو هو فهذه القوانین الحاکمه،تعطی لهذا الدین مرونه یماشی لبها کل حضاره إنسانیه،مثلا:قوله سبحانه: و ما جعل علیکم فی الدین من حرج… (الحج/۷۸) حاکم على کل تشریع استلزم العمل به حرجا،لا یتحمل عاده للمکلف فهو مرفوع،فیالظروف الحرجه،و مثله قوله صلى الله علیه و آله«لا ضرر و لا ضرار»فکل حکم استتبع العمل به ضررا شدیدا،فهو مرفوع فی تلک الشرائط،و قس علیهما غیرهما من القوانین الحاکمه.
نعم تشخیص الحاکم عن المحکوم،و ما یرجع إلى العمل بالحاکم من الشرائط،یحتاج إلى الدقه و الإمعان و التفقه و الاجتهاد،و من رأینا أن الموضوع یحتاج إلى التبسط أکثر من هذا،فإلى مجال آخر أیها القارىء الکریم.
السؤال الخامس:القوانین الثابته و الحیاه المتطوره.
إن مقتضى کون الإسلام دینا خاتما،ثبات قوانینه و تشریعاته،و من المعلوم أن المجتمع الإنسانی لم یزل فی تطور و تغیر،فعند ذلک یطرح السؤال التالی:
کیف یمکن للقانون الثابت معالجه متطلبات المجتمع المتغیر،لأن من لوازم التغیر و التطور،تغییر ما تسود علیه من قوانین و تشریعات؟
هذا هو السؤال الذی یطرح بین آونه و اخرى،و الإجابه عنه تتوقف على بیان ما هو الثابت من حیاه الإنسان عن متغیرها،و أن للثابت من جانب حیاته تشریعا ثابتا،و للجانب المتغیر منهاتشریعا متغیرا فالتشریع الثابت لما هو الثابت و المتغیر لما هو المتغیر،و إلیک البیان :
الجانب الثابت من حیاه الإنسان:
۱ـإن للحیاه الإنسانیه جانبین:متغیر و ثابت،فالثابت منها عباره عن الغرائز الثابته و الروحیات الخالده التی لا تتغیر و لا تتبدل ما دام الإنسان إنسانا و لا یتسرب التغیر إلیها.
فالإنسان الاجتماعی بما هو موجود ذو غرائز یحتاج لحفظ حیاته و بقاء نفسه إلى العیش الاجتماعی و الحیاه العائلیه،و هذان الأمران من أسس حیاه الإنسان لا تفتأ تقوم علیهما حیاته منذ وجوده إلى یومنا هذا.
فإذا کان التشریع الموضوع منسجما و متطلبات الغرائز و معدلا إیاها عن الإفراط و التفریط و مرتکزا على العدل و الاعتدال فذلک التشریع یکون خالدا فی ظل خلود الغرائز.
۲ـإن التفاوت بین الرجل و المرأه أمر لا ینکر فهما موجودان مختلفان اختلافا عضویا و روحیا رغم کل الدعایات السخیفه المنکره لذلک الاختلاف فلکل من الرجل و المرأه متطلب وفق ترکیبه،فلو کان التشریع متجاوبا مع الترکیب و الفطره،یکونخالدا حسب خلود الفکره و الترکیب.
۳ـالروابط العائلیه کعلاقه الأب بولده و بالعکس،علاقات طبیعیه مبنیه على الفطره،فالأحکام الموضوعیه وفق هذه الروابط من التوارث و لزوم التکریم ثابته لا تتغیر بتغیر الزمان.
إن السؤال مبنی على أن الإنسان بفطرته و ترکیبه یقع فی مهب التغیر،و التطور،فلا یبقى منه شیء عبر القرون،فکأن الإنسان الحالی غیر الإنسان الغابر،مع أنها فکره باطله،فلو کان هناک تغیر فإنما یعود هذا إلى غیر الجانب الثابت من حیاته.
۴ـإن فی حیاه الإنسان قضایا أخلاقیه ثابته عبر الزمان لا یتسرب إلیها التغییر ککون الظلم قبیحا و العدل حسنا،و جزاء الإحسان بالإحسان حسنا و بالسیىء قبیحا،و العمل بالمیثاق حسنا و نقضه قبیحا،إلى غیرها من القضایا الأخلاقیه الثابته فی حیاه الإنسان.سواء أ قلنا بأنها أحکام فطریه نابعه من الخلقه أو قلنا ان هناک عوامل عبر التاریخ رسخت هذه المفاهیم فی ذهن الإنسان،فإن الاختلاف فی جذور تلک المثل لا یضر بما نحن بصدده لأنها على کل تقدیر ثابته فی حیاه الإنسان،و التشریع الموضوع وفقها یتمتع بالثبات.
إن هناک موضوعات فی الحیاه الإنسانیه لم تزل ذات مصالحو مفاسد أبدیه،فما دام الإنسان إنسانا فالخمر یزیل عقله و المیسر ینبت العداوه فی المجتمع،و الإباحه الجنسیه تفسد النسل و الحرث مدى الدهور و الأجیال،فبما أن هذه القضایا قضایا ثابته فی حیاته،فالتشریع على وفقها یکون ثابتا وفق ثباتها.
فهذه نماذج من الجانب الثابت من حیاه الإنسان تناولناها لإیقاف القارىء على أن التغیر فی حیاه الإنسان لیس أمرا کلیا و لا یتسرب إلى أعماق حیاته،و إنما التغیر یرجع إلى صور من حیاته فالتغیرـکما سیوافیک بیانهـإنما یکون مثلا:فی المواصلات،و فی التکتیک الحربی،و فی طراز البناء و أشکاله و فی معالجه الأمراض و غیرها،فأین مثل هذا التغیر من حرمه الظلم،و وجوب العدل،و لزوم أداء الأمانات،و دفع الغرامات،و لزوم الوفاء بالعهد و الأیمان،و تکریم ذوی الحقوق إلى غیر ذلک من القوانین الثابته الموضوعه على غرار الفطره مبنیا على الجانب الثابت من حیاته فهو یحتل مکان التشریع الدائم.
الجانب المتغیر فی الحیاه الإنسانیه:
إن للإنسان جانبا آخر فی حیاته لا یزال یتغیر من حال إلى حال فمثل هذا یتطلب تشریعات متغیره حسب تغیره و تبدله،و من حسن الحظ أنه لیس فی الإسلام الخاتم تشریعا ثابتا لهذاالجانب من الحیاه مظاهر حیاته و قشورها لا جوهرها و لذلک لم یتدخل فیه الإسلام تدخلا مباشرا،بل ترک أمرها للمجتمع الإسلامی فی ظل إطار خاص.و سوغ للمجتمع البشری إداره شؤون حیاته فی مجال العمران و البناء و تطور وسائل الحیاه المختلفه فی مجال الثقافه و الدفاع و الاقتصاد فی ظل إطار عام الذی یتجاوب مع التغیر و التطور.
فترک للإنسان مجالا متحرکا یختار به أی نوع من الألبسه و البناء و المعدات و الوسائل المختلفه ضمن شروط معلومه فی الفقه الإسلامی،و لأجل هذه المرونه فی الإنسان نرى أنه یتجاوب مع جمیع الحضارات الإنسانیه و ما هذا إلا لأنه لم یتدخل فی الجزئیات المتغیره إلا بوضع إطار خاص لا یمنع حریته و لا یزاحم التغیر،و هناک کلمه قیمه للشیخ الرئیس ابن سینا نذکرها،قال:
یجب أن یفوض کثیر من الأحوال خصوصا فی المعاملات إلى الاجتهاد فإن للأوقات أحکاما لا یمکن أن تنضبط،و أما ضبط المدینه بعد ذلک بمعرفه ترتیب الحفظه و معرفه الدخل و الخرج و إعداد أهب الأسلحه و الحقوق و الثغور و غیر ذلک فینبغی أن یکون ذلک إلى السائس من حیث هو خلیفه و لا تفرض فیها أحکام جزئیه،فإن فی فرضها فسادا لأنها تتغیر مع تغیر الأوقات،و فرض الکلیات فیها مع تمام الاحتراز غیر ممکن فیجب أن یجعلذلک إلى أهل المشوره (۷) .
نعم إن عنوان مقتضى الزمان صار رمزا لکل من أراد أن یتحرر من القیم الأخلاقیه،و یعیش متحللا من کل قید و حد،خالعا کل عذار.
و هؤلاء حیثما رأوا الإباحه الجنسیه،و اختلاط الرجال و النساء،و اتخاذ الملاهی على أنواعها و شرب المسکر،و اللعب بالمیسر،و اقتراف المعاصی و أخذ الربا و غیر ذلک مما حرمته الشریعه الإسلامیه،لم یجدوا مبررا لاقترافها إلا بالتمسک بمقتضیات الزمان و جبر التاریخ.
و هذا أبرز دلیل على ان التمسک به،غطاء للتحرر من القیود الشرعیه و الأخلاقیه و إلا فلو کان المقصود من تطبیق الحیاه على مقتضیات الزمان،هو ترفیع الثقافه الإنسانیه و الاستفاده من أحدث الأجهزه فی عامه المجالات فهذا مما لا یرفضه الإسلام و لیس له فیه قانون یعرقل خطى الترقی،و حدوده بإطار عام،و هو عباره أن لا یزاحم سعاده الإنسان و أن لا یکون فیه ضرر على روحه و جسمه،و القیم التی بها یمتاز عن الحیوان.
و ها نحن نأتی فی المقام بنماذج من الأحکام المتغیره بتغیرالظروف وراء ما ذکرناه فی مجال الصناعه و المسکن و الملبس بشرط أن لا یزاحم المثل و القیم.
۱ـفی مجال العلاقات الدولیه الدبلوماسیه:
یجب على الدوله الإسلامیه أن تراعی مصالح الإسلام و المسلمین،فهذا أصل ثابت و قاعده عامه،و أما کیفیه تلک الرعایه،فتختلف باختلاف الظروف الزمانیه و المکانیه،فتاره تقتضی المصلحه السلام،و المهادنه و الصلح مع العدو،و أخرى تقتضی ضد ذلک.
و هکذا تختلف المقررات و الأحکام الخاصه فی هذا المجال،باختلاف الظروف و لکنها لا تخرج عن نطاق القانون العام الذی هو رعایه مصالح المسلمین،کقوله سبحانه:
و لن یجعل الله للکافرین على المؤمنین سبیلا (النساء/۱۴۱) .
و قوله سبحانه: لا ینهاکم الله عن الذین لم یقاتلوکم فی الدین و لم یخرجوکم من دیارکم أن تبروهم و تقسطوا إلیهم إن الله یحب المقسطین*إنما ینهاکم الله عن الذین قاتلوکم فی الدین و أخرجوکم من دیارکم و ظاهروا على إخراجکم أن تولوهم و من یتولهم فأولئک هم الظالمون (الممتحنه/۸ـ۹) .
۲ـفی العلاقات الدولیه التجاریه:
قد تقتضی المصلحه عقد اتفاقیات اقتصادیه و إنشاء شرکات تجاریه،أو مؤسسات صناعیه،مشترکه بین المسلمین و غیرهم،و قد تقتضی المصلحه غیر ذلک.و من هذا الباب حکم الإمام المغفور له،المجدد،السید الشیرازی بتحریم التدخین لیمنع من تنفیذ الاتفاقیه الاقتصادیه التی عقدت فی زمانه بین إیران و إنکلترا،إذ کانت مجحفه بحقوق الأمه المسلمه الإیرانیه لأنها خولت لإنکلترا حق احتکار التنباک الإیرانی.
۳ـفی مجال الدفاع عن حریم الإسلام:
الدفاع عن بیضه الإسلام و حفظ استقلاله و صیانه حدوده من الأعداء،قانون ثابت لا یتغیر،فالمقصد الأسنى لمشرع الإسلام،إنما هو صیانه سیادته عن خطر أعدائه و أضرارهم،و لأجل ذلک أوجب علیهم تحصیل قوه ضاربه ضد الأعداء،و إعداد جیش عارم جرار تجاه الأعداء کما یقول سبحانه : و أعدوا لهم ما استطعتم من قوه (الأنفال/۶۰) فهذا هو الأصل الثابت فی الإسلام الذی یؤیده العقل و الفطره أما کیفیه الدفاع و تکتیکه و نوع السلاح،أو لزوم الخدمه العسکریه و عدمه،فکلها موکوله إلى مقتضیات الزمان،تتغیر بتغیره،و لکن فی إطار القوانین العامهفلیس هناک فی الإسلام أصل ثابت،حتى مسأله لزوم التجنید العمومی،الذی أصبح من الأمور الأصلیه فی غالب البلاد.
و ما نرى فی الکتب الفقهیه من تبویب باب،أو وضع کتاب خاص،لأحکام السبق و الرمایه،و غیرها من أنواع الفروسیه التی کانت متعارفه فی الأزمنه الغابره و نقل أحادیث فی ذلک الباب عن الرسول الأکرم صلى الله علیه و آله و أئمه الإسلام،فلیست أحکامها أصلیه ثابته فی الإسلام،دعا إلیها الشارع بصوره أساسیه ثابته،بل کانت هی نوع تطبیق لذلک الحکم،و الغرض منه تحصیل القوه الکافیه،تجاه العدو فی تلکم العصور و أما الأحکام التی ینبغی أن تطبق فی العصر الحاضر فإنه تفرضها مقتضیات العصر نفسه.
فعلى الحاکم الإسلامی تقویه جیشه و قواته المسلحه بالطرق التی یقدر معها على صیانه الإسلام و معتنقیه عن الخطر و یصد کل مؤامره علیه من جانب الأعداء حسب إمکانیات الوقت.
و المقنن الذی یتوخى ثبات قانونه و دوامه و سیاده نظامه الذی جاء به،لا یجب علیه التعرض إلى تفاصیل الأمور و جزئیاتها،بل الذی یجب علیه هو وضع الکلیات و الأصول لیسایر قانونه جمیع الأزمنه بأشکالها و صورها المختلفه،و لو سلک غیر هذا السبیل لصار حظه من البقاء قلیلا جدا.
۴ـفی نشر العلم و المعارف و الثقافه:
نشر العلم و الثقافه،و استکمال المعارف التی تضمن سیاده المجتمع مادیا و معنویا،یعتبر من الفرائض الإسلامیه،أما تحقیق ذلک و تعیین نوعه و نوع وسائله فلا یتحدد بحد خاص،بل یوکل إلى نظر الحاکم الإسلامی،و اللجان المقرره لذلک من جانبه حسب الإمکانیات الراهنه فی ضوء القوانین الثابته.
و بالجمله:فقد ألزم الإسلام،رعاه المسلمین،و ولاه الأمر نشر العلم بین أبناء الإنسان و اجتثاث ماده الجهل من بینهم و مکافحه أی لون من الأمیه،و أما نوع العلم و خصوصیاته،فکل ذلک موکول إلى نظر الحاکم الإسلامی و هو أعلم بحوائج عصره.
فرب،علم لم یکن لازما،لعدم الحاجه إلیه،فی العصور السابقه،و لکنه أصبح الیوم فی الرعیل الأول من العلوم اللازمه التی فیها صلاح المجتمع کالاقتصاد و السیاسه.
۵ـفی مجال إقامه النظام:
حفظ النظام و تأمین السبل و الطرق،و تنظیم الأمور الداخلیه و رفع مستوى الاقتصاد و. ..من الضرورات،فیتبع فیه و أمثاله مقتضیات الظروف و لیس فیه للإسلام حکم خاص یتبع،بلالذی یتوخاه الإسلام هو الوصول إلى هذه الغایات،و تحقیقها بالوسائل الممکنه،دون تحدید و تعیین لنوع هذه الوسائل و إنما ذلک متروک إلى إمکانیات الزمان الذی یعیش فیه البشر،و کلها فی ضوء القوانین العامه.
۶ـفی مجال المبادلات المالیه:
قد جاء الإسلام بأصل ثابت فی مجال الأموال و هو قوله سبحانه: و لا تأکلوا أموالکم بینکم بالباطل (البقره/۱۸۸) و قد فرع الفقهاء على هذا الأصل شرطا فی صحه عقد البیع أو المعامله فقالوا:یشترط فی صحه المعامله وجود فائده مشروعه و إلا فلا تصح المعامله و من هنا حرموا بیع (الدم) و شراءه.
إلا أن تحریم بیع الدم أو شراءه لیس حکما ثابتا فی الإسلام بل الحکم الثابت هو حرمه أکل المال بالباطل،و کانت حرمه الدم فی الزمان السابق صوره إجرائیه لما أفادته الآیه من حرمه أکل المال بالباطل و مصداقا لها فی ذلک الزمان فالحکم یدور مدار وجود الفائده (التی تخرج المامله عن أن تکون أکل المال بالباطل) و عدم تحقق الفائده،فلو ترتبت فائده معقوله على بیع الدم أو شرائه فسوف یتبدل حکم الحرمه إلى الحلیه،و الحکم الثابت هنا هو قوله تعالى: و لا تأکلوا أموالکم بینکم بالباطل .و فی هذا المضمار ورد أن علیا علیه السلام سئل عن قوله الرسول صلى الله علیه و آله:غیروا الشیب و لا تشبهوا بالیهود؟فقال :علیه السلام:«إنما قال صلى الله علیه و آله ذلک و الدین قل،فأما الآن فقد اتسع نطاقه و ضرب بجرانه فالمرء و ما اختار» (8) .
________________________________________________________________________________
(۱) النوری،مستدرک الوسائل ۳: .۷۱
(۲) المجلسی،بحار الأنوار ۶۲:۱۶۵،الحدیث .۳
(۳) المجلسی،بحار الأنوار ۶۲:۱۶۴،الحدیث .۲
(۴) راجع علل الشرائع للشیخ الصدوق فقد أورد فیه ما أثر عن النبی صلى الله علیه و آله و الأئمه علیهم السلام فی بیان علل التشریع.
(۵) الکلینی ۱/۵۹ـ۶۲ باب الرد الى الکتاب و السنه.
(۶) الکلینی ۱/۵۹ـ۶۲ باب الرد الى الکتاب و السنه.
(۷) الشفاء،قسم الإلهیات: .۵۶۶
(۸) نهج البلاغه،الحکمه رقم: .۱۶
على مائده العقیده ۱۴
جعفر السبحانی