إثبات وجود الله سبحانه وتعالى برهان الوجوب والإمکان
۱- واجب الوجود: و تعنی ذلک الموجود الذی یکون وجوده ضروریاً دائماً و أبداً ، فلا یخلو من وجوده زمان أو مکان، ولأنّ وجوده واجباً فهو موجود باستمرار، ولا یمکن تصوّر عدمه ، لأنّ الوجود نابع من ذاته ، وهو من صفاته الذاتیه . ولأنّ العدم صفه عرضیه، والصفات العرضیه لا یمکنها أن تلغی الذات ، لذلک لا یمکن للعدم أن یلغى وجوده سبحانه وتعالى ، لأننا فرضنا أنّ وجوده جلّ وعلا واجباً حسب التعریف . و لا یوجد شیئ فی الکون (واجب الوجود) سوى الله سبحانه و تعالى ، لأنّه موجود منذ الأزل ، و لم یسبق وجوده العدم فیقال ما العله فی وجوده ، و لم یخل منه زمان فیقال متى وجد . وقد کان ولا یزال موجوداً قبل خلق الزمان و المکان . وهو الذی خلق الزمان و المکان فلا بدّ أن یکون موجوداً قبلهما .
ولما کانت الموجودات الأخرى بحاجه إلى خالق وموجد ، فلا بد أن یکون هذا الخالق موجوداً قبل کلّ موجود، ووجوده من ذاته لا من موجد آخر. فإنّ الوجود للموجودات صفه عرضیه ، والصفات العرضیه لا بدّ أن ترجع إلى من یتصف بها بالذات . فیکون وجوده سبحانه وتعالى ذاتیا.
۲- ممکن الوجود:
و یشمل هذا کلّ الموجودات فی الکون من سماء و أرض و بحار و أشجار وملائکه و جنّ و أنس و حیوانات و غیرها . و تسمى ( ممکنه الوجود) لأنّ وجودها ممکن بمعنى أنّه لیس مستحیلاً . کما أنّ عدمها ممکن ، لأنّ وجودها لیس واجباً . فهی فی حاله وسط بین الوجود و العدم . فإن وجد سبب لخلقها و ایجادها وجدت. و إن لم یوجد سبب لخلقها أو بقائها ظلت فی العدم .
و الدلیل على أنّ الموجودات (سوى الله سبحانه و تعالى) کلها (ممکنه الوجود) لأنّّّها لم تکن موجوده فی یوم من الأیام ثُمّ وجدت بعد أن خلقها الله سبحانه و تعالى و أفاض علیها نعمه الوجود. فلو کانت واجبه الوجود لکانت أزلیه سرمدیه ، و نعلم بالبداهه أنّها لیست کذلک . فالإنسان و الحیوان و النبات لهم عمر محدود . و للمجموعه الشمسیه عمر معین . و لخلق الکون زمن معین یقدره العلماء بحوالی ۱۴ ملیار سنه . إذن قبل ذلک لم یکن الکون موجوداً . و هذا یعنی أنّ وجوده لیس واجباً ، بل ممکناً ، و لذلک أمکن إیجاده وإخراجه من حاله العدم إلى حاله الوجود.
۳- ممتنع الوجود:
و هی الأمور التی یمکن أن یتعقلها العقل و لکن یستحیل وجودها فی الخارج مثل جمع النقیضین أو اجتماع المثلین فی زمان و مکان واحد و بالشروط الأخرى لذلک. و هذه الأمور لا یمکنها أن تنعم بنعمه الوجود ، لأنّ وجودها ممتنع أی مستحیل و غیر ممکن .
و من هنا یتبین أنّ الموجودات فی الواقع هی على قسمین أمّا واجبه الوجود أو ممکنه الوجود ، و القسم الثالث لیس من أقسام الوجود، بل من الأمور التی یتعقلها العقل، ولکن یستحیل وجودها فی الخارج .
الممکنات بحاجه إلى عله لوجودها:
عرفنا أنّ الکون بکلّ ما فیه من موجودات هو من نوع ( ممکن الوجود) و یحتاج إلى عله و سبب یفیض علیه الوجود لکی یوجد . و السؤال هنا هل أنّ العله لوجود الکون هی (ممکنه الوجود) أیضاً ؟ فان کانت کذلک فإنّها ستحتاج بدورها إلى عله أخرى تخرجها من العدم إلى الوجود .
ونتسلسل هکذا إلى أن نصل إلى (العله الأولى) لکلّ المخلوقات و التی یجب أن تکون (واجبه الوجود) و لا تحتاج فی وجودها إلى عله ، لأنّ عله وجودها نفسها حسب التعریف السابق .
و لو تسلسلت العلل و المعلولات الممکنه الوجود إلى ما لا نهایه فسوف یؤدی ذلک إلى (التسلسل) الباطل فلسفیاً ، و هو ما لا یمکن . أو یؤدی إلى (الدور) و هو باطل أیضاً.
فلا خیار لنا فی هذه الحاله سوى الإقرار بأنّ المخلوقات (الممکنه ) لها علل مختلفه تؤدّی بالنهایه إلى (عله واجبه).
و لکی تتوضح الفکره لنفکر فی وجودنا نحن ، فإنّا من نوع ( ممکن الوجود) و لذلک وجدنا قبل خمسین سنه مثلاً . و السبب فی وجودنا هو آباءنا . و لما کان آباءنا أیضا من نوع (ممکن الوجود) فإنّ وجودهم کان بسبب آباءهم و هکذا نستمر فی سلسله العلل و المعلولات حتى نصل إلى آدم (علیه السلام) و الذی خلقه الله سبحانه و تعالى من التراب ، و التراب کان من الأرض ، و الأرض انفصلت من الشمس ، و الشمس تکونت من الانفجار العظیم (حسب النظریه العلمیه المعروفه) . فإذن کلّ مخلوق له سبب و عله لوجوده لأنّه ( ممکن الوجود) و لکن بالتالی سنصل إلى الموجود الذی خلق الماده الأولى التی هی سببت الانفجار العظیم ومنه خلقت السماوات و الأرض ، و من ثُمّ الکائنات الحیه . و هذا الموجود الأول هو (عله العلل) و (العله الأولى) و(واجب الوجود) الذی لا یحتاج لوجوده إلى عله خارجه عن ذاته ، وهو الله سبحانه و تعالى.
من خلق الله ؟:
هذا السؤال یدور فی ذهن بعض الناس ، إذ یقولون ما دام کلّ شیء بحاجه إلى خالق ، اذن من خلق الله ؟ والجواب على ذلک :
أوّلاً : إنّ الله سبحانه وتعالى ( قدیم ) أى غیر مسبوق بالعدم فهو أزلی سرمدی ، کان منذ الما لانهایه ، قبل أن یکون الزمان أو المکان ، وهو الذی خلقهما فیما بعد . ولأنّ وجوده کان دائماً ، ولم یسبقه عدم أو زوال، فلذلک لا یحتاج إلى خالق أو موجد ،لأنّ وجوده نابع من ذاته . أمّا المخلوقات الأخرى فهی (حادثه ) لأنّها وجدت فی زمان معین ، حتى لو کان هذا الزمان قبل أربعه عشر ملیار سنه . ولأنّها لم تکن ثُمّ کانت فهی تحتاج إلى مکون وموجد لها .
ثانیاً : اتضح من الشرح السابق أنّه لیس کلّ الموجودات بحاجه إلى خالق و موجد و إنّما (الموجود الممکن) یحتاج إلى عله لوجوده ، أمّا الله سبحانه و تعالى فإنّه (واجب الوجود) فلا یحتاج إلى عله خارجیه لوجوده ، فهو موجود دائماً و أبداً ، و کان و لم یزل و لا یزال موجوداً ، وهو القدیم الأزلی السرمدی الذی وجوده نابع من ذاته و لیس عارضاً علیها .
و لزیاده توضیح الفکره من المفید أن نتعرف على معنى الصفه الذاتیه و الصفه العرضیه و الفرق بینهما لکی یحل الإشکال بشکل کامل.
الصفات الذاتیه و الصفات العرضیه:
الصفات الذاتیه هی الصفات الضروریه للذات الموجوده ، وبدونها لا یمکن لها أن تبقى موجوده .
أمّا الصفات العرضیه فهی الصفات التی تطرأ على الموجود وبذلک تکون زائده على الذات . وبما أنّ وجودها لیس أساسیاًَ ، لذلک یمکن أن تسلب منه أو تستبدل بغیرها من دون أن یؤثر ذلک على وجود الموجود .
ومن خصائص الصفات الذاتیه أنّها لا تحتاج إلى عله لوجودها سوى الذات نفسها. أمّا الصفات العرضیه فهی بحاجه إلى عله أخرى ذاتیه تستمدّ وجودها منها وهذا ما یعبر عنه فی الفلسفه بأنّ ( ما بالعرض ینتهی إلى ما بالذات ) . فالقطن الأبیض لا یحتاج إلى سبب لبیاضه سوى ذاته البیضاء لأنّا افترضنا أنّه أبیض. وبدون صفه البیاض سوف یفقد القطن الأبیض وجوده کأبیض . أمّا لو صبغ القطن الأبیض باللون الأحمر- مثلاً – فیصحّ لنا أن نسأل لماذا صار القطن أحمراً ؟ لأنّ اللون الأحمر عارض علیه ولیس ذاتیاً له . ولکنّ اللون الأحمر بدوره یجب أن ینتهى إلى ما هو أحمر بالذات مثل الدم مثلاّ لأنّ طبیعه الدم أن یکون أحمراً .
ومثال آخر فأنّ کلّ شئ حلو یستمدّ حلاوته من وجود السکّر فیه ، أمّا السکّر نفسه فإنّه حلو لذاته ، ولا یحتاج إلى سکر آخر لتحلیته. وهکذا بالنسبه إلى النور فإنّ کلّ شیء مضاء بسبب وجود النور وانعکاسه علیه ، أمّا النور نفسه فإنّه مضیء بنفسه ولیس بسبب آخر خارج عن ذاته . وکذلک بالنسبه إلى الماء فإنّه رطب بذاته ولا یصحّ أن نسأل لماذا الماء رطباًَ أو سائلاً . ولکن لو کانت یدیّ مبتله أو الطاوله مبتله فإنّه یمکن الاستفهام عن سبب البلل فیهما، لأنّ یدىّ والطاوله جافان ذاتیاً ، والبلل عارض علیهما، ولذلک من حقنا أن نسأل عن السبب فی بللهما . وحینما نجیب بأنّ سبب البلل هو سکب الماء علیهما فلا یسأل أحد ولماذا صار الماء مبتلاً؟ لأنّه یعلم أنّ البلل من الصفات الذاتیه للماء و ( الذاتی لا یعلل ) لأنّ علته نابعه من ذاته ولیست عارضه علیه .
وبعد أن عرفنا معنى الصفات الذاتیه یتوضح لدینا الجواب بأنّ وجود الله سبحانه وتعالى لیس بحاجه إلى عله خارجه عن ذاته ، لأنّ عله وجوده هی ذاته المقدسه جلّ وعلا لأنّه (واجب الوجود)وذاته کانت ولا تزال موجوده ولا یمکن تصوّر العدم بشانها مهما تغیرت الظروف .
لذلک یمکن القول بأنّ کلّ شیىء موجود بالله سبحانه وتعالى ، والله موجود بنفسه .
الدلیل من القرآن الکریم والأحادیث الشریفه:
تعرّض القرآن الکریم إلى هذا الدلیل وغیره من أدله اثبات وجود الله سبحانه وتعالى فی آیات کثیره ، منها قوله تعالى :
۱- ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَیْرِ شَیْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) سوره الطور ، آیه۳۵٫
والسؤال فی الآیه الکریمه یحمل الجواب معه ، لأنّه اذا کان من غیر الممکن أن نخلق من لا شیىء إذ لابدّ لکلّ معلول من عله توجده ، ولم نخلق نحن أنفسنا ، فلا خیار سوى الایمان بأنّ الله سبحانه وتعالى هو الذی خلقنا .
۲- ( یَا أَیُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِیُّ الْحَمِیدُ ) سوره فاطر ، آیه۱۵ .
وهنا تشیر الآیه إلى الفقر المطلق لکلّ الناس ، وهذا الفقر على قسمین : أولاً هم فقراء فی وجودهم ویحتاجون إلى عله تفیض علیهم نعمه الوجود لکی یخرجوا من ظلمات العدم إلى نور الوجود . وثانیاً فإنّ الناس فقراء لحاجتهم إلى عله مبقیه لهم تکون سبباً فی استمرار بقائهم أحیاء وموجودین ولولاها لفنوا ورجعوا إلى العدم ثانیه . وما ذلک إلاّ لأنّ الناس من نوع (ممکن الوجود) الذی یحتاج إلى عله لخلقه واستمرار وجوده.
أمّا الله سبحانه وتعالى فهو الغنیّ المطلق لأنّه (واجب الوجود ) فلا یحتاج لعله توجده أو تبقیه ، وهو غنی عن العالمین .
۳- (وَاللَّهُ الْغَنِیُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ) سوره محمد ، آیه ۳۸ . وغیرها آیات کثیره .
۴- وروى الامام الصادق (علیه السلام) عن أبیه ، قال : (قال رسول الله (صلى الله علیه وآله) فی بعض خطبه : الحمد لله الذی کان فی أولیته وحدانیا ، وفی أزلیته متعظما بالالهیه ، متکبراًَ بکبریائه وجبروته . ابتدأ ما ابتدع ، وأنشأ ما خلق على غیر مثال کان سبق بشیء مما خلق) .
۵- وفی توحید الصدوق ، جاء یهودی إلى علی بن ابی طالب(علیه السلام) فقال : یا أمیر المؤمنین متى کان ربنا ؟ فقال له علی (علیه السلام): (إنّما یقال : متى کان لشیء لم یکن فکان ، وربنا تبارک وتعالى هو کائن بلا کینونه کائن ، کان بلا کیف یکون ، کائن لم یزل بلا لم یزل ، وبلا کیف یکون ،کان لم یزل لیس له قبل . هو قبل القبل بلا قبل وبلا غایه ولا منتهى . غایه ولا غایه الیها . غایه انقطعت الغایات عنه ، فهو غایه کلّ غایه) .
۶- وورد فی الدعاء و عن الامام الباقر (علیه السلام) : ( یا ذا الذی کان قبل کلّ شیء ، ثُمّ خلق کلّ شیء ، ثُمّ یبقى ویفنى کلّ شیء . ویا ذا الذی لیس فی السماوات العلى ولا فی الأرضین السفلى ولا فوقهن ولابینهن ولا تحتهن اله یعبد غیره ) .
والحمد لله رب العالمین ، والصلاه والسلام على محمد وآله الطاهرین .