هل دعوه الصالحین عباده لهم؟

0

تبیّن من البحوث السابقه أنّ طلب الحاجه من غیر اللّه مع الاعتقاد بأنّ المسؤول لا یملک شیئاً من شؤون المقام الإلهی، وأنّه عبد من عبیده لم یفوِّض إلیه شیئاً، ولو قام بفعل شیء ما فإنّما یقوم به بإذن اللّه، فلا یُعدُّ ذلک شرکاً.
وبقی فی هذا المجال مطلب آخر، وهو أنّ القرآن الکریم نهى ـ فی موارد متعدّده ـ عن دعوه غیر اللّه سبحانه، واعتبر أنّ تلک الدعوه عباده وکأنّه قد اقترنت الدعوه بالعباده، وإلیک الآیات المتضمّنه، بل المصرّحه بذلک:
(وَان الْمَساجِدَ للّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً ) .( [۱])
(لَهُ دَعْوَهُ الحَقّ وَالَّذِینَ یَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا یَسْتَجیبُونَ لَهُمْ بِشَیْء… ) .( [۲])
(وَالَّذِینَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا یَسْتَطِیعُونَ نَصْرَکُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ یَنْصُرُونَ ) .( [۳])
(…وَالَّذِینَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما یَمْلِکُونَ مِنْ قِطْمِیر ) .( [۴])
(إِنَّ الَّذینَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمْثالُکُمْ… ) .( [۵])
(قُلِ ادْعُوا الَّذِینَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونهِ فَلا یَمْلِکُونَ کَشْفَ الضُّرّ عَنْکُمْ وَلا تَحْویلاً ) .( [۶])
(أُولئِکَ الَّذِینَ یَدْعُونَ یَبْتَغُونَ إِلى رَبّهِمُ الوَسِیلَه ) .( [۷])
(وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا یَنْفَعُکَ وَلا یَضُرُّکَ… ) .( [۸])
(إِنْ تَدْعُوهُمْ لا یَسْمَعُوا دُعَ آءَکُمْْ… ) .( [۹])
(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ یَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ مَنْ لا یَسْتَجیبُ لَهُ إِلى یَومِ الْقِیامَهَ… ) .( [۱۰])
ولقد استنتج الوهابیّون من هذه الآیات مساوقه دعوه الصالحین والأولیاء مع عبادتهم، فلو وقف شخص إلى جنب قبر النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) أو فی مکان بعید وقال متوسّلاً: یا محمد، فنداؤه ودعوته بنفسها عباده للمدعو،کما یقول الصنعانی فی هذا الصدد:
«وقد سمّى اللّه الدعاء: عباده بقوله: (أُدْعُونی أَسْتَجِب لَکُمْ إِنَّ الّذینَ یَسْتَکْبِرُونَ عَنْ عِبادتی ) ومن هتف باسم نبی أو صالح بشیء أو قال اشفع لی
إلى اللّه فی حاجتی أو استشفع بک إلى اللّه فی حاجتی أو نحو ذلک أو قال: اقض دینی أو اشف مریضی أو نحو ذلک فقد دعا ذلک النبی و الصالح، والدعاء عباده بل مخها، فیکون قد عبد غیر اللّه و صار مشرکاً، إذ لا یتم التوحید إلاّبتوحیده تعالى فی الإلوهیه باعتقاد أن لا خالق ولا رازق غیره، وفی العباده بعدم عباده غیره ولو ببعض العبادات، وعبّاد الأصنام إنّما أشرکوا لعدم توحید اللّه فی العباده».( [11])
ویرد على کلام الصنعانی هذا أنّه لا مریه أنّ لفظه الدعاء تعنی فی لغه العرب: النداء لطلب الحاجه، بینما تعنی لفظه العباده معنى آخر، وهو: «الخضوع النابع من الاعتقاد بالإلوهیه والربوبیه» ولا یمکن اعتبار المفهومین مترادفین ومشترکین فی المعنى، أی لا یمکن القول إنّ کلّ نداء وطلب یساوق العباده والخضوع، وذلک للأسباب التالیه:
أوّلاً: إنّ القرآن استعمل لفظه الدعوه والدعاء فی موارد لا یمکن أن یکون المراد فیها العباده مطلقاً، مثل قوله تعالى:
(قالَ رَبِّ إِنِّی دَعَوتُ قَومی لَیْلاً وَنَهاراً ) .( [۱۲])
فهل یمکن أن نقول: إنّ نوحاً (علیه السلام) قد عبد قومه لیلاً ونهاراً؟!
وکذلک قال تعالى حاکیاً عن الشیطان قوله:
(…وَما کانَ لِی عَلَیْکُمْ مِنْ سُلْطان إِلاّ أَنْ دَعَوتُکُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لی… ) .( [۱۳])
فهل یحتمل أن یکون مقصود الشیطان هو أنّه عبد أتباعه؟ فی حین أنّ العباده ـ لو صحت وافترضت ـ فإنّما تکون من جانب أتباعه له لا من جانبه اتجاه أتباعه.
فی هذه الآیات ونظائرها ـ و التی لم نذکرها روماً للاختصار ـ استعملت لفظه الدعاء والدعوه فی غیر معنى العباده، ولهذا لا یمکن أن نعتبرهما مترادفتین،ولذلک فلو دعا إنسان ولیاً أو نبیاً أو رجلاً صالحاً، فإنّ عمله ذلک لا یکون عباده له، وذلک لأنّ الدعاء أعمّ من العباده.( [۱۴])
ثانیاً: إنّ المقصود من الدعاء فی مجموع الآیات المذکوره هو لیس مطلق النداء، بل نداء خاص یمکن أن یکون ـ مآلاً ـ مرادفاً للفظ العباده، لأنّ مجموع هذه الآیات وردت حول الوثنیین الذین کانوا یتصوّرون بأنّ أصنامهم آلهه صغار قد فوّض إلیها بعض مقام الشأن الإلهی، ویعتقدون فی شأنها بنوع من الاستقلال فی الفعل، ومعلوم أنّ الخضوع والتذلّل أو أی نوع من القول والعمل أمام شیء باعتقاد أنّه إله کبیر أو إله صغیر لکونه ربّاً أو مالکاً لبعض الشؤون الإلهیه کالشفاعه والمغفره،یکون عباده ولا شکّ أنّ خضوع الوثنیین ودعاءهم واستغاثتهم أمام أوثانهم کانت تنبع من اعتقادهم أنّ هذه الأصنام آلهه أو أرباب أو مالکه لحق الشفاعه و…، وباعتقاد أنّها مستقله فی التصرف فی أُمور الدنیا والآخره، ومن البدیهی أنّ أی دعوه لهذه الموجودات وغیرها مع هذه الشروط
عباده لا محال.
وأوضح شاهد على أنّ دعوتهم کانت مقرونه باعتقاد إلوهیه تلک الأصنام الآیه التالیه:
(…فَما أَغْنَتْ عَنْهُمءَالِهَتُهُمُ الَّتی یَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ شَیْء… ) .( [۱۵])
وعلى هذا الأساس فإنّ الآیات المذکوره لا ترتبط بموضوع بحثنا مطلقاً، إذ الموضوع فی بحثنا هو الدعوه مجرّده عن الاعتقاد بالإلوهیه والمالکیه والاستقلالیه فی التصرف فی أُمور الدنیا والآخره، بل تکون الدعوه نابعه من کون المدعو عبداً من عباد اللّه المکرمین،وأنّه ذو مقام معنوی استحقّ به منزله النبوّه أو الإمامه، ولأنّه وعد المتوسلین به باستجابه دعائهم وإنجاح طلباتهم فیما إذا قصدوا اللّه عن طریقه، قال تعالى فی حقّ الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) :
(…وَلَو أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوکَ فَاسْتَغْفَروا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رََحِیماً ) .( [۱۶])
ثالثاً: إنّ فی نفس الآیات المذکوره إشاره واضحه إلى أنّ المقصود لیس مطلق الدعاء وطلب الحاجه، بل المقصود قسم خاص منه، وهو ما کان ملازماً للعباده، ومن هذه الجهه نجد أنّ فی بعض الآیات وبعد الإتیان بلفظ الدعوه یستعمل مصطلح العباده فی نفس المعنى المقصود، مثل قوله تعالى:
(وَقالَ رَبّکُم ادْعُونی أَسْتَجِب لَکُمْ إِنَّ الَّذینَ یَسْتَکْبِرونَ عَنْ عِبادَتی سَیَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرینَ ) .( [۱۷])
وبإمعان النظر فی الآیه المبارکه نجد أنّه قد جاء فی صدرها لفظ (ادْعُونی ) وفی ذیلها استعمل لفظ ( عبادَتی ) ، وهذا شاهد جلیٌّ على أنّ المقصود من هذه الدعوه هو دعوه واستغاثه خاصه فی مقابل موجودات یعتقد أنّها تمتلک صفات الإله.
قال الإمام السجاد (علیه السلام) فی دعائه:
«فسمّیت دعاءک عباده و ترکه استکباراً و توعّدت على ترکه دخول جهنم داخرین». ( [18])
وربّما وردت فی إحدى الآیتین ذاتی المضمون الواحد لفظه الدعوه، ووردت فی الآیه الأُخرى لفظه الدعاء، مثل قوله تعالى:
(قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا یَمْلِکُ لَکُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً… ) .( [۱۹])
وفی آیه أُخرى یقول سبحانه:
(قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا یَنْفَعُنا وَلا یَضُرُّنا… ) .( [۲۰])
وفی آیه أُخرى:
(…وَالَّذِینَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما یَمْلِکُونَ مِنْ قِطْمِیر ) .( [۲۱])
فقد استعمل فی هذه الآیه لفظ (تَدْعُونَ ) وفی نفس الوقت استعمل لفظ ( تَعْبُدُونَ ) فی آیه أُخرى تحمل نفس المضمون وهی قوله تعالى:
(…إِنَّ الَّذِینَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لا یَمْلِکُونَ لَکُمْ رِزْقاً… ) .( [۲۲])
وقد ترد کلتا اللفظتین فی آیه واحده وتستعملان فی معنى واحد کما فی قوله سبحانه:
(قُلْ إِنِّی نُهِیتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِینَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ… ) ( [۲۳]) . ( [۲۴])
ونحن ندعو القارئ الکریم أن یراجع بنفسه المعجم المفهرس مادتی «عبد» و «دعا» لیرى بنفسه کیف عُبِّر عن مضمون واحد فی آیه بلفظ العباده وفی آیه أُخرى عُبِّر عن نفس المضمون بلفظ«الدعوه»، وهذا بنفسه شاهد على أنّ المقصود من الدعوه فی هذه الآیات هو العباده والخضوع، ولیس مطلق النداء.
هذا والقارئ الکریم إذا درس مجموع الآیات التی ورد فیها لفظ الدعوه وأُرید منه القسم الملازم للعباده لرأى أنّ الآیات إمّا وردت حول خالق الکون الذی یعترف جمیع الموحّدین بإلوهیته وربوبیته ومالکیته. أو وردت فی شأن الأوثان التی کان عبدتُها یتصوّرون أنّها آلهه صغیره ومالکه لمقام الشفاعه، وفی هذه الحاله فإنّ الاستدلال بهذه الآیات فی مورد بحثنا الذی یکون فیه دعاء أولیاء اللّه والاستغاثه بهم مجرداً عن الاعتقاد بأنّهم یملکون إحدى تلک الصفات الإلهیه یکون من أغرب أنواع الاستدلال ومن أعجب العجب.
ثمّ إنّ الاطّلاع على معتقدات الوثنیّین فی عصر الرساله یزیح الستار عن تلک الحقیقه.
[۱] . الجن: ۱۸٫
[۲] . الرعد: ۱۴٫
[۳] . الأعراف: ۱۹۷٫
[۴] . فاطر: ۱۳٫
[۵] . الأعراف: ۱۹۴٫
[۶] . الإسراء: ۵۶٫
[۷] . الإسراء: ۵۷٫
[۸] . یونس: ۱۰۶٫
[۹] . فاطر: ۱۴٫
[۱۰] . الأحقاف: ۵٫
[۱۱] . تنزیه الاعتقاد للصنعانی کما فی کشف الارتیاب:۲۷۲ـ ۲۷۴، والآیه ۶۰ من سوره غافر.
[۱۲] . نوح: ۵٫
[۱۳] . إبراهیم: ۲۲٫
[۱۴] . النسبه بین الدعاء والعباده عموم وخصوص من وجه: ففی هذه الموارد یصدق الدعاء ولا تصدق العباده، وأمّا فی العباده الفعلیه المجرده عن الذکر کالرکوع والسجود فتصدق العباده، لأنّها تقترن مع الاعتقاد بإلوهیه المسجود له ولا یصدق الدعاء لخلوّه عن الذکر اللفظی. ویصدق کلا المفهومین «الدعاء والعباده» فی أذکار الصلاه، لأنّها دعوه بالقول ناشئه عن الاعتقاد بإلوهیه المدعو.
____________________________
[۱۵] . هود: ۱۰۱٫
[۱۶] . النساء: ۶۴٫
[۱۷] . غافر: ۶۰٫
[۱۸] . الصحیفه السجادیه، دعاء ۴۵٫ والمقصود الآیه ۶۰ من سوره غافر.
[۱۹] . المائده: ۷۶٫
[۲۰] . الأنعام: ۷۱٫
[۲۱] . فاطر: ۱۳٫
[۲۲] . العنکبوت: ۱۷٫
[۲۳] . الأنعام: ۵۶٫
[۲۴] . وبهذا المضمون وردت الآیه ۶۶ من سوره غافر.

Leave A Reply

Your email address will not be published.