الإسلام یرفض سیاسه التمییز العنصری
وعن أبی هریره ، رفعه ، قال: « من تکلم بالعربیه فهو عربی ومن أدرک له أبوان (أو اثنان) فی الإسلام ، فهو عربی (۳).
وعنه (صلّى الله علیه وآله) ، أنه صعد المنبر یوم فتح مکه ، وقال : « أیها الناس ، إن الله قد أذهب عنکم نخوه الجاهلیه ، وتفاخرها بآبائها. الا إنکم من آدم ، وآدم من طین . الا إن خیار عباد الله عبد اتّقاه ، إن العربیه لیست بأب والد ، ولکنها لسان ناطق ، فمن قصر به عمله ، لم یبلغه حسبه .. . إلخ..» (4).
وسیأتی فی جواب رسول الله (صلّى الله علیه وآله) لقیس بن مطاطیه قوله : من تکلم بالعربیه فهو عربی..
وعن أنسب بن مالک ، قال: « کان لرسول الله (صلّى الله علیه وآله) مولیان : حبشی ، وقبطی؛ فاستبّا یوماً ؛ فقال أحدهما : یا حبشی. وقال الآخر : یا قبطی.
فقال رسول الله (صلّى الله علیه وآله) : لا تقولوا هکذا.. إنما أنتما رجلان من آل محمّد (صلّى الله علیه وآله) (۵) .
وبعد .. فقد قال الله تعالى : یا أیها الناس أنا خلقناکم من ذکر وانثى وجعلناکم شعوباً وقبائل لتعارفوا انّ اکرمکم عند الله اتقاکم (۶).
____________
(۱) راجع : الجعفریات ص۱۸۵ وجامع أحادیث الشیعه ج۱۳ ص۲۰۷ عنه ومستدرک وسائل الشیعه ج۲ ص۲۶۸ عن روضه الکافی .
(۲) اقتضاء الصراط المستقیم ص۱۶۸٫
(۳) المصدر السابق.
(۴) الکافی ج۸ ص۲۴۶ والبحار ج۲۱ ص۱۳۷ و۱۳۸٫
(۵) المعجم الصغیر ج۱ ص۲۰۷٫
(۶) الحجرات ۱۳٫
وقد علمنا : أن رسول الله قد قال عن سلمان الفارسی : سلمان منا أهل البیت.
ثم إنه قد ورد النهی للصحابه عن أن یقولوا : سلمان الفارسی ، ولکن قولوا سلمان المحمّدی..
إلى غیر ذلک من نصوص ومواقف معبره وصریحه فی هذا الامر ، ولا مجال لتأویلها ، ولا للتلاعب فیها .. وهی کثیره جداً لا طاقه لنا بجمعها وإحصائها فی عجاله کهذه.
التمییز العنصری بین الجبر والاختیار :
وإذا کان معنى التمییز العنصری هو : أن یجعل العرق ، أو اللون ، أو الطبقه ، أو نحوها أساساً للتمییز والتفاضل بین البشر ، فبملاحظته یستحق هذا امتیازاً؛ فیعطى له ، ولا یستحقه ذاک ، فیحرم منه ـ إذا کان کذلک ـ .
فإن من الواضح .. أن هذه أمر یأباه العقل ، وترفضه الفطره ، ویدینه الوجدان ، لاُن الإنسان اغلى من کل شیء فی الوجود ، لان کلّ شیء مخلوق من أجله ومسخّر له ، فلا یصح أن نضحی بإنسانیه الانسان وبکرامته من أجل أی شیء آخر مهما غلا فکیف إذا کان تافهاً وحقیراً ، من قبیل اللون ، والعرق ، والجغرافیا ، وما إلى ذلک ..
أضف إلى ذلک : أن اللون ، أو العرق ، لیسا من الامور الاختیاریه ، التی تساهم إراده الانسان فی صنعها ، وایجادها. کی تدفعه فی حرکته الدائبه نحو الحصول على خصائصه ، وکمالاته الانسانیه ، وباتجاه هدفه الاسمى ، الذی وجد من أجله..
کما أنهما لا یحلان للانسان آیه مشکله ، ولا دور لهما فی تغلبه على المصاعب والمتاعب ، ولا فی ازاله العوائق ، التی تعترض طریق تقدمه ، نحو هدفه المنشود ..
وکذلک فانهما لا یساهمان فی سعاده الانسان بالحیاه ، فلا یجعلانه یلتذ بها ، ویأنس ، أو یتعب من أجلها ویضحی ، أو یأمل بها ویطمح.. وما إلى ذلک ..
ومن هنا.. فقد کان من الطبیعی أن یرفض الاسلام اعطاء الامتیازات ، وتفضیل الناس ، بعضهم على بعض على اساس العرق أو اللون ، أو غیر ذلک مما لا خیار فیه للانسان ، ولا هو خاضع لارادته.
ولکنه جعل التفاضل بین الناس فی أمر یمکن أن یکون له دور رئیس فی تکاملهم ، وفی تحقیق سعادتهم ، ویؤثر فی حرکتهم الدائبه نحو هدفهم الاسمى.. وهو فی نفس الوقت أمر اختیاری للانسان ، یمکنه ، أن یحصل علیه ، ویمکنه أن لا یحصل علیه .. ألا وهو التقوى ، والعمل الصالح ، والسجایا الفاضله ، والعلم النافع المعطاء ؛ فقال تعالى : إن أکرمکم عند الله أتقاکم (۱).
وقال : هو یستوی الذین یعلمون والذین لا یعلمون (۲).
وقال تعالى : ألم تر کیف ضرب الله مثلاً : کلمه طیبه کشجره طیبه (۳).
قال : ومثل کلمه خبیثه کشجره خبیثه اجتثت من فوق الارض (۴).
وقال تعالى : لا یستوی القاعدون من المؤمنین غیر اولی الضرر والمجاهدون فی سبیل الله (۵).
وقال : قل لا یستوی الخبیث والطیب ولو اعجبک کثره الخبیث (۶).
إلى غیر ذلک من آیات کثیره ، لا مجال لا یرادها هنا..
وعن رسول الله (صلّى الله علیه وآله) : لا فضل لعربی على عجمی ، ولا لعجمی على عربی ، ولا أسود على أحمر ، ولا أحمر على أسود إلاّ بالتقوى (۷) .
وإذا کان کل ما تقدم هو المنطلق للتفاضل ، والحصول على الامتیازات والاوسمه؛ فان من شأنه : أن یقود الانسان نحو الکمال ، ویجعل التسابق باتجاه
____________
(۱) الحجرات ۱۳٫
(۲) الزمر ۹٫
(۳) ابراهیم ۲۴٫
(۴) ابراهیم ۲۶ .
(۵) النساء ۹۵٫
(۶) المائده ۱۰۰٫
(۷) مجمع الزوائد ج۳ ص۲۶۶ و۲۷۲ والبیان والتبیین ج۲ ص۳۳ والعقد الفرید ج۳ ص۴۰۸ والغدیر ج۶ ص۱۸۷ | ۱۸۸ عن عدد من المصادر.
کل ما هو خیر ، وصلاح ، وفلاح : « فاستبقوا الخیرات» (1) « وسارعوا إلى مغفره من ربکم وجنه عرضها السماوات والارض» (2) « ومنهم سابق بالخیرات» (3).
نعم .. وهذه هی الحرکه الطبیعیه ، التی تنسجم مع فطره الانسان السلیمه والصافیه ، ومع طموحاته الواقعیه ، وأمانیه الواسعه ، وآماله العراض..
سلبیات ظاهره :
وبعد .. فان من أبسط نتائج سیاسات التمییز على أساس : الطبقه ، والدم واللون ، والعرق ، واللغه ، والبلد ، وو… إلخ.. هو ظهور نزعات الکراهیه بین الناس ، وسحق کراماتهم بلا مبرر معقول ، وتضییع حقوقهم الانسانیه ، دونما سبب ، ومعاملتهم بطریقه شاذه ، لا یقرها شرع ، ولا عقل ، ولا ضمیر ..
وبدلاً من أن یکون المؤمنون إخوه ، یتعاونون على الخیر ، وتسودهم روح المحبه ، والموده والوئام ، ویشد بعضهم ازر بعض فی مجال التغلب على مصاعب الحیاه ، وتجنب شدائدها ، ویکون کل منهم مکملاً للآخر ، ومن اسباب قوته ، وعزه ، وسعادته..
نعم.. بدلاً من ذلک .. یصبحون أعداء متدابرین ، یعمل کل منهم على هدم الآخرین ، واستغلال طاقاتهم ، وامکاناتهم ، والاستئثار بها ، وتقویض سعادتهم ، وتبدید قدراتهم. تسودهم روح الضغینه والحقد ، بأسهم بینهم شدید ، ومخیف .
ویصبح اللون ، والعرق ، واللغه ، والطبقه وو.. إلخ وسیله تستخدم فی سبیل تجزئه الناس وتمزیقهم ، بدلاً من جمعهم وتوحیدهم ، وذلک بالترکیز على الفوارق والممیزات التافهه ، والعقیمه ، وتجاهل موارد الاشتراک ، والوفاق ،
____________
(۱) البقره ۱۴۸ والمائده ۴۸٫
(۲) آل عمران ۱۳۳٫
(۳) فاطر ۳۲٫
وهی الاجدر والاجدى ، والاحق بالاهتمام والعنایه ، لانها الاسمى ، والانفع ، والاصح ، والاکثر أصاله ، والابعد أثراً فی تکامل الانسان وسموه ، وتذلیل کل العقبات ، التی تعترض طریقه فی حیاته..