ظلامات فاطمه الزهراء (علیها السلام)
وکان من جمله ما أکدت علیه الرساله السماویه المتمثله فی بعثه نبینا محمد (صلى الله علیه وآله) هو حرمه الظلم ومعاونه الظالمین ذلک ان الله تبارک وتعالى قد حرم على نفسه الظلم وکما ورد فی الحدیث القدسی : (یا عبادی انی حرمت الظلم على نفسی وجعلته بینکم محرماً فلا تظالموا ) .
فالإسلام دین المساواه والعدل ولا یرضى بالظلم والبغی ، حیث أنزل الله تعالى فی کتابه الکریم الکثیر من الآیات القرآنیه المبارکه التی تدل دلاله قطعیه واضحه البراهان على ضروره العدل بین الرعیه وعدم البغاء والظلم فیما بینهم ، حیث اعتبرت هذه الضروره من الواجبات المهمه على کافه الأصعده والمجالات الحیاتیه ، فنرى من خلال الضروره من الواجبات المهمه على کافه الأصعده المجالات الحیاتیه ، فنرى من خلال مراجعه الأحکام الشرعیه التی أقرتها الشریعه الإسلامیه أن الکثیر منها قد لوحظ فیه عدم الظلم للآخرین والتعدی على حقوقهم ، کل هذه التأکید لکی تسیر الإنسانیه فی الطریق الذی ارتضاء الله تبارک وتعالى لها ولکی تصل إلى شاطیء الأمان والکمال وضمن الأهداف المحدده من خلال الرساله المحمدیه السمحاء .
ونجد من خلال استقراء القرآن الکریم أن أکثر الآیات القرآنیه الوارده فی المقام قد تکون صریحه فی تحریم الظلم سواء کان ذلک بذکر لفظه الظلم بصوره مباشره أو عن طریق ذکر نقیضه الذی هو العدل وکما سیتبین من خلال مطالعه الآیات القرآنیه التالیه : * حیث جاء قوله تعالى ( ان الله لا یظلم مثقال ذره ) (۱) لیؤکد على حقیقه اختصت لها الشیعه مع بعض الفرقه الدینیه الآخرى ألا وهی مسأله العدل حیث أقرت الشیعه بأن من أصول الدین هو العدل وهو أن الله لیس بظالم ولا یظلم أحداً فهو العدل لهذا نجد فی هذه الآیه القرآنیه أن الله قد حرم على نفسه الظلم فلا یظلم عباده بل هو المفیض علیهم رحمته الربانیه ونعمته الالهیه .
* وجاء قوله تعالى ) ما للظالمین من نصیر ) (۲) لیؤکد على مسأله أخرى بحیث انها من الأهمیه قد ذکرها الله تعالى لیذکر بها البشریه بأن الظالمین لیس لهم نصیر ولا تنصرهم السماء وبنفس الوقت قد أکد الله فی آیه أخرى وطلب من المؤمنین بأن لا ینصروا الظالمین بای شکل من الأشکال ( ولا ترکنوا إلى الذین ظلموا فتمسکم النار ) (۳) .
وهکذا جاءت الکثیر من الآیات القرآنیه الکریمه حامله بین طیاتها التأکید على هذا الأمر المهم والضروری لتکامل البشریه .
وقد یرد وینقدح سؤال مهم فی ذهن کل إنسان واعی وفاهم للأمور الإسلامیه أنه إذا کان هذا الحال فی حرمه الظلم وعدم معونه الظالمین فما المفهوم من الظلم وأی ضابطه نرجع الیها فی معرفه الظلم وتعریفه معناه ؟
فنقول ان الظلم من الأمور التی یدرک الذهن ویفهمها بأدنى تأمل ذلک أنه من الأمور الفطریه والعقلیه هو قبح الظلم وأنه یأباه العقل والناس جمیعاً مشترکین فی هذه المسأله أعنی قبح الظلم ، ومع ذلک کله نعطی بعض التعاریف للظلم لکی لا یرد أی استیضاح حوله فی حاله عدم فهم معناه .
* الظلم لغه : أما لغه فقد جاء فی لسان العرب (۴) : الظلم وضع الشیء فی غیر موضعه . وأصل الظلم الجور ومجاوزه الحد ، ویقال ظلمه یظلمه ظلماً ومظلمه ، فالظلم مصدر حقیقی وهو ظالم وظلوم والظلمه هم المانعون أهل الحقوق حقوقهم ، والظلامه ما تظلمه وهی المظلمه . وتظالم القوم : ظلم بعضهم بعضاً وفی المفردات للراغب الاصفهانی (۵) : والظلم عند أهل اللغه وکثیرون أهل العلم : وضع الشیء فی غیر موضعه المختص به إما بنقصان أو بزیاده وإما بعدول عن وقته أو مکانه .
وقال الفیروز آبادی (۶) والظلم یقال فی مجاوزه الحق ویقال فی الکثیر والقلیل .
أما عرفاً : فالظلم معناه بخس النسا أشیاءهم وحقوقهم والاعتداء على الغیر بای صوره کانت سواء قولاً أو عملاً .
وأما شرعاً : الظلم وضع الشیء فی غیر موضعه الشرعی (۷) والظلم أصله الجور ومجاوزه الحد ومعناه الشرعی وضع الشیء فی غیر موضعه الشرعی (۸) وهکذا یتبین لمن یقصد السؤال فی معرفه الظلم ویدقق فی مقولات علماء اللغه وغیرهم من أهل الشرع واللغه وأهل المعرفه فی هذا المقام ، ولنعم ما قال الحکیم أرسطو فی هذا المقام حیث أطلق هذه الکلمات لیعبر عن طبیعه الفطره الإنسانیه فی هذه المسأله ( الظلم من طبع النفوس ، وانما یصدها عن ذلک إحدى علتین : إما عله دینیه لخوف معاد أو عله سیاسیه لخوف سیف ) . فیکون مقال القائل أن النفوس لا تظهر هذا الظلم للعلتین المتقدمتین ، ولکن نقول إذا فقدتا هاتین العلتین فماذا سیکون الحال ، قطعاً عند ذلک یسقط الواعز النفسی للإنسان فیکون من أعتى الظالمین .
إذن بعد هذه المقدمه التی ارتأینا أن نقدمها لکی یتضح الحال والمقام فی الظلم وقبحه وحرمته ندخل فی هذا الفصل لکی نعیش القصه والحدیث التأریخی الذی لا یزال یأکل بنفوس المسلمین وإلى وقتنا الحاضر ألا وهو حدث ظلامات فاطمه الزهراء بضعه النبی الهادی المختار تلک التی لم یترک فی المسلمین آنذاک من أهله ومن ذریته إلا هذه المیمونه الطاهره ذو النسل المبارک ام الحسنین (علیهما السلام).
فتعال معی أیها القاری العزیز لنروی لک تلک الظلامات ونغوص فی أعماق التاریخ لنجد ما یطالعنا به القوم من الظلامات التی أطبقت علیها الخاصه والعامه على ثبوتها وصدورها ولکن اتباع الأهواء والصدود عن الحق هو الذی جعل الکثیر منهم یأخذ هذه الأحداث مأخذاً تاریخیاً لیس فیه أی فائده ولیس له أی علاقه لا بأصول الدین ولا بالعقیده وانما هو مجرد حدث لا یضر من عرفه ولا ینفع من جهله ، وأنى لهم بالمعرفه الحقه والنور المستبین ذلک أن ( ومن لم یجعل الله له نوراً فما له من نور ) فهلم بنا لکی نقف مع هذه الدراسه التی أفاضها لنا التاریخ ونحققها بعمق وترکیزعلى کل جوانبها وحسب ما تسعنا قابلیتنا المحدوده فی معرفه کوامن الأسرار ونزیح ما استتار فی ظلم التاریخ عن هذه الظلامات عن غبار جعل الکثیر من أبصار وبصائر الذین یدعون الصله بالرسول الأکرم محمد (صلى الله علیه وآله)من جهه الإسلام انهم یحبون ویوالون الرسول فی کل شیء ولکن … ؟!!
ولنقف بدقه متناهیه مع هذه الظلامات ونعرض جمیع الأسئله الوارده فی المقام ونعرضها على کتاب الله الغریز باعتباره المصدر الأول لکل سؤال ولکل استفهام من أی من کان ، ونعرضها على سنه رسول الله (صلى الله علیه وآله)، فهو الذی (لا ینطق عن الهوى… إلا وحی یوحى علمه شدید القوى ذو مره فاستوى).
ونستنطق بهذه الأسئله العقل لیکون القاریء العزیز على ثقه بما یتطلع إلیه ویصل إلى مقام الإطمئنان الذی تصبو إلیه النفس الإنسانیه .
وقبل کل شیء ینقدح سؤال مهم ألا وهو هل أخبر الرسول (صلى الله علیه وآله)بما سیجری على أهل بیته من بعده أم لم یخبر ؟
والجواب نجده واضحاً من خلال مطالعه کتب التأریخ والحدیث حیث ورد عن أبی عبدالله (علیه السلام) فی حدیث طویل أنه قال فی قضیه الإسراء والمعراج لرسول الله (صلى الله علیه وآله)من قبل الله تعالى « إن الله مختبرک ـ أی محمد (صلى الله علیه وآله)ـ فی ثلاث ینظر کیف جدک ؛ قال : أسلم لأمرک یا رب ولا قوه لی على الصبر إلا بک ، فما هن ؟
إلى أن یقول الإمام الثالثه …
وأما الثالثه : فما یلقى أهل بیتک من بعدک من القتل : أما أخوک علی فیلقى من امتک الشتم والتضعیف والتوبیخ والحرمات والجهد والظلم وآخر ذلک القتل .
فقال : یا رب ، سلمت وقبلت ، ومنک التوفیق والصبر . وأما ابنتک فتظلم ، وتحرم ، ویؤخذ حقها غصباً الی تجعله لها ، وتصرب وهی حامله ، ویدخل على حریمها ومنزلها بغیر إذن ، ثم یمسها هوان وذل ثم لا تجد مانعاً وتطرح ما بطنها من الضرب وتموت من ذلک الضرب ، قلت إنا لله وإنّا إلیه راجعون قبلت یا رب وسمک ومنک التوفیق والصبر (۹) .
إذن الرسول (صلى الله علیه وآله)یعلم ما سیجری على بضعته الطاهره وما یکون مآل الأمور من بعده ، ویعلم من الذی سوف یکون الظالم لها ولبعلها ولذلک نجده فی أکثر من مره یوصی الزهراء وأمیر المؤمنین بالصبر بما سیجری علیهم من بعده ، ولقد جاء فی المأثور الروائی أنه طالما أخبرهم بذلک وخصوصاً عند قرب وفاته حیث أخبر الصدیقه الشهیده (علیها السلام)بأنها ستظلم من بعده وانها أول الناس لحوقاً به من أهل بیته بعد أربعین یوماً من وفاته وقیل بإثنین وسبعین یوماً ، وهکذا تظافرت الروایات الکثیره فی إثبات هذه المأساه للزهراء من بعد أبیها ، أما من الذی یظلمها حقها ؟ فهذا ما ترویه قصه سقیفه بنی ساعده وإلیک ما جرى فی تلک الواقعه الألیمه لأهل بیت النبوه والتی کانت مفتاح الظلم الذی سنه الخلیفه الأول والثانی على أهل البیت (علیهم السلام).
* عن عبدالله بن عبد الرحمان قال : ثم إن عمر احتزم بإزاره وجعل یطوف بالمدینه وینادی : ألا إن أبا بکر قد بویع له فهلموا إلى البیعه ، فینثال الناس یبایعون ، فعرف أن جماعه فی بیوت مسترون ، فکان یقصدهم فی جمع کثیر ویکبسهم ویحضرهم المسجد فیبایعون ، حتى إذا مضت أیام أقبل فی جمع کثیر إلى منزل علی (علیه السلام) فطالبه بالخروج فأبى ، فدعا عمر بحطب ونار وقال : والذی نفس عمر بیده لیخرجنّ ، أو لأحرقنّه على ما فیه .
فقیل له : إنّ فاطمه بنت رسول الله ،وولد رسول الله ، وآثار رسول الله (صلى الله علیه وآله)فیه ؛ وانکر الناس ذلک من قوله ، فلما عرف إنکارهم قال : ما بالکم أترونی فعلت ذلک ؟!
إنما أردت التهویل ؛ قال : وخرجت فاطمه بنت رسول الله (صلى الله علیه وآله)إلیهم فوقفت خلف الباب ثم قالت : « لا عهد لی بقوم أسوأ محضراً منکم ، ترکتم رسول الله (صلى الله علیه وآله)جنازهً بین أیدینا وقطعتم أمرکم فیما بینکم ، ولم تؤمّرونا ، ولم تروا لنا حقّاً ، کأنّکم لم تعلموا ما قال یوم غدیر خم ؛ والله ، لقد عقد له یؤمئذ الولاء لیقطع منکم بذلک منها الرجاء ولکنکم قطعتم الأسباب بینکم وبین نبیّکم ، والله حسیب بیننا وبینکم فی الدنیا والآخره (۱۰) .
* عن سلمان الفارسی رضى الله عنه أنه قال : وکان علی بن أبی طالب (علیه السلام) لما رأى خذلان الناس له ، وترکهم نصرته ، واجتماع کلمه الناس منع أبی بکر ، طاعتهم له ، وتعظیمهم له ، جلس فی بیته ؛ فقال عمر لأبی بکر : ما یمنعک أن تبعث إلیه فیبایع ، فإنّه لم یبق أحد إلا وقد بایع ، غیره وغیر هؤلاء الأربعه معه ؛ وکان أبو بکر أرقّ الرجلین ، وارفقهما ، وادهاهما ، وأبعدهما غوراً ؛ والآخر أفظّهما وأغلظهما ، وأخشنهما ، وأجفاهما ، فقال : من نرسل إلیه ؟
فقال عمر : أرسل إلیه قنفذاً ـ وکان رجلاً فظّاً غلیظا جافیاً من الطلقاء ، أحد بنی تیم ـ فأرسله وأرسل معه أعواناً ، فانطلق فاستأذن ، فأبی علیّ (علیه السلام) أن یأذن له .
فرجع أصحاب قنفذ إلى بی بکر وعمر ، وهما فی المسجد والناس حولهما فقالوا : لم یأذن لنا ، فقال عمر : هو إن أذن لکم وإلا فادخلوا علیه بغیر إذنه .
فانظلقوا ، فاستأذنوا ، فقالت فاطمه (علیها السلام): أخرّج علیکم أن تدخلوا بیتی بغیر إذنٍ ؛ فرجعوا ، فثبت قنفذ ، فقالوا : إنّ فاطمه قالت : کذا وکذا ، فحرجتنا أن ندخل علیه البیت بغیر إذن منها ، فغضب عمر ، وقال : ما لنا وللنساء ؛ ثم أمر أناساً حوله ، فحملوا حطباً وحمل معهم فجعلوه حول منزله ، وفیه علی وفاطمه وابناهما (علیهم السلام)، ثم نادى عمر حتى اسمع علیاً : والله لتخرجنّ ولتبایعنّ خلیفه رسول الله ، أو لأضر منّ علیک بیتک ناراً ، ثم رجع فقعد إلى أبی بکر ، وهو یخاف أن یخرج علی بسیفه ، لما قد عرف من بأسه وشدّته .
ثم قال لقنفذ : إن خرج وإلاّ فاقتحم علیه ، فإن امتنع فاضرم علیهم بیتهم ناراً : فانطلق قنفذ ، فاقتحم هو وأصحابه بغیر إذن ، وبادر علی إلى سفیه لیأخذه ، فسبقوه إلیه فتناول بعض سیوفهم فکثّروا علیه فضبطوه ، وألقوا فی عنقه حبلاً أسود ؛ وحالت فاطمه (علیها السلام)بین زوجها وبینهم عند باب البیت ، فضربها قنفذ بالسوط على عضدها ، فبقی أثره فی عضدها من ذلک مثل الدملج من ضرب قنفذ إیّاها ؛ فأرسل أبو بکر إلى قنفذ : اضربها ؛ فالجأها إلى عضاده باب بیتها ، فدفعها فکسر ضلعاً من جنبها ، وألقت جنیناً من بطنها ، فلم تزل صاحبه فراش حتى ماتت من ذلک شهیده صلوات الله علیها (۱۱) .
* وفی کتاب سلیم بن قیس ، فی حدیث طویل ، قال : فلما کان اللیل حمل علی فاطمه (علیهما السلام)على حمار وأخذ بیدی إبنیه الحسن والحسین (علیهما السلام)فلم یدع أحدا من أصحاب رسول الله (صلى الله علیه وآله)إلا أتاه فی منزله ، فناشدهم الله حقه ودعاهم إلى نصرته ، فما استجاب منهم رجل غبرنا الأربعه ، فإنّا حلقنا رؤوسنا ، وبذلنا له نصرتنا ، وکان الزبیر أشدّنا بصیره فی نصرته ؛ فلما رأى علی (علیه السلام) خذلان الناس إیّاه وترکهم نصرته ، واجتماع کلمتهم مع أبی بکر ، وطاعتهم له ، وتعظیمهم إیاه لزم بیته ، فقال عمر لأبی بکر : ما یمنعک أن تبعث إلیه فیبایع ، فإنه لم یبق أحد إلا وقد بایع ، غیره وغیر هؤلاء الاربعه ، وکان أبو بکر أرقّ الرجلین وأرفقهما وآدهاهما وأبعدهما غوراً ، والآخر أفظّهما وأغلظهما وأجفاهما ؛ فقال [ له ] أبوبکر : من نرسل إلیه ؟
فقال عمر : نرسل إلیه قنفذاً ، وهو رجل فظّ غلیظ جافّ من الطلقاء ، أحد بنی عدیّ بن کعب ، فأرسله إلیه ، وأرسل معه أعواناً ، فانطلق فاستأذن على علی (علیه السلام) ، فأبى أن یأذن لهم .
فرجع أصحاب قنفذ إلى أبی بکر وعمر ، وهما جالسان فی المسجد والناس حولهما ، فقالوا : لم یؤذن لنا ؛ فقال عمر : اذهبوا فإن أذن لکم ، وإلاّ فادخلوا [ علیه ] بغیر إذن !!
فانطلقوا فاستأذنوا ؛ فقالت فاطمه (علیها السلام): أحرّج علیکم أن تدخلوا على بیتی بغیر إذن ، فرجعوا ، وثبت قنفذ الملعون ، فقالوا : إنّ فاطمه قالت : کذا وکذا ، فتحرّجنا أن ندخل بیتها بغیر إذن ، فغضب عمر ، وقال : ما لنا وللنساء !! ثم أمر اناساً حوله أن یحملوا الحطب ؛ فحملوا الحطب ، وحمل معهم عمر فجعلوه حول منزل علی وفاطمه وابناها (علیهم السلام)ثم نادى عمر ـ حتى اسمع علیاً وفاطمه (علیهما السلام): ـ والله ـ لتخرجنّ یا علی ولتبایعنّ خلیفه رسول الله ، وإلا أضرمت علیک [ بیتک ] النار .
فقالت فاطمه (علیها السلام): یا عمر ، ما لنا ولک ؟
فقال : افتحی الباب ، وإلاّ أحرقنا علیکم بیتکم ؛ فقالت : یا عمر ،أما تتقی الله تدخل علی بیتی ؟ فأبى أن ینصرف ، ودعا عمر بالنار فأضرمها فی الباب ، ثم دفعه فدخل ، فاستقبلته فاطمه (علیها السلام)وصاحت : یا أبتاه ، یا رسول الله فرفع عمر السیف ـ وهو فی عمده ـ فوجأ به جنبها ، فصرخت یا أبتاه ! فرفع السوط فضرب به ذراعها … (۱۲) .
* وروی عن زید بن أسلم أنه قال : کنت ممّن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمه حین امتنع علی وأصحابه عن البیعه ، فقال عمر لفاطمه : أخرجی من فی البیت وإلا أحرقته ومن فیه ، قال : وفی البیت علی وفاطمه والحسن والحسین وجماعه من أصحاب النبی (صلى الله علیه وآله).
فقالت فاطمه : أتحرق علیاً وولدی ؟ قال : إی ـ والله ـ أو لیخرجنّ ولیبایعنّ (۱۳) .
* وروی عن عمرو بن أبی المقدام ، عن أبیه ، عن جدّه : ما أتى علیّ یوم قطّ أعظم من یومین أتیا علیّ : فأمّا الیوم الأول : فیوم قبض رسول الله (صلى الله علیه وآله): وأمّا الیوم الثانی : فوالله إنّی لجالس فی سقیفه بنی ساعده عن یمین أبی بکر والناس یبایعونه ، إذ قال له عمر : یا هذا ، لیس فی یدیک شیء مهما لم یبایعک علیّ ؛ فابعث إلیه حتى یأتیک یبایعک ، فإنّما هؤلاء رعاع .
فبعث إلیه قنفذ ، فقال له : اذهب فقل لعلیّ : أجب خلیفه رسول الله (صلى الله علیه وآله)، فذهب قنفذ فما لبث أن رجع ، فقال لأبی بکر : قال لک : ما خلّف رسول الله (صلى الله علیه وآله)أحداً سغیری .
قال : ارجع إلیه فقل : أجب فإنّ الناس قد أجمعوا على بیعتهم إیّاه ، وهؤلاء المهاجرین والأنصار یبایعونه وقریش ، وإنما أنت رجل من المسلمین ، لک ما لهم ، وعلیک ما علیهم ؛ فذهب إلیه قنفذ فما لبث أن رجع ، فقال : قال لک : إنّ رسول الله (صلى الله علیه وآله)قال لی وأوصانی أن ـ إذا واریته فی حفرته ـ لا أخرج من بیتی حتى اؤلّف کتاب الله ، فإنّه فی جرائد النخل ، وفی أکتاف الإبل ، قال عمر : قوموا بنا إلیه.
فقام أبو بکر ، وعمر ، وعثمان ، وخالد بن الولید ، والمغیره بن شعبه ، وأبو عبیده بن الجرّاح ، وسالم مولى أبی حذیفه ، وقنفذ ، وقمت معهم .
فلمّا انتهینا إلى الباب فرأتهم فاطمه (علیها السلام) أغلقت الباب فی وجوههم ، وهی لا تشکّ أن لا یدخل علیها إلا باذنها ، فضرب عمر الباب برجله فکسره ـ وکان من سعف ـ ثم دخلوا فأخرجوا علیّاً (علیه السلام) ملبّباً .
فخرجت فاطمه (علیها السلام)فقالت : یا أبابکر ، أترید أن ترمّلنی من زوجی ـ والله ـ لئن لم تکفّ عنه لأنشرنّ شعری ولأشقّنّ جیبی ، ولآتینّ قبر أبی ، ولأصیحنّ إلى ربّی ؛
فأخذت بید الحسن والحسین (علیهما السلام)فإنّی أرى جنبتی المدینه تکفیان ؛ والله إن نشرت شعرها ، وشقّت جیبها ، وأتت قبر أبیها ، وصاحت إلى ربّها لا یناظر بالمدینه أن یخسف بها [ وبمن فیها ] ، فأدرکها سلمان رضى الله عنه ، فقال : یا بنت محمد ، إنّ الله إنّما بعث أباک رحمه ، فارجعی .
فقالت : یا سلمان ، یریدون قتل علیّ ، ما على علیّ صبر ، فدعنی حتى آتی قبر أبی فأنشر شعری ، وأشقّ جیبی ، وأصیح إلى ربّی ، فقال سلمان : إنّی أخاف أن تخسف بالمدینه ، وعلیّ (علیه السلام) بعثنی إلیک ، ویأمرک أن ترجعی إلى بیتک ، وتنصرفی .
فقالت : إذاً أرجع ، وأصبر ، وأسمع وأطیع .
قال : فأخرجوه من منزله ملّبا ، ومرّوا به على قبر النبی (صلى الله علیه وآله)قال : فسمعته یقول یـ ( ابن أمّ إنّ القوم استضعفونی ) (۱۴) إلى آخر الآیه .
وجلس أبو بکر فی فی سقیفه بنی ساعده ، وقدم علیّ ، فقال له عمر : بایع .
فقال له علیّ (علیه السلام) : فإن أنا لم أفعل ، فمه ؟ فقال له عمر : إذاً أضرب والله عنقک .
فقال له علیّ (علیه السلام) : إذاً ـ والله ـ أکون عبدالله المقتول ، وأخا رسول الله ؛
فقال عمر : أمّا عبدالله المقتول فنعم ، وأمّا أخو رسول الله فلا ـ حتّى قالها ثلاثاً ـ .
فبلغ ذلک العباس بن عبد المطّلب فأقبل مسرعاً یهرول ، فسمعته یقول :
ارفقوا بابن أخی ، ولکم علیّ ان یبایعکم ، فأقبل العبّاس وأخذ بید علیّ ، فمسحها على ید أبی بکر ، ثم خلّوه مغضباً ، فسمعته یقول ـ ورفع رأسه إلى السماء ـ : اللهمّ إنّک تعلم أنّ النبیّ (صلى الله علیه وآله)قد قال لی : إن تمّوا عشرین فجاهدهم ، وهو قولک فی کتابک ( إن یکن منکم عشرون صابرون یغلبوا مأتین )(۱۵) .
قال : وسمعته یقول : اللهمّ وإنّهم لم یتمّوا عشرین ـ حتّى قالها ثلاثاً ـ ثم انصرف (۱۶) .
* ولقد ورد عن عبد الرحمان بن عوف عن أبیه ، قال : دخلت على أبی بکر أعوده ـ فی احتضاره ـ فاستوى جالساً … فقال إنّی لا آسى علی شیء إلا على ثلاث وددت أنّی لم أفعلهنّ : وددت أنّی لم أکشف بیت فاطمه وترکته ، وأن اغلق على الحرب ، وددت أنّی یوم السقیفه کنت قذفت الأمر فی عنق أبی عبیده أو عمر ، فکان أمیراً وکنت وزیراً … (۱۷) .
ویؤید هذا المعنى ما روی فی حدیث احتضار أبی بکر عن کتاب سلیم بن قیس الهلالی .. حیث یقول :
فلقیت محمد بن أبی بکر فقلت : هل شهد موت أبیک غیر أخیک عبدالرحمان وعائشه وعمر ؟ [ قال : لا . قلت : ] وهل سمعوا منه ما سمعت ؟!
قال : سمعوا منه طرفاً فبکوا ، وقالوا : یهجر ! فأمّا کلمّا سمعت أنا فلا .
قلت : والذی سمعوا منه ما هو ؟ قال : دعا بالویل والثبور ؟!
فقال له عمر : یا خلیفه رسول الله ، مالک تدعو بالویل والثبور ؟ قال : هذا محمد وعلی یبشّرانی بالنار ، بیده الصحیفه التی تعاهدنا علیها فی الکعبه ، وهو یقول « [ لعمری ] لقد وفیت بها فظاهرت على ولیّ الله أنت وأصحابک ، فأبشر بالنار فی أسفل السافلین » . فلمّا سمعها عمر خرج وهو یقول : إنّه لیهجر !
قال : لا ـ والله ـ لا أهجر [ أین تذهب ] قال عمر : أنت ثانی اثنین إذ هما فی الغار ! قال : الآن أیضاً ؟!
أولم احدثک أنّ محمّداً ـ ولم یقل رسول الله ـ قال لی وأنا معه فی الغار : إنّی أرى سفینه جعفر وأصحابه تعوم فی البحر »، قلت : فأرنیها ، فمسح وجهی ، فنظرت إلیها ، فاستیقنت عند ذلک أنّه ساحر ! [ فذکرت لک ذلک بالمدینه فاجتمع رأیی ورأیک على أنّه ساحر ! ] .
فقال عمر : یا هؤلاء إنّ أباکم یهجر ! واکتموا ما تسمعون منه ، لا یشمت بکم أهل هذا البلد ثم خرج وخرج أخی [ وخرجت عائشه ] لیتوضأ وللصلاه ، فأسمعنی من قوله ما لم یسمعوا . فقلت له ـ لمّا خلوت به ـ : یا أبه ، قل : لا إله إلاّ الله ، قال : لا أقولها أبداً ، ولا أقدر علیها حتّى [ أرد النار ] فأدخل التابوت . فلمّا ذکر التابوت ظننت أنه یهجر . فقلت له : أیّ تابوت ؟! فقال : تابوت من نار ، مقفّل من نار ، فیه اثنا عشر رجلاً : أنا وصاحبی هذا ، قلت : عمر ؟! قال نعم [ فمن أعنی ] ، وعشره ، فی جبّ فی جهنّم علیه صخره ، إذا أراد الله أن یسعّر جهنّم رفع الصخره ، قلت : تهذی ؟! قال : لا والله ، ما أهذی ، لعن الله ابن صهّاک ، هو الذی صدّنی عن الذکر بعد إذ جاءنی فبئس القرین ، لعنه الله ، ألصق خدّی بالأرض ، فألصقت خدّه بالأرض فما زال یدعو بالویل والثبور حتّى غمّضته … (۱۸) .
أما حدیث إسقاط الجنین ـ محسن (علیه السلام) ـ فهناک عده کتب تروی لنا هذه القصه إضافه إلى کسر الضلع وإضرام النار فلقد روی عن محمد بن عمار بن یاسر قال :
سمعت أبی یقول ـ فی حدیث ـ :
قال : وحملت بالحسن (علیه السلام) فلمّا رزقته ، حملت بعد أربعین یوماً بالحسین (علیه السلام) ، ثم رزقت زینب ، وام کلثوم ، وحملت بمحسن .
فلما قبض رسول الله (صلى الله علیه وآله)وجرى ما جرى فی یوم دخول القوم علیها دارها ، وإخراج ابن عمّها أمیر المؤمنین (علیه السلام) وما لحقها من الرجل : أسقطت بن ولداً تماماً ، وکان ذلک أصل مرضها ووفاتها (صلوات الله علیها) (۱۹) .
وقال المجلسی فی البحار … عن المفضل بن عمر عن الصادق (علیه السلام) فی حدیث طویل : وجمعهم الجزل والحطب على الباب لإحراق بیت أمیر المؤمنین وفاطمه والحسن والحسین وزینب وأمّ کلثوم وفضّه ، وإضرامهم النار على الباب ، وخروج فاطمه (علیها السلام)إلیهم ، وخطابها لهم من وراء الباب وقولها : ویحک یا عمر ، ما هذه الجرأه على الله وعلى رسوله ؟ ترید أن نقطع نسله من الدنیا وتفنیه وتطفىء نور الله ؟ والله متمّ نوره ، وانتهاره لها ، وقوله : کفّی یا فاطمه ، فلیس محمد حاضراً ، ولا الملائکه آتیه بالأمر والنهی والزجر من عند الله ، وما علیّ إلا کأحدٍ من المسلمین ، فاختاری إن شئت خروجه لبیعه أبی بکر ، أو إحراقکم جمیعاً .
فقالت وهی باکیه : اللهمّ إلیک نشکو فقد نبیّک ورسولک وصفیّک ، وارتداد امّته علینا ، ومنعهم إیّانا حقّنا الذی جعلته لنا فی کتابک المنزل على نبیک المرسل :
فقال لها عمر : دعی عنک یا فاطمه ، حمقات النساء ، فلم یکن الله لیجمع لکم النبوّه والخلافه وأخذت النار فی خشب الباب ، وإدخال قنفذ یده (لعنه الله) یروم فتح الباب ؛ وضرب عمر لها بالسوط على عضدها حتى صار کالدملج الأسود ؛ ورکل الباب برجله ، حتى أصاب بطنها وهی حامله بالمحسن لستّه أشهر ، وإسقاطها إیّاه ، وهجوم عمر وقنفذ وخالد بن الولید ؛ وصفقه خدّها حتى بدا قرطاها تحت خمارها ، وهی تجهر بالبکاء ، وتقول : واأبتاه ، وارسول الله ابنتک فاطمه تکذّب ، وتضرب ، ویقتل جنین فی بطنها .
وخروج أمیر المؤمنین (علیه السلام) من داخل الدار محمرّ العین حاسراً ، حتى ألقى ملاءته علیها وضمّها إلى صدره وقوله لها : یا بنت رسول الله ، قد علمت أنّ أباک بعثه الله رحمه للعالمین ، فالله الله أن تکشفی خمارک ، وترفعی ناصیتک ، فوالله یا فاطمه ، لئن فعلت ذلک لا أبقى الله على الأرض من یشهد أنّ محمداً رسول الله ، ولا موسى ولا عیسى ولا إبراهیم ولا نوح ولا آدم ، [ ولا ] دابّه تمشی على الأرض ، ولا طائراً فی السماء إلا أهلکه الله .
ثم قال : یابن الخطّاب ، لک الویل من یومک هذا وما بعده وما یلیه ، اخرج قبل أن اشهر سیفی فافنی غابر الامّه ، فخرج عمر وخالد بن الولید وقنفذ وعبد الرحمان بن بی بکر ، فصاروا من خارج الدار .
وصاح أمیر المؤمنین بفضّه یا فضّه ، مولاتک فاقبلی منها ما تقبله النساء ، فقد جاءها المخاض من الرفسه ، وردّ الباب ، فأسقطت محسناً .
فقال أمیر المؤمنین (علیه السلام): فإنّه لا حق بجدّه رسول الله (صلى الله علیه وآله)فیشکو إلیه الحدیث (۲۰).
وفی علم الیقین فی اصول الدین : ثم إنّ عمر جمع جماعه من الطلقاء والمنافقین وأتى بهم إلى منزل أمیر المؤمنین (علیه السلام) فوافوا بابه مغلقاً فصاحوا به : اخرج یا علیّ ، فإنّ خلیفه رسول الله یدعوک ، فلم یفتح لهم الباب ؛ فأتوا بحطب فوضعوه على الباب ، وجاؤوا بالنار لیضرموه ، فصاح عمر ، وقال : والله ، لئن لم تفتحوا لنضرمنّه بالنار ، فلمّا عرفت فاطمه (علیها السلام)أنّهم یحرقون منزلها قامت وفتحت الباب ، فدفعها القوم قبل أن تتوارى عنهم ، فاختبت فاطمه (علیها السلام)وراء الباب والحائط .
ثم إنّهم تواثبوا على أمیر المؤمنین (علیه السلام) وهو جالس على فراشه ، واجتمعوا علیه حتى أخرجوه سحباً من داره ، ملبّباً بثوبه یجرّونه إلى المسجد .
فحالت فاطمه (علیها السلام)بینهم وبین بعلها ، وقالت : والله ، لا أدعکم تجرّون ابن عمّی ظلماً ، ویلکم ما أسرع ما خنتم الله ورسوله فینا أهل البیت ، وقد أوصاکم رسول الله (صلى الله علیه وآله)باتّباعنا ومودّتنا والتمسّک بنا !
وقال الله تعالى : ( قل لا أسئلکم علیه أجراً إلا المودّه فی القربى ) .
قال : فترکه أکثر القوم لأجلها ، فأمر عمر قنفذ بن عمّ أن یضربها بسوطه .
فضربها قنفذ بالسوط على ظهرها وجنبیها إلى أن أنهکها وأثّر فی جسمها الشریف وکان ذلک الضرب أقوى ضرراً فی إسقاط جنینها ، وقد کان رسول الله (صلى الله علیه وآله)سماّه محسناً ، وجعلوا یقودون أمیر المؤمنین (علیه السلام) إلى المسجد حتى أوقفوه بین یدى أبی بکر ، فلحقته فاطمه (علیها السلام)إلى المسجد لتخلّصه ، فلم تتمکّن من ذلک ؛ فعدلت إلى قبر أبیها فأشارت إلیه بحزنه ونجیب ، وهی تقول :
نفسی على زفراتها محبوسه * یا لیتها خرجت من الزفرات
لا خیر بعدک فی الحیاه وإنّما * أبکی مخافه أن تطول حیاتی
ثم قالت : وااسفاه علیک یا أبتاه ، وأثکل حبیبک أبو الحسن المؤتمن ، وأبو سبطیک الحسن والحسین ، ومن ربّیته صغیراً ، وآخیته کبیراً ، أجلّ أحبّائک لدیک وأحبّ أصحابک علیک ، أوّلهم سبقاص إلى الإسلام ، ومهاجره إلیک یا خیر الأنام ؛ فها هو یساق فی الأسر کما یقاد البعیر .
ثم إنّها أنّت أنّهً وقالت : وامحمّداه ، واحبیباه ، واأباه ، واأبا القاسماه ، واأحمداه ، واقلّه ناصراه ، واغوثاه ، واطول کربتاه ، واحزناه ، وامصیبتاه ، واسوء صباحاه ؛ وخرّت مغشیّه علیها ، فضجّ الناس بالبکاء والنجیب ، وصار المسجد مأتماً .
ثم إنّهم أوقفوا أمیر المؤمنین (علیه السلام) بین یدی أبی بکر ، وقالوا له : مدّ یدک فبایع ، فقال : ـ والله ـ لا ابایع ، والبیعه لی فی رقابکم .
فروی عن عدیّ بن حاتم أنّه قال : ـ والله ـ ما رحمت أحداً قطّ رحمتی علیّ بن أبی طالب (علیه السلام) حین اتی به ملبّباً بثوبه ، یقودونه إلى أبی بکر ، وقالوا : بایع .
قال : فإن لم أفعل ؟ قالوا : نصرب الذی فیه عیناک .
قال : فرفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم إنّی اشهدک أنّهم أتوا أن یقتلونی ، فإنّی عبدالله وأخو رسول الله ، فقالوا له : مدّ یدک فبایع ، فأبی علیهم فمدّوا یده کرهاً فقبض علیّ (علیه السلام) أنامله ، فراموا بأجمعهم فتحها فلم یدورا ، فمسح علیها أبو بکر ، وهی
مضمومه ، وهو (علیه السلام) یقول وینظر إلى قبر رسول الله (صلى الله علیه وآله)( یابن أمّ إنّ القوم استضعفونی وکادوا یقتلوننی ) .
قال الراوی : إنّ علیاً (علیه السلام) خاطب أبا بکر بهذین البیتین :
فـإن کـنت بـالشورى مـلکت امـورهم * فکــیف بــهذا والمشــیرون غــیّب
وإن کنت بـالقربى حــججت خـصیمهم * فـــغیرک أولى بـــالنبیّ وأقـــرب
وکان (علیه السلام) کثیراً ما یقول : واعجباه تکون الخلافه بالصحابه ، ولا تکون بالقرابه والصحابه ؟! (۲۱) .
وفی الملل والنحل : إنّ عمر ضرب بطن فاطمه (علیها السلام)یوم البیعه حتى ألقت الجنین من بطنها وکان یصیح : أحرقوا دارها بمن فیها .
وما کان فی الدار غیر علیّ وفاطمه والحسن والحسین (علیهم السلام)(۲۲) .
وعن الوافی بالوفیات : قال صلاح الدین الصفدی الشافعی المتوفّى ۷۶۴ فی ترجمه « النظام » فی ذکر أقواله :
وقال : إنّ عمر ضرب بطن فاطمه یوم البیعه ، حتى ألقت المحسن من بطنها (۲۳) .
وعن لسان المیزان : إنّ عمر رفس فاطمه (علیها السلام)حتى أسقطت بمحسن (۲۴) .
وعن العقد الفرید : الذین تخلّفوا عن بیعه أبی بکر ، علیّ (علیه السلام) والعباس والزبیر وسعد ابن عباده ، فأمّا علیّ (علیه السلام) والعبّاس والزبیر فقعدوا فی بیت فاطمه (علیها السلام)حتى بعث إلیهم أبوبکر عمر بن الخطاب لیخرجوا من بیت فاطمه ، وقال له :
إن أبوا فقاتلهم ، فأقبل بقبس من نار على أن یضرم علیهم الدار ؛ فلقیته فاطمه فقالت : یابن الخطّاب ، أجئت لتحرق دارنا ؟! قال : نعم … (۲۵) .
وعن معارف القتیبی : إنّ محسناً فسد من زخم قنفذ العدوی (۲۶) .
وعن إثبات الوصیه : … فأقام أمیر المؤمنین (علیه السلام) ومن معه من شیعته فی منزله بما عهد إلیه رسول الله (صلى الله علیه وآله)، فوجّهوا إلى منزله ، فهجموا علیه ، وأحرقوا بابه واستخرجوه منه کرهاً ، وضغطوا سیّده النساء بالباب حتى أسقطت محسناً ، وأخذوه بالبیعه فامتنع وقال : لا أفعل ، فقالوا : نقتلک ، فقال : إن تقتلونی فإنّی عبدالله وأخو رسوله … (۲۷) .
وعن بیت الأحزان : قال المحدّث القمّی ( ره ) : وکان سبب وفاتها أنّ قنفذاً مولى عمر نکزها بنعل السیف (۲۸) .
وعن ملتقى البحرین : أخذت فاطمه (علیها السلام)باب الدار ولزمتها عن ورائها ، فمنعتهم عن الدخول ، ضرب عمر برجله على الباب ؛ فقلعت فوقعت على بطنها ( سلام الله علیها ) ، فسقط جنینها المحسن (۲۹) .
وروی فی عله وفاه الصدیقه الطاهره (علیها السلام): ان عمر بن الخطاب هجم مع ثلاثمائه رجلٍ على بیتها سلام الله علیها (۳۰) .
أقول : إنّ هذا الهجوم الشرس الذی قاده عمر وعصابته الأوباش والطلقاء والمنافقین على بیت الوحی والرساله وهم الذین قال الله تعالى فی حقهم : ( فی بیوت أذن الله أن ترفع ویذکر فیها اسمه ) :
وقال عز ذکره : ( إنّما یرید الله لیذهب عنکم الرجس أهل البیت ویطهّرکم تطهیراً ) :
وکان النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله)لا یدخله حتى یستأذن من أهله ، ولکن الأوغاد دخلوه عنوه وبغیر استئذان وکان عددهم « 300» نفراً کما فی الروایه ، وکان فی مقدّمتهم عمر ومعه الفتیله ، أبو بکر ، عثمان ، خالد بن الولید ، المغیره بن شعبه ، أبو عبیده بن الجرّاح ، سالم مولى أبی حذیفه ، قنفذ أن عمّ عمر ـ وکان رجل فظاً ، غلیظا ، جافیاً من الطلقاء ـ اسید بن خضیر ، وسلمه بن سلامه بن وقش وکانا من بنی عبدالله الأشل ، ورجل من الأنصار ، زیاد بن لبید ، وزید بن اسلم ، وکان ممّن حمل الحطب مع عمر .
وکانت بدایه هذا الهجوم کما جمعته من الروایات : ادخال قنفذ لعنه الله یده یروم فتح الباب ثمّ دعا عمر بالنار فأضرمها فی الباب ، ثمّ دفعها برجله فکسرها ودخل .
أرسل أبو بکر إلى قنفذ : أن اضربها فألجأها إلى عضاده باب بیتها ، فدفعها فکسر ضلعاً من أضلاعها ونبت مسمار الباب فی صدرها ، ثمّ لطم عمر خدّها حتّى احمرّت عینها ، کما صرّح بهذا نفسه « صفقت خدّها حتى بدا قرطاها تحت خمارها » . فی روایه اخرى : « قال عمر : فصفقت صفقه على خدّها من ظاهر الخمار ، فانقطع قرطها وتناثر إلى الأرض » .
ثمّ عمر رفس فاطمه (علیها السلام)، ثمّ رفع السیف وهو فی غمده فوجأ به جنبها ، ورفع السوط فضرب بها ذراعها ، ثمّ ضربها بالسوط عل یعضدها حتى صار کالدملج الأسود ، ثمّ أخذ من خالد بن الولید سیفاً فجعل یضرب على کتفها ، ثمّ ضرب المغیره بن شعبه فاطمه (علیها السلام)حتّى أدماها ، ثمّ سلّ خالد بن الولید السیف لیضرب فاطمه (علیها السلام)، ثمّ لکزها قنفذ بنعل السیف بأمر عمر ، ثمّ ضرب قنفذ فاطمه بالسوط على ظهرها وجنبیها إلى أن أنهکها وأثّر فی جسمها الشریف ، ثمّ ضرب عمر بطن فاطمه (علیها السلام)حتّى ألقت الجنین من بطنها وکان یصیح : أحرقوا دارها بمن فیها .
وهذا المشهد الدامی الذی تتفطّر منه السماوات والأرض ، وساعد الله قلب صاحب الأمر عجّل الله تعالى فرجه الشریف بما جرى لاُمّه فاطمه (علیها السلام)یذکرنا أیضاً بما جرى على ولدها الإمام الشهید الحسین (علیه السلام) حین داست خیول بنی امیّه لعنهم الله على جسده وصدره الشریف یوم عاشوراء .
وأخیراً کما قالت الزهراء (علیها السلام)الشهیده المظلومه المضطهده فی ذلک الیوم : « أخذ عمر السوط من ید قنفذ مولى أبی بکر فضرب به عضدی ، فالتوى السوط على عضدی حتى صار کالدملج ، ورکل الباب برجله فردّه علیّ وأنا حامل ، فسقطت لوجهی والنار تسعر وتسفع وجهی ، فضربنی بیده حتى انتثر قرطی من اذنی وجاءنی المخاض فأسقطت محسناً قتیلاً بغیر جرم » .
هذا ما استطعنا أن نثبته من خلال الکتب التی روت لنا قصه السقیفه وظلم الزهراء (علیها السلام)، أمام ظلمها فی فدک فسوف یأتینا فی بحثنا حول فدک وندعوا الله تعالى ونتوسل إلیه عن المظلومه أن یوفقنا لخدمتها ونیل شفاعنها والسیر على هداها ، واللعنه الدائمه على ظالمیها وقاتلیها .
أمّا مصادر ما جرى على الصدیقه فاطمه (علیها السلام)من الظلامات ، فهی :
۱ ـ تاریخ الیعقوبی : ۲ | ۱۱۶ .
۳ ـ الإمامه والسیاسه : ۱ | ۱۹ ، ۲۰ .
۵ ـ الملل والنحل للشهرستانی : ۱ | ۵۷ .
۷ ـ الوافی بالوفیّات : ۵ | ۳۴۷ .
۹ ـ تاریخ أبو الفداء : ۱ | ۱۶۴ .
۱۱ ـ أعلام النساء : ۴ | ۱۱۴ .
۱۳ ـ قرّه العین للدهلوی : ۷۸ .
.۲۷۱ ـ ابن خیزران فی غرره: ۱۵ 2 ـ العقد الفرید : ۴ | ۲۵۹ ، ۵ | ۱۳ .
۴ ـ لسان المیزان : ۱ | ۲۶۸ ، ۴ | ۱۸۹ .
۶ ـ انساب الأشراف : ۱ | ۵۸۶ .
۸ ـ الکنى والألقاب : ۳ | ۲۱۹ .
۱۰ ـ تاریخ الطبری : ۳ | ۲۰۲ .
۱۲ ـ إثبات الوصیّه : ۱۲۳ .
۱۴ ـ السیره الحلبیّه : ۳ | ۳۶۲ .
۱۶ ـ تلخیص الشافی : ۳ | ۷۶ .
۱۷ ـ صحیح البخاری : ۴ | ۹۶ ، ۵ | ۱۷۷ .
۱۸ ـ شرح نهج البلاغه : ۲ | ۴۵ و۴۶ و ۵۰ و ۵۶ ، ۶ | ۱۰ ، ۱۱ | ۱۱۳ ، ۱۴ | ۱۹۳ .
لقد تفجّرت قرائح شعراء أهل البیت (علیهم السلام)من خبر المسمار وآلمهم المصاب الجلل ، على مصیبه الزهراء (علیها السلام)عامّه ، وفی خبر المسمار خاصّه ، وظلّ خبر المسمار الدامی الذی نبت فی صدر الزهراء البتول تتذاکره الشیعه جیلاً بعد جیل فبقیت ناراً فی قلوبهم لا ینطفىء أوارها إلى یوم القیامه ومن الفقهاء العظام الذین ذکروا خبر المسمار :
السید صدرالدین الصدر رحمه الله المتوفى سنه ۱۳۷۳ هـ ق حیث قال ضمن قصیدته :
مـن سعى فی ظلمها مـن راعـها * من عـلا فـاطمه الزهـراء جـارا
من غدا ظـلماً عـلى الدار التـی * اتـخذتها الإنــس والجنّ مـزارا
طـالما الأمـلاک فـیها أصـبحت * تـلثم الأعــتاب فـیها والجـدارا
ومـن النـار بـها یـنجو الورى * مـن عـلى أعـتابها أضـرم نـارا
والنـبیّ المـصطفى کـم جـاءها * یطلب الإذن مـن الزهـراء مـرارا
وعـــلیها هــجم القــوم ولم * تـک لاذت لا وعـــلیاها الخـمارا
لست أنســاها ویـا لهـفی لهـا * إذ وراء البــاب لاذت کـی تـوارا
فـتک الرجس عــلى البـاب ولا * تسألن عــمّا جـرى ثـم وصـارا
لا تسلنی کـیف رضّـوا ضـلعها * واسألنّ البــاب عـنها والجــدارا
وسألـن لؤلؤ قـــرطیها لمــا * انتثرت والعــین لم تشکو إحمـرارا
وهـل المسـمار مــوتور لهـا * فغدا فـی صــدرها یـطلب ثـارا
وقال الشیخ الفقیه المحقّق محمد حسین الاصفهانى الغروی النجفی ( ره ) المتوفى سنه ۱۳۶۱ هـ :
أیــضرم النـار بـباب دارهــا * وآیــه النـور عــلى مــنارها
وبــابها بـاب نــبیّ الرحــمه * وبــاب أبــواب نــجاه الامّـه
بـل بـابها بـاب العـلیّ الأعـلى * فــثم وجــه الله قــد تــجلّى
مـا اکـتسبوا بـالنار غـیر العـار * ومــن ورائـه عــذاب النــار
مـا أجـهل القـوم فـإنّ النـار لا * تـطفیء نـور الله جـلّ وعـــلا
لکـنّ کسـر الضـلع لـیس ینجبر * إلا بـصمصام عــزیز مـــقتدر
إذ رضّ تـلک الأضـلع الزکــیّه * رزیّـــه لا مـــثلها رزیّـــه
ومــن نـبوع الدم مـن ثـدییها * یـعرف عـظم مـا جـرى عـلیها
وجــاوزوا الحـدّ بـلطم الخـدّ * شـلّت یـد الطــغیان والتــعدّی
فـاحمرّت العـین وعـین المعرفه * تذرف بالدمع عـلى تـلک الصــفه
ولا تـزیل حـمره العـین سـوى * بیض السیوف یـوم یـنشر اللـوى
وللســیاط رنّـه صــداهــا * فی مسـمع الدهـر فـما أشــجاها
والأثـر البـاقی کـمثل الدمـلج * فی عضد الزهـراء أقـوى الحـجج
ومـن سـواد متنها اسـودّ الفضا * یـا سـاعد الله الإمــام المـرتضى
ووکـز نـعل الســیف فـی جـنبیها * أتـى بکــلّ مــا أتــى عـلیها
ولست أدری خـــبر المســــمار * سـل صـدرها خـزانـه الأسـرار
وفـی جـنین المجد مـا یدمی الحشى * وهل لهـم اخـفاء أمـر قـد فشـى
والبــاب والجـــدار والدمـــاء * شــهود صــدق مـا بـه خـفاء
لقـد جـنى الجـانی عــلى جـنینها * فـاندکّت الجـبال مــن حــنینها
أهکــذا یــصنع بــابنه النــبّی * حرصاً عـلى المـلک فـیا للـعجب
أتــمنع المکـــروبه المــفروحه * عن البکـاء خـوفاً مـن الفـضیحه
تــالله یـنبغی لهــا تبکی دمـــا * مــا دامت الأرض ودارت السـما
لفــقد عــزّها أبـــیها السـامی * ولاهـــتضامها وذل الحـــامی
أتســـتباح نـــحله الصـــدّیقه * وارثـها مــن أشـرف الخــلیقه
کــیف یـــردّ قــولها بــالزور * اذ هـــو ردّ أیــه التـــطهیر
أیــؤخذ الدیــن مـن الأعـرابـی * ویـنبذ المـنصوص فــی الکـتاب
فـاستلبوا مـــا مــلکت یــداهـا * وارتکــبوا الخـــزیه مــنتهاها
یـا ویـلهم قــد سألوهــا البــیّنه * عـلى خـــلاف الســنّه المـبیّنه
وردّهـــم شـــهاده الشــــهود * أکـبر شــاهد عــلى المــقصود
ولم یکــن سـدّ الثـغور غـــرضا * بـل سـدّ بـابها وبـاب المـرتضى
صـدّوا عـن الحـقّ وسـدّوا بــابه * کأنّــهم قـد آمنـــوا عــذابـه
أبـضعه الطـهر العــظیم قــدرها * تــدفن لیـلاً ویـعفى قــــبرها
مــا دفـنت لیــلاً بســتر وخـفا * إلا لوجــدها عــلى أهـل الجـفا
مــا ســمع السـامع فـیما سـمعا * مـــجهوله بــالقدر والقـبر مـعا
یـا ویـلهم مـــن غـضب الجـبّار * بـــظلمـهم ریــحانه المــختار
إذن بعد معرفه بعض مقامات الزهراء (علیها السلام) وظلاماتها ، یأتی بیان قضیه أصل یوم العذاب ، فالذی یرد على ذهن القاری قبل کل شیء کیف کان هذا التعبیر من الإمام الصادق (علیه السلام) بأن ظلاماتهم (علیهم السلام) هی ألاصل لیوم الغذاب فی الآخره ؟ ولقد قلنا سابقاً ان الإمام (علیه السلام) باعتباره یمثل الإمتداد الطبیعی لخلافه الرسول الأکرم فهو إذن لا یتکلم دون وجود مقدمات أولیه یقینیه عنده بحیث على ضوء هذه المقدمات یحکم بهذا الحکم العقائدی المهم .
أما ما ورد من القرآن الکریم وبیان کیف أن ظلمهم صار الأصل لیوم العذاب فهو على ما جاء فی قوله تعالى ( ان الذین یؤذون الله ورسوله لعنهم الله فی الدنیا والاخره وأعد لهم عذاباً مهیناً ) (۳۱) حیث أثبتت هذه الآیه المبارکه ان کل من تسول نفسه فی أذیه رسول اله (صلى الله علیه وآله)أو أذیه أولیاء الله تعالى ( حیث قالت الآیه یؤذون الله أی أن الله تعالى لا تصل إلیه الأذیه وإنما تکون الأذیه لأولیاءه فیتأذى لهم ) سوف تکون له اللعنه فی الدنیا وهی الطرد من رحمه الله تعالى وفی الآخره إعداد العذاب الإلهی له وأذیه رسو الله لها عده صور فتاره تکون عبر سبه أجارنا الله تعالى وتاره أخرى عن طریق أذیه ذریته وخاصه الصدیقه الشهیده فاطمه (علیها السلام)، حیث ورد عنه (صلى الله علیه وآله)أنه قال : من آذى فاطمه فقد آذانی ومن طلمها فقد ظلمنی … الخ الأحادیث الوارده فی أذى الزهراء وغضبها ، فلا شک عندئذ یکون کل من ظلمها وآذاها فقد آذى الله تعالى وآذى رسوله تکون النتیجه فی ذلک اللعنه على ذلک الظلم والعذاب الألیم والمهین یوم القیامه ، وهذا معناه أنه کل من ظلمهم فهو فی النار وتکون عندئذ ظلاماتهم الأصل لیوم العذاب فی الآخره .
وأما ما ورد من السنه الشریفه فلقد قال رسول الله (صلى الله علیه وآله): « یا فاطمه ان الله لیغضب لغضبک ویرضى لرضاک » .
وهذا یعنی أن غضب الله تعالى له عده صور فمره یکون غضبه تعالى على انسان معین فی الدنیا فیظهر نقمته علیه ، ومره أخرى فی الآخره وهو ما یعبر عنه بیوم العذاب فی جهنم ، وعلیه کل من غضبت علیه الزهراء (علیها السلام)فهو خالد فی النار لا محاله بدلیل الحدیث فعلیه تکون ظلامه الزهراء (علیها السلام)وأذیتها هو نوع من الأعمال التی تؤدی إلى غضبها وبالنتیجه سوف یکون الظالمین لها فی النار فتکون عندئذ ظلامتها الأصل لیوم العذاب ، أما لماذا أن رضاها هو رضا الله تعالى وغضبها هو غضب الله تعالى وکیف أصبحت بهذا المقام ما نجده عزیزی القاریء فی البحث الذی یثبت کیفیه أن الزهراء مر تبطه بأصول الدین وخاصه بالعدل فراجع بحثنا فیه .
ومن هنا انقدح فی المقام السئوال المهم الذی یقول : ماذا تقولون فی الأمم السابقه الذین کانوا قبل فتره رسول الله فانه لا شک أن لهم إما الجنه أو النار فکیف صارت ظلامات الزهراء (علیها السلام)وأهل بیتها هم الأصل لیوم العذاب ونحن نعلم أن الأمم السابقه لم تکن موجوده فی زمن الرسول وما بعده ؟
الجواب : وبیان ذلک یمکن أن یستفاد من الذی استنبطه بعض محققی علمائنا من حدیث المفضل بن عمر عن الصادق (علیه السلام) ولننقل ملاحظه کلامه مع الحدیث المذکور قال رحمه الله (۳۲) : إن أحکام الله تعالى إنما تجری على الحقائق الکلیه والمقامات النوعیه فحیث ما خوطب قوم بخطاب ونسب الیهم فعل دخل فی ذلک الخطاب وذلک الفعل عند العلماء واولی الألباب کل من کان من سنخ اولئک القوم وطینتهم ، فصفوه الله حیث ما خوطبوا بمکرمه أو نسبوا إلىأنفسهم مکرمه یشمل ذلک کل من کان من سنخهم وطینتهم من الأنبیاء والاولیاء وکل من کان من المقربین إلا بمکرمه خصوا بها دون غیرهم وکذلک إذا خوطبت شیعتهم ومحبوهم بخیر أو نسب الیهم خیر أو خوطب أعداؤهم ومخالفوهم بسوء أو نسب الیهم سوء یدخل فی الأول کل من کان من سنخ شیعتهم وطینه محبیهم وفی الثانی کل من کان من سنخ أعدائهم وطینه مبغضیهم من الأولین والآخرین وذلک لأن کل من أحبه الله ورسوله أحبه کل مؤمن من ابتداء الخلق إلى انتهائه وکل من أبغضه الله ورسوله أبغضه کل مؤمن کذلک وهو یبغض کل من أحبه الله ورسوله فکل مؤمن فی العالم قدیماً أو حدیثاً إلى یوم القیامه فهو من شیعتهم ومحبیهم وکل جاحد فی العالم قدیماً أو حدیثاً إلى یوم القیامه فهو من مخالفیهم ومبغضیهم ، قال رحمه الله وقد وردت الإشاره إلى ذلک فی کلام الإمام الصادق (علیه السلام) فی حدیث المفضل بن عمرو وهو الذی رواه الصدوق فی کتاب العلل بإسناده عن المفضل ، قال : قلت لأبی عبدالله (علیه السلام) : بما صار علی بن أبی طالب صلوات الله علیه قسیم الجنه والنار ؟ قال : لأن حبّه إیمان وبغضه کفر وإنما خلقت الجنه لأهل الإیمان وخلقت النار لأهل الکفر الکفر فهو (علیه السلام) قسیم الجنه والنار لهذه العله ، فالجنه لا یدخلها إلا أهل محبته والنار لا یدخلها إلا أهل بغضه .
قال المفضل : قلت یا بن رسول الله فالأنبیاء والأوصیاء هل کانوا یحبونه وأعدائهم یبغضونه ؟
فقال : نعم .
قلت : فکیف ذلک ؟ قال : أما علمت أن النبی (صلى الله علیه وآله)قال یوم خیبر لأعطین الرایه غداً رجلاً یحبه الله ورسوله لا یرجع حتى یفتح الله على یده ؟ قلت : بلى قال : اما علمت أن رسول الله (صلى الله علیه وآله)لما أتى بالطائر المشوی قال : اللهم ائتنی بأحب خلقک الیک یأکل معی هذ الطیر وعنى به علیاً ؟ قلت : بلى قال : أیجوز أن لا یحب أنبیاء الله ورسله وأوصیائهم من یحبه الله ورسوله ویحب الله وحبیب الله وحبیب رسوله وأنبیائه؟ قلت : لا . قل : فقد ثبت أن جمیع أنبیاء الله ورسله وجمیع المؤمنین کانوا لعلی بن أبی طالب محبین وثبت أن المخالفین لهم کانوا له ولجمیع أه لامحبته مبغضین قلت : نعم ، قال : فلا یدخل الجنه إلا ما أحبه من الأولین والآخرین فهو إذن قسیم الجنه والنار ، قال المفضل : فقلت له : یا بن رسول الله فعلی بن أبی طالب یدخل محبه الجنه ومبغضه النار أو رضوان ومالک ؟ فقال : یا مفضل أما علمت أن الله تبارک وتعالى بعث رسوله وهو روح إلى الأنبیاء (علیهم السلام)وهم أرواح قبل خلاق الخلق بالفی عام ؟
قلت : بلى قال : أما علمت أنه دعاهم إلى توحید الله وطاعته واتباع أمره ووعدهم الجنه على ذلک وأوعد من خالف ما أجاب إلیه وأنکره النار ؟
قال : بلی . قال : فلیس رسول الله (صلى الله علیه وآله)ضامناً لما وعد وأوعد عن ربه عز وجل ؟ قلت : بلى قال : أولیس علی بن أبی طالب خلیفته وإمام منه ؟ قلت : بلى قال : أولیس رضوان ومالک من جمله الملائکه والمستغفرین لشیعته الناجین بمحبته ؟ قلت : بلى .
قال : فعلی بن أبی طالب إذن قسیم الجنه والنار عن رسول الله ورضوان ومالک صادران عن أمره بأمر الله تعالى . یا مفضل خذها فإنه من مخزون العلم ومکنونه لا تخرجه إلا إلى أهله .
فعلیه کل الذی یجری فی حق أمیر المؤمنین یجری فی الزهراء (علیها السلام)لأنهما کل واحد کفو للآخر وأضف إلى ذلک أن هناک الکثیر من الروایات تفید هذا المضمون ، وأیضاً موجود فی الآثار الشریفه أنه لو اجتمع الناس على ولایه علی (علیه السلام) ـ أو حبه ـ لم خلق الله النار ، فیکون مضمون هذا الحدیث إضافه إلى أحادیث أخرى بهذا المضمون أن أصل یوم العذاب مثلما هو ثابت فی ظلامات فاطمه (علیها السلام)کذلک هو ثابت فی حق غصب الخلافه من أمیر المؤمنین ، والذی نرید القول به من خلال هکذا مبحث أنه الناس منقسمون فی قضیه الصدیقه الشهیده إلى قسمین إما اشتراکهم فی نصرتها وإما اشتراکهم فی ظلمها ، فمن نصرها فهو من الفائزن برضا الله تعالى لأن نصرتها هو رضاً لها ورضاها رضا الله تبارک وتعالى ، وإما من لم ینصرها فهو مع الظالمین ومشترک فی ظلمهم للصدیقه الشهیده ویکون بالنتیجه خالد فی النار .
فکانت ظلاماتها (علیها السلام) هی الأصل والأساس الذی جعله الله تعالى فی یوم القیامه لورود الظالمین إلى نار جهنم ، وکما بینا ذلک من خلال الحدیث المتقدم ، وکذلک غصب خلافه أمیر المؤمنین أیضاً هی الأصل لیوم العذاب لأنه کما ورد أنه لو اجتمع النس على ولایه أمیر المؤمنین على بن أبی طالب لما خلق الله النار ، ولکن لما انه لم یجتمع الناس على ولایه أمیر المؤمنین فالنار موجوده ولها وقود من الناس والحجاره اعدت للظالمین ومن ولاهم ونصرهم .
ــــــــــــــــــ
(۱) النساء : ۴۰ .
(۲) الحج : ۷۱ .
(۳) هود : ۱۱۳ .
(۴) لسان العرب لابن منظور : ۱۵ | ۲۲۶ .
(۵) المفردات فی غریب القرآن للراغب الاصفهانی : ۳۱۵ .
(۶) بصائر ذوی التمییز للفیروز ابادی : ۴ | ۲۳۰ .
(۷) صحیح البخاری بشرح العسقلانی : ۵ | ۹۵ .
(۸) عمده القاری شرح صحیح البخاری للعینی : ۱۲ | ۲۳۸ .
(۹) الدمعه الساکبه : ۶۹ ، کامل الزیارات : ۳۳۲ ، البحار : ۲۸ | ۶۱ .
(۱۰) الاحتجاج : ۱ | ۱۰۵ ، الإمامه والسیاسه : ۱۲ ، بلاغات النساء : ۴ | ۱۱۴ .
(۱۱) الاحتجاج عن سلیم بن قیس الهلالی ۱ | ۱۰۶ .
(۱۲) کتاب سلیم بن قیس : ۳ | ۵۸۳ .
(۱۳) نهج الحق وکشف الصدق : ۲۷۱ .
(۱۴) الأعراف : ۱۵۰ .
(۱۵) الأنفال : ۶۵ .
(۱۶) تفسیر العیاشی : ۲ | ۶۶ ح ۷۶ ، البرهان : ۲ | ۹۳ ح ۴ ، الاختصاص : ۱۸۱ .
(۱۷) لسان المیزان : ۴ | ۱۸۹ ، ۱۷ ج ۲۸ ، الإمامه والسیاسه : ۱ | ۱۸ مثله .
(۱۸) کتاب سلیم بن قیس : ۲ | ۸۲۰
(۱۹) دلائل الإمامه : ۲۶ .
(۲۰) البحار : ۵۳ | ۱۸ ، بهجه قلب المصطفى : ۵۲۸ ح ۲۳ ، اعلموا أنی فاطمه : ۸ | ۷۱۶ .
(۲۱) علم الیقین فی اصول الدین : ۶۸۶ للفیض الکاشانی .
(۲۲) ۱ | ۵۷ للشهرستانی .
(۲۳) ۵ | ۳۴۷ ، عنه اعلموا أنی فاطمه : ۸ | ۷۱۵ .
(۲۴) ۱ | ۲۶۸ .
(۲۵) ۵ | ۱۲ ، عنه البحار : ۲۸ | ۳۳۹ .
(۲۶) عنه المناقب لابن شهر اشوب : ۳ | ۱۳۲ .
(۲۷) ۱۴۳ ، عنه البحار : ۲۸ | ۳۰۸ ضمن ح ۵۰ .
(۲۸) ۱۶۰ .
(۲۹) ۴۱۸ .
(۳۰) العوالم : ۲ | ۵۸ .
(۳۱) الأحزاب : ۵۷ .
(۳۲) البرهان : ۱ | ۸ .
تقدیم آیه الله السید عادل العلوی