نظریّه الشیعه فی الصحابه

0

وقد جزم بعض من لا وقوف له أنّ جمیع الصحابه کانوا على منوال واحد، وأنّ التفریق کان شیعیًّا رافضیًّا ، من دون أن یقیم على ذلک أیّه حجّه .
ولو تدبّر فی قولـه تعالى : ]إِنَّما یَسْتَأْذِنُکَ الَّذِینَ لایُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْیَوْمِ اْلآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فىِ رَیْبِهِمْ یَتَرَدَدُونَ ٭ وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ َلأَعَدُّوا لَهُ عُدَّهً وَلَکِنْ کَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِیلَ اقْعُدُوا مَعَ اْلقَاعِدینَ ٭ لَوْ خَرَجُواْ فِیکُمْ مازادُوکُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأََوْضَعُوْا خِلالَکُمْ یَبْغُونَکُمُ اْلفِتْنَهَ وَفِیکُمْ سَماَّعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِیمٌ بِالظَّالِمِینَ[([۱]) وبالخصوص فی جمله ]وفیکم سمّاعون لهم[ لفهم أنّ التفریق ربّانیّ ، ولیس رافضیًّا ; فإنّ ضمیر الخطاب فی قوله » فیکم« راجع إلى المؤمنین ، وضمیر الغیبه فی قوله » لهم« راجع إلى المنافقین ، فبیّن الله U أنّه توجد فی ما بین المؤمنین طائفه ضعفاء القلوب سمّاعون لشائعات المنافقین ومتأثّرون بها ، فترى أنّ التثلیث حصل من الله تعالى ، لا من الشیعه .
فإن قلت : إنّه قد جاء فی بعض التفاسیر أنّ المراد بالسمّاعین هم جواسیس المنافقین ، فیکون المعنى : وفی صفوفکم من یتجسّس للمنافقین ، فهؤلاء الجواسیس من صنف المنافقین ، ولیسوا بصنف ثالث .
قلت : نعم ، هذا هو المنسوب إلى ابن عیینه والحسن ومجاهد وابن زید . ولکن المنسوب إلى الجمهور هو أنّ المراد بهؤلاء هم بعض ضعفاء الإیمان الّذین یسمعون کلام المنافقین ، وینخدعون به ؛ ممّا یکون سبباً لضعف قلوبهم وفتور نیاتهم عن القیام بأمر الجهاد .
قال فخر الدین الرازی : { فإن قیل : کیف یجوز ذلک على المؤمنین ، مع قوّه دینهم ونیّتهم فی الجهاد ؟
قلنا : لا یمتنع فیمن قرب عهده بالإسلام أن یؤثّر قول المنافقین فیهم . ولا یمتنع کون بعض الناس مجبولین على الجبن والفشل وضعف القلب ، فیؤثّر قولهم فیهم }([۲]).
وکذا لو فکّر فی قوله تعالى : ]یاأََیُّهَا الَّذِینَ ءَامَنُوْا مَا لَکُمْ إِذاَ قِیلَ لَکُمُ انْفِرُوْا فىسَبِیلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إِلىَ اْلأَرْضِ أَرَضِیتُمْ بِالْحَیوهِ الدُّنْیَا مِنَ اْلاخِرَهِ فَمَا مَتَاعُ الْحَیوهِ الدُّنْیَا فِى اْلاخِرَهِ إِلاَّ قَلِیلٌ ٭ إِلاَّ تَنْفِرُوْا یُعَذِّبْکُمْ عَذَاباً أَلِیماً وَیَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَیْرَکُمْ وَلاتَضُرُّوهُ شَیْئاً وَاللهُ عَلى کُلِّ شَئٍ قَدِیرٌ[([۳])  وتذکّر أنّ الأمّه اتّفقت على أنّ المتثاقلین لم یکونوا جمیع الصحابه ، لفهم أنّ الّذی فرّق المؤمنین إلى المتثاقلین والمطیعین هو ربّ الشیعه ، لا الشیعه .
وکذلک لو تأمّل فی قوله تعالى : ]أَلَمْ یَأْنِ لِلَّذِینَ ءَامَنُوْا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِکْرِ اللهِ وَماَ نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلایَکُونُوْا کَالَّذِینَ اُوتُوْا الْکِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطاَلَ عَلَیْهِمُ اْلأََمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَکَثِیرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ[ ([۴])وتذکّر أنّ الأُمّه أجمعت على أنّ القاسیه قلوبهم کانت طائفه من المؤمنین ، فعاتبهم الله على ذلک وأنّبهم ، لا جمیع المؤمنین ، لعلم أنّ الله عزّوجلّ هو الّذی قسّم المؤمنین على قسمین; الخاشعین ، والقاسیه قلوبهم .
بل لو نظر فی التاریخ بعین الإنصاف والحریّه ، لوقف فیه على ثلاث طوائف ، ولَوَجَد أنّ عدداً من الصحابه اقترفوا السیّئات وارتکبوا الکبائر من المحرّمات ، حتى على عهد النبیّ (صلى الله علیه وآله)، فرُجم بسبب ذلک من رُجم ، وحُدّ من حُدّ ([۵]).
بل لو لاحظ التاریخ لرأى من بین الطائفه المؤمنه – بل من سابقیهم – عدداً انحرفوا عن الإسلام و ارتدّوا على أعقابهم ، حتى فی حیاه النبیّ(صلى الله علیه وآله)کما مرّ ذکرهم . ولَفَهم أنّ الشیطان لم یکن لیفارقهم بمفارقه النبیّ(صلى الله علیه وآله)، بل إفساد الناس فی غیبته أسهل على الشیطان من إفسادهم فی حضوره.
ولعرف – نتیجه لذلک – أنّ الوحده کانت أمویّهً ؛ فقد سعى هؤلاء الدُهاه لأن یجعلوا جمیع من رأى النبیّ(صلى الله علیه وآله)- حتى الّذین قالوا : آمنّا بأفواههم ، ولم تؤمن قلوبهم – فرقهً واحدهً وصنفاً واحداً ، واستعملوا فی سبیل ذلک الهدف المتملّقین للسلطنه والعابدین للمنفعه الدنیویّه ، فانخدع بِهم السذّج من المسلمین ؛ فجعلوا المجرمین الملعونین على لسان النبیّ(صلى الله علیه وآله)کالمسلمین ، وسوّوا بین من آمن وأنفق قبل الفتح ، وبین من جاء بعده من الطلقاء . ولا یخفى أنّ المنع من البحث والفحص عمّا شجر بین الصحابه کان من إدامه تلک الخدعه والمکیده الشیطانیّه .
ولا نقول : إنّ جمیع علماء أهل السنّه کانوا فی هذا المضیق الفکری ، وإنّهم یعتنقون هذه النظریّه ، بل یوجد من بینهم من أهل الإدراک والمعرفه من یقول طبق ما یستفاد من النقل والعقل والتاریخ .
فقد جاء فی شرح المقاصد للتفتازانی : إنّ ما وقع بین الصحابه من المحاربات والمشاجرات على الوجه المذکور المسطور فی کتب التواریخ والمذکور على ألسنه الثقات ، یدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طریق الحقّ ، وبلغ حدّ الظلم والفسق ، وکان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد ، وطلب الملک والرئاسه ، والمیل إلى الملذّات والشهوات ، إذ لیس کلّ صحابیّ معصومًا ، ولا کلّ مَنْ لقى النبیّ بالخیر موسوما . . ([۶]) 
قال ابن حزم : { وقد کان فی عصر الصحابه رضی الله عنهم منافقون ومرتدّون ، فلا یقبل حدیثٌ قال راویه فیه » عن رجل من الصحابه« أو » حدّثنی مَنْ صحب رسول الله« إلاّ حتى یسمیّه ، ویکون معلوماً بالصحبه الفاضله ؛ ممّن شهد الله تعالى لهم بالفضل والحسنى ، قال الله U : ]وَمِمَّنْ حَوْلَکُمْ مِنَ اْلأََعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِینَهِ مَرَدُوْا عَلَى النِّفَاقِ لاتَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَیْنِ ثُمَّ یُرَدُّونَ إِلى  عَذَابٍ عَظِیمٍ[([۷])  . وقد ارتدّ قوم ممّن صحب النبیّ(صلى الله علیه وآله)عن الإسلام ؛ کعیینه بن حصین والأشعث بن قیس والرجال وعبد الله بن أبی سرح }([۸])  .
حتى لو قلنا بعداله جمیع الصحابه لکنّا أیضًا محتاجین إلى میزان لمعرفه الصادقین من المنافقین ، لأنّه قد کان بین أصحاب النبیّ(صلى الله علیه وآله)عدد کثیر من أهل النفاق ، ولم یکن جمیع الصحابه عارفین بهم ، حتى ذهب الخلیفه الثانی یستعلم عن حاله من صاحب سرّ النبیّ(صلى الله علیه وآله)حول المنافقین ؛ سائلاً عنه : هل عدّه النبیّ (صلى الله علیه وآله)منهم ؟
فلو کان حالهم بِهذه المثابه من الخفاء على عهد النبیّ(صلى الله علیه وآله)، فما تنتظر من التابعین؟! بل یکون أخفى علیهم وعلى من یجیئون بعدهم ، وهم یحسبونهم من أهل الفضل والسبق ، ویعتمدون على ما رُوِی عنهم ، من دون أن یعلموا بواقعهم .
بل لاحظت أنّ الله تبارک وتعالى قال فی کتابه الکریم : ] وَمِمَنْ حَوْلَکُمْ مِنَ اْلأََعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِینَهِ مَرَدُوْا عَلَى النِّفَاقِ لا  تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَیْنِ ثُمَّ یُرَدُّونَ إِلى  عَذَابٍ عَظِیمٍ[ .
قال فخر الدین الرازی : والمعنى أنّهم تمردّوا فی حرفه النفاق ، فصاروا فیها أستاذین ، وبلغوا إلى حیث لا تعلم أنت نفاقهم ، مع قوّه خاطرک وصفاء حدسک ونفسک([۹]).
وقال ابن حزم : هذه الآیه مبیّنه نصّ ما قلناه بیاناً ، لایحلّ لأحد أن یخالفه ؛ من أنّ النبی(صلى الله علیه وآله) لا یعلم المنافقین ؛ لا من الأعراب ولا من أهل المدینه ، ولکن الله تعالى یعلمهم .
وقال أیضاً : وأمّا المبطنون للکفر منهم ، فلا یعلمهم النبیّ(صلى الله علیه وآله) ، ولا علمه أحد منهم ، إلاّ الله تعالى فقط([۱۰]).
قال الذهبیّ : کان جماعه فی أیّام النبیّ(صلى الله علیه وآله)منتسبون إلى صحبته وإلى ملّته ، وهم فی الباطن من مَرَدَهِ المنافقین ، قد لا یعرفهم نبیّ الله(صلى الله علیه وآله)، ولا یعلم بهم ، قال الله تعالى : ]وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِینَهِ مَرَدُوْا عَلَى النِّفَاقِ لا  تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَیْنِ ثُمَّ یُرَدُّونَ إِلى  عَذَابٍ عَظِیمٍ[ . فإذا جاز على سیّد البشر أن لا یعلم ببعض المنافقین ، وهم معه فی المدینه سنوات فبالأولى أن یخفى حال جماعه من المنافقین الفارغین عن دین الإسلام بعده على العلماء من أُمّته([۱۱]).
ـــــــــــــــــــــ
 ([1]) سوره التوبه : ۴۵ – ۴۷ .
([۲]) مفاتیح الغیب : ۱۶ / ۸۲ ، البحر المحیط : ۵ / ۴۳۰ ، تفسیر الصافی : ۲ / ۳۴۷ .
([۳]) سوره التوبه : ۳۸ – ۳۹ .
([۴]) سوره الحدید : ۱۶ .
([۵]) حتى کان من بین هؤلاء من أهل بدر أیضاً ، کقدامه بن مظعون ، فلاحظ : الاستیعاب : ۴ / ۳۴۰ – ۳۴۱ م : ۲۱۳۲ ، أسد الغابه : ۴ / ۳۷۵ – 376 م : ۴۲۸۳ ، الاصابه : ۵ / ۳۲۲ ۳۲۳ م : ۷۱۰۳ عون المعبود : ۱۲ / ۱۲۰ فی شرح حدیث : ۴۴۷۰ ، ذکر فیه أنّ أحداً من أهل بدر شرب الخمر ، ولم یقم الخلیفه عمر علیه الحدّ .
([۶]) شرح المقاصد : ۵ / ۳۱۰ – ۳۱۱ .
([۷])  سوره التوبه : ۱۰۱ .
([۸]) الإحکام فی أصول الأحکام : ۱ / ۱۴۶ .
([۹]) مفاتیح الغیب : ۱۶ / ۱۷۳
([۱۰]) المحلى لابن حزم : ۱۳ / ۷۸ م : ۲۲۰۳ .
([۱۱]) سیر أعلام النبلاء : ۱۴ / ۳۴۳ م : ۲۰۵ .
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.