مسیر الإمام إلى البصره وواقعه الجمل

0

رسم الإمام فی سیاسته الجدیده خطوط الحکم العریضه ، وکان وسامها : (لا فضل لعربی على أعجمی) ، أثارت هذه السیاسه غضب المتمرِّدین على الحکم ، وکان منهم ما کان من الخروج علیه ، فلمَّا أدرک طلحه والزبیر برفض الإمام أن یجعل لهما میزه على غیرهما ، فلا ینالان الا ما ینال المسکین والفقیر بعطاء متساوٍ..
بعد أن أدرکا کلَّ هذا سکتا على مضضٍ ، وأخذا یعملان للثوره ضدَّه ، ضدَّ الحکم الجدید ، فانضمَّا إلى الحزب الأُموی..
لقد کان قرار التسویه (هو السبب الخفی والحقیقی لخروج من خرج على علیٍّ ، ولنکوث من نکث بیعته ، وإن توارى ذلک تحت دعوى مفتعله اسمها دم عُثمان) (۳)
واستغلَّ هذا الجانب سخط عائشه على الإمام علیٍّ علیه السلام ومواقفها العدائیه منه.. فلمَّا کانت بمکَّه ، وقد خرجت إلیها قبل أن یُقتل عُثمان ، فلمَّا کانت فی بعض طریقها راجعهً إلى المدینه لقیها ابن أمِّ کلاب ، فقالت له : ما فعل عُثمان ؟
قال : قُتل!
قالت : بُعداً وسحقاً ، فمن بایع الناس ؟
قال : طلحه.
قالت : إیهاً ذو الإصبع.
ثمَّ لقیها آخر ، فقالت : ما فعل الناس ؟
قال : بایعوا علیَّاً.
قالت : والله ما کنت أُبالی أن تقع هذه على هذه ، ثُمَّ رجعت إلى مکَّه (۴).
فانصرفت إلى مکَّه وهی تقول : قُتل والله عُثمان مظلوماً ، والله لأطلبنَّ بدمه!
قیل لها : ولِمَ ؟ والله إنَّ أوَّل من أمال حَرْفَه لأنتِ ، ولقد کنتِ تقولین : اقتلوا نعثلاً فقد کفر.
قالت : إنَّهم استتابوه ، ثُمَّ قتلوه ، وقد قلتُ وقالوا ، وقولی الأخیر خیرٌ من قولی الأوَّل.
فقال لها ابن أمِّ کلاب :

فمنـکِ البداءُ ومنکِ الغِیـرْ   *  ومنکِ الریـاحُ ومنکِ المطرْ
وأنتِ أمرتِ بقتل الإمــام  *  وقلتِ لنــا : إنَّه قد کفـرْ
فَهَبْنا أطعنــاک فی قتلِـه  *   وقاتِلُـه عندنــا مَنْ أمـرْ
ولم یسقطِ السقفُ من فوقنا  * ولم ینکسف شمسنا والقمـرْ
وقد بایع النــاس ذا تُدرءٍ    *  یزیلُ الشبا ویُقیم الصعــرْ
ویلبسُ للحربِ أثوابها * وما مَنْ وفى مثلُ من قد غدرْ (۵)

وقبل أن یخرج موکب عائشه ویدلو بدلوه ، کان الإمام علیه السلام یقول : (أمرتُ بقتال الناکثین والقاسطین والمارقین) (۶) ، فما مضت الأیَّام حتى قاتلهم ، وهذه من جمله الآیات الدالَّه علیه ، وقوله علیه السلام لطلحه والزبیر لمَّا استأذناه فی الخروج إلى العمره ، قال : (والله والله ما تریدان العمره وإنَّما تریدان البصره) (۷)!
وکان من نتائج هذا التمرُّد ـ کما سنأتی علیه ـ معرکه البصره ، أوَّل نکث لبیعه الإمام علیه السلام التی انتهت بفشل موکب عائشه وقتل طلحه والزبیر وعشرات الألوف من المسلمین!
تهیَّأت عائشه للخروج إلى البصره ، وأتت أُمُّ سلمه فکلَّمتها فی الخروج معهم ، فردَّت علیها أُمُّ سلمه قائلهً :
أفأُذکِّرک ؟
قالت : نعم.
قالت أُمُّ سلمه : أتذکرین إذ أقبل رسول الله ونحن معه ، فخلا بعلیٍّ یناجیه ، فأطال فأردتِ أن تهجمی علیهما ، فنهیتک فعصیتینی ، فهجمتِ علیهما ، فما لبثت أن رجعتِ باکیه ، فقلتُ : ما شأنک ؟ فقلت : إنِّی هجمت علیهما وهما یتناجیان ، فقلتُ لعلیٍّ : لیس لی من رسول الله الا یوم من تسعه أیَّام ، أفما تدعنی یا ابن أبی طالب ویومی! فأقبل رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم علیَّ وهو غضبان محمرُّ الوجه ، فقال : (ارجعی وراءک ، والله لا یبغضه أحد من أهل بیتی ولا من غیرهم من الناس الا وهو خارج من الإیمان) ؟
قالت عائشه : نعم أذکر (۸) .
لکن لم یردعها کلام ولا رادع ، فلم تنثنِ عن عزمها ، ولم ترجع إلى عقلها ، فتجهَّزت ومن معها إلى البصره لتؤلِّب الناس على الإمام علیٍّ علیه السلام فکانت أحداث معرکه الجمل.
تحرَّک موکب الناکثین بقیاده عائشه وطلحه والزبیر نحو البصره ، وقد حفَّ به الحاقدون على الإمام علیٍّ علیه السلام تحت شعار : (الثأر لعثمان) ، فلمَّا بلغوا (ذات عرق) لقیهم سعید بن العاص ومروان بن الحکم وأصحابه ، فقال لهم : أین تذهبون وتترکون ثأرکم على أعجاز الإبل وراءکم ؟ ـ یعنی عائشه وطلحه والزبیر ـ اقتلوهم ثُمَّ ارجعوا إلى منازلکم.
فقالوا : نسیر لعلَّنا نقتل قتله عُثمان جمیعاً (۹) .
ومرَّ القوم لیلاً بماء یُقال له : الحوأب ، فنبحتهم کلابه ، فقالت عائشه : ما هذا الماء ؟
قال بعضهم : ماء الحوأب.
فقالت : إنَّا لله وإنَّا إلیه راجعون ، هذا الماء الذی قال لی رسول الله : (لا تکونی التی تنبحکِ کلاب الحوأب). ثمَّ صرخت بهم : ردُّونی ردُّونی!!
فأتاها القوم بأربعین رجلاً ، فأقسموا بالله أنَّه لیس بماء الحوأب! وأتى عبدالله بن الزبیر ، فحلف لها بالله لقد خلَّفتهِ أوَّل اللیل ، وأتاها ببیِّنه زور من الأعراب فشهدوا بذلک (۱۰) . فکان ذلک أوَّل شهاده زور أُقیمت فی الإسلام.
وبلغوا البصره ، وعامل الإمام علیها الصحابی عُثمان بن حُنیف الأنصاری ، فمنعهم من الدخول ، وقاتلهم ، ثُمَّ توادعوا الا یحدثوا حدثاً حتى یقدم علیٌّ علیه السلام ، ثُمَّ کانت لیله ذات ریح وظلمه ، فأقبل أصحاب طلحه فقتلوا حرس عُثمان بن حنیف ، ودخلوا علیه ، فنتفوا لحیته وجفون عینیه ومثَّلوا به ، وقالوا : لولا العهد لقتلناک ، وأخذوا بیت المال (۱۱) .
وأمّا الإمام علی فلما بلغه نبأ مسیرهم إلى البصره ، حمد الله وأثنى علیه ، ثُمَّ قال : (قد سارت عائشه وطلحه والزبیر ، کلُّ واحدٍ منهما یدَّعی الخلافه دون صاحبه ، فلا یدَّعی طلحه الخلافه الا أنَّه ابن عمِّ عائشه ، ولا یدَّعیها الزبیر الا أنَّه صهر أبیها. والله لئن ظفرا بما یریدان لیضربنَّ الزبیر عنق طلحه ، ولیضربنَّ طلحه عنق الزبیر ، یُنازع هذا على الملک هذا.
وقد ـ والله ـ علمتُ أنَّها الراکبه الجمل ، لا تحلُّ عقدهً ولا تسیرُ عقبهً ، ولا تنزلُ منزلاً الا إلى معصیهٍ ، حتى تورد نفسها ومن معها مورداً ، یُقتل ثلثهم ویهرب ثلثهم ویرجعُ ثلثهم.
والله إنَّ طلحه والزبیر لیعلمان أنَّهما مُخطئان وما یحملان ، ولربَّما عالم قتله جهلُهُ وعلمه معه لا ینفعه. والله لینبحها کلاب الحوأب ، فهل یعتبر معتبرٌ أو یتفکَّر متفکِّرٌ)!
ثمَّ قال : (قد قامت الفئه الباغیه فأین المحسنون) ؟ (۱۲)
ثمَّ دعا على طلحه والزبیر أمام مسلمی الکوفه ، فقال : (قد علمتم ـ معاشر المسلمین ـ أنَّ طلحه والزبیر بایعانی طائعین راغبین ، ثُمَّ استأذنانی فی العمره فأذنتُ لهما ، فسارا إلى البصره فقتلا المسلمین وفعلا المنکر.
اللَّهمَّ إنَّهما قطعانی وظلمانی ونکثا بیعتی وألَّبا الناس علیَّ ، فاحلُل ماعقدا ، ولا تُحکمْ ما أبرما ، وأرهما المساءه فیما عملا) (۱۳) .
____________
۱) بالواسطه ، عن سیره الأئمه الأثنی عشر : ۳۹۸٫
۲) الکامل فی التاریخ ۳ : ۱۱۴٫
۳) الزیدیه| د. أحمد صبحی : ۴۴ ، مؤسَّسه الزهراء للإعلام العربی ـ ۱۹۸۴م.
۴) الامامه والسیاسه ۱ : ۵۲ ، شرح ابن أبی الحدید ۶ : ۲۱۵ ـ ۲۱۶ ، تاریخ الیعقوبی ۲ : ۱۸۰ ، کتاب الدلائل : ۹۷٫
۵) الکامل فی التاریخ ۳: ۱۰۰، الفتوح ۱ : ۴۳۴ ، تاریخ الطبری ۵ : ۱۷۲، الإمامه والسیاسه ۱: ۵۲٫
۶) إعلام الورى ۱ : ۳۳۶ ، المستدرک ۳ : ۱۵۰ | ۴۶۷۴ و۴۶۷۵ ، أسد الغابه ۴ : ۱۲۴ ، البدایه والنهایه ۷ : ۳۶۲٫
۷) إعلام الورى ۱ : ۳۳۷ ـ ۳۳۸٫
۸) أنظر : ابن أبی الحدید ۶ : ۲۱۷ ـ ۲۱۸٫
۹) الإمامه والسیاسه ۱ : ۶۳ ، وانظر الکامل فی التاریخ ۲ : ۱۰۲٫
۱۰) أنظر قصَّه ماء الحوأب فی : تاریخ الیعقوبی ۲ : ۱۸۱ ، ابن أبی الحدید ۶ : ۲۲۵ ، تاریخ ابن الأثیر ۲ : ۱۰۳ ، مسند أحمد ۶ : ۵۲ ، ۹۷ ، المستدرک ۳ : ۱۱۹ ـ ۱۲۰ ، کنز العمَّال ۱۱ ح|۳۱۶۶۷٫
۱۱) أنظر : تاریخ الیعقوبی ۲ : ۱۸۱ ، تاریخ ابن الأثیر ۲ : ۱۰۸ ، الإمامه والسیاسه : ۶۹٫
۱۲) إرشاد المفید ۱ : ۲۴۶ ـ ۲۴۷٫
۱۳) إرشاد المفید ۱ : ۲۵۰ ، الطبعه الحجریه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.