دور مدرسة المدينة في تطور علم السيرة (01)
بقلم: السيد نبيل الحسني
يمكن لنا أن نستظهر من خلال الفترة التي أعقبت استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام وحتى نهاية القرن الأول الهجري وجود حالة من السبات لتطور علم السير والمغازي، أي أن هذه الستين سنة لم تشهد حركة متميزة لتطور علم السيرة.
والسبب في ذلك يعود إلى الأوضاع الخطيرة التي عصفت بالإسلام ابتداء من الكوفة حيث شهدت استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام وما تبعه من استظهار لدولة معاوية بن أبي سفيان التي شهدت تتبعا لحملة العلوم وتصفيتهم جسديا أو فكريا فتمت تصفية الصحابة الذين شايعوا علي بن أبي طالب عليه السلام كحجر بن عدي الكندي وأصحابه[1]، وقتل الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام مسموماً، وعمرو بن الحمق الخزاعي ومحمد بن أبي بكر ومالك الأشتر، ثم توليته ولده يزيد للحكم الذي جهز الجيوش، وأمر بقتل الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، وأهل بيته سنة 61هـ، ثم ما تبع هذه الفاجعة من ظلام وجهل وسبات لجميع العلوم التي يمكن لنا أن نتصور آثارها المدمرة من خلال بعض الروايات التي شهدت هذه الأجواء.
1 ــ فقد روي: (إن الناس في زمن الإمام السجاد علي بن الحسين عليهما السلام المتوفى سنة 95هـ، كانوا لا يعرفون كيف يصلون، ولا كيف يحجون)[2].
2 ــ أخرج أحمد بن حنبل، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم الدرداء قالت: دخل عليَّ أبو الدرداء وهو مغضب فقلت من أغضبك.
فقال: (والله لا أعرف فيهم من أمر محمد صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم شيئا إلا أنهم يصلون جميعا)[3].
3 ــ ومما روي أيضا في آثار نشوب الحرب بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان: إن عبد الله بن الزبير منع أهل الشام من القدوم إلى مكة لتأدية فريضة الحج.
فقام عبد الملك بن مروان بردٍ على هذه الخطوة أن أمر ببناء قبة فوق صخرة بيت المقدس ــ عوضا وبديلا عن الحجر الأسود والكعبة المشرفة ــ ثم أمر المسلمين بالذهاب إلى بيت المقدس لتأدية الحج فطافوا حولها، ونحروا يوم العيد، وحلقوا رؤوسهم[4].
4 ــ وخير وصف لهذه المرحلة التي أعقبت عاشوراء عام 61هـ ما روي عن الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وهو يبث شكواه إلى ربه تعالى، قال عليه السلام:
«وكيف بهم وقد خالفوا الآمرين؟ وسبقهم زمان الهادين، ووكلوا إلى أنفسهم، يتنسكون في الضلالات في دياجير الظلمات»[5].
«وقد انتحلت طوائف من هذه الأمة بعد مفارقتها أئمة الدين، وشجرة النبوة، إخلاص الديانة، وأخذوا أنفسهم في مخائل الرهبانية، وتغالوا في العلوم، ووصفوا الإسلام بأحسن صفاتهم، وتحلوا بأحسن السنة، حتى إذا طال عليهم الأمد، وبعدت عليهم الشقة، وامتحنوا بمحن الصادقين، رجعوا على أعقابهم ناكصين عن سبيل الهدى وعلم النجاة»[6].
«وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا، واحتجوا بمتشابه القرآن فتأولوه بآرائهم، واتهموا مأثور الخبر مما استحسنوا، يقتحمون في أغمار الشبهات، ودياجير الظلمات بغير قبس نور من الكتاب ولا أثرة علم من مظان العلم، بتحذير مثبطين وزعموا أنهم على الرشد من غيرهم.
وإلى من يفزع خلف هذه الأمة!؟ وقد درست أعلام الملة والدين بالفرقة والاختلاف يكفر بعضهم بعضا والله تعالى يقول:
((وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ))[7].
فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة؟ وتأويل الحكمة؟ إلا إلى أهل الكتاب، وأبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى الذين احتج بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجة.
هل تعرفونهم؟ أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة، وبقايا صفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا، وبرأهم من الآفات وافترض مودتهم في الكتاب، هم العروة الوثقى، وخير حبال العالمين وثيقها»[8].
فهذه الأسباب وغيرها فرضت حالة من السبات على تطور علم السيرة في مدرسة الكوفة والمدينة، وحينما نقول (حالة من السبات) فهذا يعني توجه مدرسة أهل البيت عليهم السلام واهتمامها بالعلوم القرآنية والحديث والفقه والعقائد لأهميتها ولخطورة المرحلة التي كانت الأمة الإسلامية تمر بها.
ولكن هذا لا يعني العزوف عن دفع علم السيرة إلى الأمام، وإلى خلق نماذج متميزة وفاعلة في حركة علم السيرة وتطوره، فكان عمل مدرسة أهل البيت عليهم السلام ممثلا بثلاثة من أئمة العترة النبوية وهم (الإمام زين العابدين، والإمام الباقر والإمام الصادق عليهم السلام) في إرجاع المسلمين إلى سنة رسول الله وشريعته وإلى هديه وسيرته فأخذوا يروون لهم كل ما له علاقة بحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولولا هذه المدرسة لما عرف الناس شيئا عن الإسلام ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. قال الإمام الباقر عليه السلام:
«بَلِيَّةُ النَّاسِ عَلَيْنَا عَظِيمَةٌ إِنْ دَعَوْنَاهُمْ لَمْ يستجِيبُو لنَا وَإِنْ تَرَكْنَاهُمْ لَمْ يَهْتَدُوا بِغَيْرِنَا»[9].
ولذا: نجدهم عليهم السلام قد أسسوا المدارس وعلموا الناس العلوم المختلفة، ويكفي من الشواهد على ذلك مدرسة الإمام الصادق عليه السلام في الكوفة التي احتوت على أكثر من (4000) شيخ، أدرك منهم حسن الوشاء تسعمائة رجل كل يقول حدثني جعفر بن محمد[10].
كما يمكن للباحث أو القارئ الاطلاع على كتب مدرسة أهل البيت عليهم السلام كـ(بحار الأنوار للمجلسي رحمه الله) الأجزاء المتعلقة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمعرفة دور أئمة أهل البيت عليهم السلام في حفظ علم السيرة وتطوره ولاسيما الكم الهائل في الروايات التي نقلها الرواة عن الإمام الصادق عليه السلام، وهذا يكشف عن دور الأئمة الثلاثة في نهوض مدرسة المدينة والكوفة.
وعليه: يمكن لنا أن نسجل هنا بعض الأسماء التي اهتمت برواية المغازي والسير أو تدوينهما خلال القرن الأول والثاني للهجره والتي أسهمت في نشأة علم السيرة النبوية وتطوره.
أولا: دور مدرسة أهل البيت عليهم السلام في تعليم ونشر العلوم الشرعية، فضلاً عن علم المغازي والسير

أشارت بعض الدراسات التاريخية[11] إلى أن أهمية مدرسة المدينة تكمن في تصدّرها التخصص في علم التاريخ، وعُزي ذلك إلى بعض الأسباب:
1 ــ إن المدينة كانت عاصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والخلفاء من بعده.
2 ــ إنها مركز تجمع الصحابة.
3 ــ إنها البلد الأساس للدين الجديد صاحب الدولة والفتوح.
ثم أشارت هذه الدراسة إلى أن السبب في توجه المسلمين إلى مدرسة المدينة هو احتياجهم إلى (معرفة أوسع بالدين وصاحب الرسالة وبالأحكام والحديث والسنن والتفسير وأحاديث الدعوة الإسلامية الأولى وتفاصيل الهجرة والمغازي وقد تصدى لإيضاح ذلك أبناء الصحابة أنفسهم خاصة)[12].
ثم تذهب هذه الدراسة إلى (أن مؤسس المدرسة العلمية لمختلف فروع العلم في المدينة هو عبد الله بن عباس).
وكان قد ولد قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث عشرة سنة، وتوفي سنة 78 بالطائف، وكان أبرز فقهاء المدينة، وأوسعهم إطلاعا وعلما، وكان يسمى البحر لا لكثرة علمه في الفقه فحسب، ولكن في الأخبار الماضية أيضا، والنسب، بجانب الشعر واللغة وتفسير القرآن والحساب والفرائض.
وقد روى ابن سعد في الطبقات: (إن عبد الله بن عباس كان يجلس يوما ما يذكر فيه إلا الفقه ويوما التأويل ويوما المغازي، ويوما الشعر ويوما أيام العرب)[13].
وهذه الدراسة وإن كانت أنصفت ابن عباس رحمه الله إلا أنها لم تنصف أستاذه ومعلمه ومصدر علمه وهو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي لزمه ابن عباس أكثر من نصف قرن.
وخير ما يستدل به العاقل على مستوى الطالب العلمي هو وثيقة تخرجه أو حديثه هو عن معلمه، والمدرسة التي تعلم بها ونهل علومه منها، وفي هذا الصدد فإن عبد الله بن عباس رحمه الله له رأي آخر غير الذي جاءت به الدراسة وذلك من خلال الروايات الآتية:
1 ــ روى الشيخ المفيد رحمه الله، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: (سمعت رجلا يسأل عن علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له ابن عباس: إن علي بن أبي طالب صلى القبلتين وبايع البيعتين، ولم يعبد صنما، ولا وثنا، ولا يضرب على رأسه بزلم ولا قدم، ولد على الفطرة، ولم يشرك بالله طرفة عين.
فقال الرجل: إني لم أسألك عن هذا، وإنما سألتك عن حمله سيفه على عاتقه يختال به حتى أتى البصرة فقتل بها أربعين ألفا، ثم سار إلى الشام فلقي مواجب العرب فضربهم ببعض حتى قتلهم، ثم أتى النهروان وهم مسلحون فقلتهم عن آخرهم؟.
فقال ابن عباس: علي أعلم عندك أم أنا؟.
فقال: لو كان علي أعلم عندي منك لما سألتك!.
قال: فغضب ابن عباس حتى اشتد غضبه، ثم قال: ثكلتك أمك علي علمني، كان علمه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علمه الله من فوق عرشه، فعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلم علي من النبي، وعلمي من علم علي وعلم أصحاب محمد كلهم في علم علي عليه السلام كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر)[14].
2 ــ وروى ابن عبد البر عن الضحاك بن مزاحم، عن عبد الله بن عباس، قال: (والله لقد أعطى علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر)[15].
3 ــ وروى طاووس عنه أيضا قال: (كان علي والله قد ملئ علما وحلما)[16].
4 ــ وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (كنا إذا أتانا الثبت عن علي لم نعدل به)[17].
تتمة هذا البحث في الحلقة التالية إن شاء الله تعالی
………………………
[1] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج12، ص222.
[2] الصحيح من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجعفر مرتضى العاملي: ج 1، ص 145.
[3] مسند احمد بن حنبل، من حديث أم فروة: ج 6، ص 443.
[4] البداية والنهاية لابن كثير: ج 8، ص 283.
[5] بلاغات الإمام علي بن الحسين عليهما السلام لجعفر عباس الحائري: ص 75.
[6] بلاغات الإمام علي بن الحسين عليهما السلام لجعفر عباس الحائري: ص 66.
[7] سورة آل عمران، الآية: 105.
[8] الصحيفة السجادية، جمع الأبطحي: ص 523و524.
[9] الأمالي للصدوق: ص708. الإرشاد للمفيد: ج2، ص168. كنز الفوائد لأبي الفتح الكراجكي:ص197.
[10] رجال النجاشي: ص 40. معجم رجال الحديث للسيد الخوئي قدس سره: ج 6، ص 38. ترجمة الحسن بن علي الوشاء.
[11] التاريخ العربي والمؤرخون لشاكر مصطفى: ج 1، ص 150.
[12] المصدر السابق.
[13] الطبقات الكبرى لابن سعد: ج 2، قسم 2، ص 121 و122.
[14] أمالي المفيد: ص 236. أمالي الشيخ الطوسي: ص 12. مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: ج 1، ص 310. سعد السعود لابن طاووس: ص 285. بحار الأنوار للعلامة المجلسي رحمه الله: ج 32، ص 350. ينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي الشافعي: ج 1، ص 215.
[15] الاستيعاب لابن عبد البر: ج 3، ص 1105. دلائل الإمامة للطبري الإمامي: ص 22. المناقب لابن شهر آشوب: ج 1، ص 311. فتح الملك العلي للمغربي: ص 72.
[16] الاستيعاب لابن عبد البر: ج 3، ص 40. فتح الملك العلي لأحمد بن الصديق المغربي: ص72.
[17] فتح الملك العلي للمغربي: ص 73. الغدير للأميني: ج 3، ص 91.