أفضل العباده انتظار الفَرج
و تحت ظل بارئه و فی ساحتها تتحقق رحمه الربّ التی أشار إلیها سبحانه فی قوله
(إلا من رحم ربک ولذلک خلقهم)(۱)
فهی إذاً الغایه العملیَّه لأصل الخلق کما مرَّ و بدونها لا یتصف الخلق بالحمکه أصلاً.
ومن هنا صار من اللازم أن نتحدَّث عن هذه العباده أعنی الإنتظار أکثر تفصیلاً وذلک لأهمیَّتها من بین سائر العبادات وسوف نبیِّنها ضمن عناوین مختلفه فنقول:
معنى الانتظار فی اللغه و الاصطلاح
المعنى اللغوی: کلمه الانتظار قد أُشتقت من (نظر) قال صاحب المفردات:(نظر: النظر تقلیب البصر والبصیره لإدراک الشیء ورؤیته وقد یراد به التأمل والفحص وقد یراد به المعرفه الحاصله بعد الفحص …..والنظر الانتظار یقال نظرته وانتظرته وأنظرته)
وهناک کلمتان فی اللغه معناهما متقاربان مع هذه الکلمه وقد استعملتا فی القرآن الکریم أیضاً وهما:
۱-رصد : الرصد الاستعداد للترقب یقال رصد له وترصد وأرصدته له . قال عز وجل : (وإرصاداً لمن حاربَ اللهَ ورسولَه مِن قَبلُ)(۲).
قال فی النهایه: یقال رصدته إذا قعدت له على طریقه تترقبه و ارصدت له العقوبه إذا أعددتها و حقیقته جعلتها على طریقه کالمترقبه له . {نقلاً عن الأمالی بإسناده .. قال أمیر المؤمنین علیه السلام لأصحابه یوما و هو یعظهم ترصَّدوا مواعید الآجال و باشروها بمحاسن الأعمال. }(۳)
و قال علیٌّ فی نهج البلاغه (اعلموا عباد الله إن علیکم رصَداً من أنفسکم و عیوناً من جوارحکم و حفاظ صدق یحفظون أعمالکم و عدد أنفاسکم لا تسترکم منهم ظلمه لیل داج)(۴)
۲-رقب: قال تعالى والرقیب الحافظ وذلک إما لمراعاته رقبه المحفوظ وإما لرفعه رقبته قال تعالى :
(وارتقبوا إنی معکم رقیب)(۵)
وقد وردت أحادیث استعملت فیها هذه الکلمه بمعنى الانتظار.
منها: ما ورد فی نهج البلاغه عن علیٍّ علیه السلام قال:
(و من ارتقب الموت سارع فی الخیرات)(۶)
منها: فی کتابه علیه السلام لمحمَّد بن أبی بکر
(ارتقب وقت الصلاه فصلها لوقتها ولا تعجل بها قبله لفراغ ولا تؤخرها عنه لشغل…)(۷)
ثمَّ إنَّ الراغب الإصفهانی عند بیان ماده (صبر) قال: ویعبر عن الانتظار بالصبر لما کان حق الانتظار أن لا ینفک عن الصبر بل هو نوع من الصبر قال (فاصبر لحکم ربک)(۸) أی انتظر حکمه لک على الکافرین.
أقول:إنَّ هذا الإستعمال هو استعمال مجازی من باب إستعمال اللازم وإراده الملزوم وهو شائع فی کلام العرب.
المعنى الإصطلاحی للانتظار: ویعنى به خصوص انتظار فرج الله الذی هو فرج حجه الله الإمام الثانی عشر المهدی المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشریف الذی به یکشف الله الغم ، ومن هذا المنطلق تُبِعت الکلمه بکلمه الفَرَج الذی هو الانکشاف، وهذا المعنى للکلمه هو المقصود منه فی أحادیثنا الشریفه و تشیر إلیه بعض الآیات القرآنیه أیضاً على ما سیأتی.
أهمیَّه انتظار الفرج
وعندما نبحث فی الأحادیث المختلفه الصادره عن المعصومین علیهم السلام نستنتج أنَّ الأعمال کلَّها مع فی فیها من الأهمیَّه والاعتبار فهی فی قبال الانتظار قلیله المستوى حیث أنَّ الانتظار هو:
(أفضل الأعمال)(۹)
بل جمیع الأعمال العبادیه مع ما لها من القدسیَّه والروحانیَّه فهی لیست راجحه على الإنتظار حیث أنَّه (أفضل عباده الأمَّه)(۱۰) والجدیر بالذکر أنَّ هذه العباده أعنی الإنتظار قد دخلت فی ساحه أهمّ العبادات وهو الجهاد فی سبیل الله وصار (أفضل جهاد الأمه) کما فی الحدیث التالی الصادر عن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلَّم حیث قال
(افضل جهاد أمتی انتظار الفرج)(۱۱)
ومن زاویه عرفانیَّه فللانتظار أیضاً مستوى رفیع من العرفان والروحانیَّه حیث صار(أحبَ الأعمال إلى الله) حتَّى وصل المنتظر إلى مستوى الشهید فی سبیل الله.
(.. قال أمیر المؤمنین علیه السلام انتظروا الفرج و لا تیأسوا من روح الله فان احب الأعمال إلى الله عز و جل انتظار الفرج …. و المنتظر لأمرنا کالمتشحط بدمه فی سبیل الله)(۱۲)
بل هناک أحادیث تؤکِّد على أنَّ (انتظار الفرج من الفرج) بل (انتظار الفرج من أعظم الفرج).
(…عن محمد بن الفضیل عن الرضا علیه السلام قال سألته عن شئ من الفرج فقال ألیس انتظار الفرج من الفرج إن الله عز و جل یقول فانتظروا إنی معکم من المنتظرین)(۱۳)
وهذا المعنى من الانتظار أعنى انتظار الفرج قد أکتسب قسطاً من القدسیه والاعتبار بحیث صار من علائم الإخلاص الحقیقی والتشیُّع الصادق ومن ممیزات الدعاه إلى دین الله سراً وجهراً و قد ورد فی الحدیث
(..أولئک المخلصون حقا وشیعتنا صدقا والدعاه إلى دین الله سرا وجهرا..)(۱۴)
السرُّ فی أهمیَّه الانتظار
لمعرفه السرّ فی ذلک ینبغی لنا أن نتحدَّث بالتفصیل حول واقع الانتظار بذکر مقدَّمه مختصره فنقول:
إن التقییم فی القاموس الإلهی یختلف تماماً عن التقییم فی القاموس المادِّی ومن الخطأ جداً محاوله تقییم القضایا المعنویه الراقیه والمفاهیم الروحانیه السامیه بالمعاییر المادیَّه حیث أن هناک بونٌ بعید بینهما بل هما فی طرفی النقیض وقد وصل التضادّ بینهما إلى مستوى بحیث لا یمکن أن ینقطع الإنسان إلى المعنویات إلا بالابتعاد الکامل عن المادِّیات و أعنى بالابتعاد عنها هو عدم التوجُّه إلیها وعدم انشغال الذهن بها.
هذا: ومفهوم الانتظار أعنی انتظار فرجِ الله هو فی الواقع یندرج تحت اسم من أسماء الله تعالى أعنى "الکاشف" کما فی الدعاء:
( یا صریخ المکروبین ویا مجیب المضطرین ویا کاشف الکرب العظیم)(۱۵) (یا کاشف الغم)(۱۶) (یا کاشف الکرب العظام)(۱۷)
وعلى ضوئه صار مفهوم الانتظار مفهوما معنویا إلهیاً حیثُ أنَّه لا یمکن لشیءٍ أن یکتسب جانباً معنویاً ویشتمل على بعدٍ مُقدَّس إلاّ بارتباطه بالله سبحانه وبمقدار ظهور اسم الله فیه، فلنترک إذاً الساحهَ المادیه ولنبحث عن الأفضلیه فی الساحه الإلهیه المعنویه.
فنقول:
القرب إلى الله میزان الأفضلیه
ثم لا یخفى على کلِّ من آمن بالله سبحانه أنه لیس فی القاموس الإلهی إلاّ میزان واحد، یقاس به الأفضلیه وهو المیزان الحقیقی (وهو الحق) وغیره لیست بموازین بل یُترائى أنها موازین فلا حقیقه لها ولا ثِقل فیها قال تعالی:
(والوزنُ یومئذ الحق فمن ثقلت موازینه فأولئک هم المفلحون)(۱۸) (ومن خفت موازینه فأولئک الذین خسروا أنفسهم بما کانوا بآیاتنا یظلمون)(۱۹) (فذلکم الله ربکم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون)(۲۰)
وهذا المیزان هو: "التقرب إلى الله سبحانه وتعالى" فیجب أن نبحثَ عن مستوى التقرُّب إلیه تعالى فی الانتظار وعلى ضوءه نقیِّم مستوى قدسیِّه الانتظار، حتَّى نعرف السرَّ فی أفضلیَّته على سائر الأعمال بل حتَّى العبادات بحیث صار المنتظر کالمتشحِّط بدمه فی سبیل الله.
الرجـاء بالله
إنَّ من أهم نتائج انتظار الفرج تنمیهَ روحیهِ الرجاء بالله فی الإنسان المؤمن حیث یُشاهد أمامَه مجالاً وسیعاً من الفضل والکرم والخیر الإلهی الذی سوف تظهر مصداقیَّتُها فی تلک الدوله العظیمه المبارکه وهی دوله المهدی المنتظر صلوات الله وسلامه علیه، تلک الدوله الکریمه التِّی یعزُّ الله بها الإسلام وأهلَه ویذلُّ بها النفاق وأهلَه، ومن الطبیعی لمن یمتلک هذه الرؤیه أن یحتقر العالم الذی یعیشه بما فیه من المُغریات الخلاّبه الدنیویه والتسویلات الشیطانیه، وهذا الأمر(أعنی تحقیر المظاهر الدنیویَّه) هو أوَّل خطوه یخطوها السالک إلى الله وهی (التخلیه) التِّی تستتبعها (التحلیه) ومثل هذا الإنسان المؤمن قد وصل بالفعل إلى مُستوى من العرفان والعبودیه بحیث یکون لسان مقالِه حالِه وعملِه هو (صلِّ على محمدٍ و آل محمد وأثبتْ رجائک فی قلبی و اقطعْ رجائی عمَّن سواک حتى لا أرجو إلا إیّاک ..)(۲۱)
ثمَّ یترقَّى فی العبودیَّه فیقول: (بسم الله الذی لا أرجو إلاّ فَضله)(۲۲) (یا من أرجوه لکل خیر)(۲۳)
هذه الروحیه إن ترکَّزت فی الإنسان المؤمن فسوف تُعمِّق جذورَها فتقمع جمیعَ الأشواک والموانع الصادَّه ،لتنشرَ فروعَها الطیِّبه وثمارَها الجنیَّه فی السماء حتَّى تؤتى أکلَها کلَّ حینٍ بإذنِ ربِّها. فکیف لا یکون الانتظار أفضلَ الأعمال بل أفضل العبادات؟! وهو الذی یُخیِّم على جمیع الأعمال ویُلقى الضوء علیها.
أفضل الجهاد
ما هو الأمر المتوقع من المجاهد فی سبیل الله حین الجهاد؟ وما قیمه المجاهد لولا النیّهُ الصادقه التی تنصبُّ فی سبیل الله؟
هذا الأمر بنفسه بل أعلى مستوى منه متوفِّر فی المنتظر الحقیقی الذی یتمنَّى فی کلِّ صباحٍ ومساءٍ أن یعیش فی ظلِّ ذلک المعشوق روحی لتراب مقدمه الفداء ولسان حاله (..فأخرجنی من قبری مؤتزراً کفنی شاهراً سیفی مجرداً قناتی ملبیاً دعوهَ الداعی فی الحاضرِ و البادی..)(۲۴) وهو بقربه إلى الله وشهوده مقام ربِّه صار کالمتشحِّط بدمه فی سبیل الله شهیداً فی سبیل الله ،ولیس للشهید خصوصیهٌ کمصداق بل الخصوصیه والقیمه لمفهوم الشهاده التی تعنی الوصول إلى الله و شهود وجه المحبوب، والمنتظِر یؤدِّی نفس الدور حیث یشاهد وجهَ ربه و هو فی نفس الوقت یعایش الناس،وهذه الحاله هی التی تحقِّق فیه الصفاتِ الحسنه التی ذکرت فی الأحادیث الشریفه على ما سیأتی عند بیان أخلاق المُنتظِر.
والحدیث التالی قد بیَّن السر الذی رفع مستوى الانتظار إلى هذه الدرجه:
(عن أبی حمزه الثمالی عن أبی خالد الکابلی عن على بن الحسین علیه السلام قال تمتد الغیبه بولی الله الثانی عشر من أوصیاء رسول الله صلى الله علیه وآله وسلَّم و الأئمه بعده یا أبا خالد إنَّ أهل زمان غیبته القائلون بإمامته المنتظرون لظهوره افضل أهل کل زمان لان الله تعالى ذکره أعطاهم من العقول و الإفهام و المعرفه ما صارت به الغیبه عندهم بمنزله المشاهده وجعلهم فی ذلک الزمان بمنزله المجاهدین بین یدی رسول الله صلى الله علیه وآله و سلَّم بالسیف أولئک المخلصون حقا و شیعتنا صدقا و الدعاه إلى دین الله سرا و جهرا و قال: انتظار الفرج من اعظم الفرج)(۲۵)
وماذا بعد الفرج ؟ إلا کشف الکربه عن وجه المؤمن برؤیه الواقع و الأمر حینما تتحقق تلک الدوله العظیمه التی تملأ الأرض قسطاً وعدلاً کما مُلِئت ظلماً وجَوراً؟
فالانتظار إذاً له نتیجتان :
1-إنَّه بالفعل یُحقِّق {کشف الکربه} بنحو مجمل.
2-إنَّه عاملٌ جذری أساسی للفرج بظهوره سلام الله علیه حیث یسود الحکمُ الإلهی الأرضَ کلّها.
ووِزانُ الانتظار وزانُ النیه التی هی خیر من العمل حیث جاء فی الحدیث "نیه المؤمن خیر من عمله" لأن هذه النیه من ناحیه هی التِّی ترفع مستوى الإنسان ومن ناحیه أخرى تلازم العمل بل توجده (قل کلٌ یعملُ على شاکلته)(۲۶)
ولیعلمْ أنَّ تعجیل الفرج یتناسب مع الإنتظار شدَّهً وضعفاً. ومن هذا المنطلق نشاهد أن الآیه الکریمه تصرح بقولها:
(..وزلزلوا حتى یقول الرسول والذین آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قریب)(۲۷) فقربُ نصر الله متناسبٌ مع طلب النصر (متى نصر الله) وهذا الطلب الأکید لا یحصل إلاّ بعد الیأس (حتى إذا استیأس الرسل وظنوا أنهم قد کذبوا جاءهم نصرنا فنجی من نشاء ولا یرد بأسنا عن القوم المجرمین)(۲۸)
الانتظار و جانباه الإیجابی و السلبی
إنَّ کلمه الانتظار تدُّل على حالتین کامنتین فی روح المنتظر، فمع التأمَّل فی هذه الکلمه نشاهد أنَّها تدلُّ على جانبین أساسیین (إیجابیٌ وسلبیٌ) لکل منهما دور مهمّ فی معنى الکلمه وهذان الجانبان هما:
۱- الإیجابی: الجانب المطلوب و المحبوب للمنتظِر و المتوقَّع الوصول إلیه وهو الخیر والبرکه وتمکین الدین على الأرض کلِّه فلو لم یتوقع حدوث حاله جدیده و إیجابیه فی المستقبل فلا مصداقیه للانتظار ولا معنى له.
۲- السلبی: الجانب غیر المطلوب و غیر المحبوب الذی یتمثَّل فی الحاله الفعلیه التی یعیش فیها المنتظر تلک الحاله المُؤذیه التی یأمل المنتظر أن یتخلَّص منها ،فلو کان الوضع الفعلی هو الوضع المطلوب فلا معنى للانتظار إذاً ولا مبرر له.
وبعباره أوضح: هناک تناسب عکسی بین أمرین هما:
۱-الیأس من الحاله الفعلیَّه المعاشَه.
۲-الرغبه فی الحاله المستقبلیَّه المتوقعه.
هذا ما یستفاد من نفس الکلمه من دون النظر إلى أی أمرٍ آخر خارج الکلمه وتشهد لهذه الحقیقه الآیه الکریمه التِّی وردت فی هذا المجال حیث المعنى والسیاق وحیث الأحادیث الدالَّه على ذلک:
قال تعالى: (أمن یجیب المضطر إذا دعاه ویکشف السوء ویجعلکم خلفاء الأرض أإله مع الله قلیلا ما تذکرون)(۲۹)
فالآیه الکریمه تشیر إلى الجانبین المتواجدین فی نفس المضطر:
۱- سوءٌ غیر مکشوف وهو السوء المطلق الذی من خلاله حدثت سائر مصادیق السوء وهذا السوء یتمثَّل فی أمرٍ واحد وهو أنَّ خلافه الأرض لیست بید المُضطَر.
۲- وهناک توقُّع ورجاء و رغبه کامنه فی نفس المضطر وهی أن تکون الخلافه العامَّه على جمیع الأرض له ولمن یقتدی به ویخطو خطاه.
وأمّا الحدیث عن شخصیَّه المضطر وأنَّه من هو؟ فهو خارج عن بحثنا ههنا ولکن قوله تعالى (ویجعلَکم خلفاء الأرض) یُنبأنا عن حقائق کثیره لعلَّنا شرحناها فیما بعد.
فلا یمکن للمؤمن ممارسهُ عملیهِ الانتظار إلاّ بعد عرفان أمرین متلازمین:
الأول: وهو الأصل والأهم ویتمثَّل فی معرفه تلک الخلافه الإلهیَّه وهذا هو التولِّی.
الثانی: وهو تابعٌ وملازم للأصل وهو معرفه السوء الذی یتمثَّل فی الواقع الفعلی ومن ثمَّ التبرِّی منه.
وکلا الأمرین یفتقران إلى الوعی والتدبُّر والدقَّه فنقول:
إنَّه من الأفضل أن نبدأ بالأمر الثانی أعنی معرفه السوء ورفضه تحت عنوان الإنتظار والرفض ثمَّ نتحدَّث عن الأمر الأوَّل تحت عنوان الانتظار والرجاء.
الانتظار والرفض
إنَّه من الضروری لمن یعیش حاله الانتظار أن یعرف مدى انحراف الواقع الفعلی عن الحقیقه والصواب وینبغی أن یصل إلى مستوى من الانزجار والتنفُّر بحیث یحسّ بأنَّه بالفعل سجین فی هذه الدنیا وبالفعل هو مقیّدٌ بأنواع القیود التِّی لا مفکَّ منها ولا مفرّ إلاّ بظهور المنجی الحقیقی وهو الحجه بن الحسن المهدی عجل الله تعالى فرجه الشریف.. وینبغی له أن یشعر بأنَّ المشکله التِّی یعیشها لیست هی مُشکلهٌ جزئیَّه یمکن التحرِّی عنها والتخلُّص منها بسهوله بل هی مُشکلهٌ کبیره ومعضلهٌ عظمى قد رسَّخت جذورَها فی جمیع الأرجاء ونشرت سمومَها فی کافه الأنحاء، فنحن عندما نلاحظ المجتمع نری أنّ أبشع أنواع الظلم یسوده فلا حریه فکریه تحکم الناس ولا إراده یمارسونها وإن کانوا یتصورون أنهم أحرار.
فعلى سبیل المثال نشاهد أنَّ الأجهزه الإعلامیه العالمیَّه تجسِّد الباطل وکأنَّه الحقّ وتصوِّر الکذب وکأنه الصدق وکل شیء حول الإنسان مزیَّف ولکنَّه لا یشعر بهذه المشکله التی وقعت علیه فلا یفکر إذاً فی تبدیل ما هو علیه من الانحراف والإغفال.
فإذاً للتعجیل فی فرجه علیه السلام ولإیجاد الداعی فی المجتمع یجب أن ینتشر وعلى الأقلّ الشعور بالمظلومیَّه کی یعلم الإنسان ویحس بکلِّ وجوده بأن الظلم قد شمله هو أیضاً حیث یعیش تحت ظلّ تلک الشجره الخبیثه التّی أسَّستها السقیفه حیث ظهر الفساد فی البرِّ والبحر ومن ثمَّ سوف یفکر فی إنقاذ نفسه من هذه المشکله.
وینبغی للإنسان أن یعرف أنَّه لا محیص ولا مناص إلاّ بتوجُّهه علیه السلام، ومن ثمَّ بظهوره ومباشرته للحلّ بأسلوبه الملکوتی، وعلیه أن یدرک هذه الحقیقه بجمیع وجوده بروحه ودمه وجسمه وجوارحه بحیث لا تمرُّ علیه ساعه بل لحظه إلا وهو یشعر بفقدان النور وباستیلاء الظلام على الکون وهذه الحاله لا تحصل له إلا بالمعرفه أعنى معرفه الله و معرفتهم علیهم السلام ودولتهم المبارکه فلا بد أن یکون على بصیره من أمره حیث أن الأعمى لا یمکنه أن یدرک النور مهما شُرِح له، وهذه المعرفه تلازمها معرفه أخرى وهی معرفه أسالیب الأعداء الشیطانیَّه و مستوى عداوتهم للحق وانحرافهم عن الواقع وبعدهم عن الله تعالى، وعند وصول المؤمن إلى هذه المرحله من الوعی والإدراک ینبغی له أن یلتزم بواجب هو من أهمِّ الواجبات ألا وهو التبری من أعداء الله.
ثمَّ إنَّ هذه الحاله النفسیه أعنی الرفض سوف تکون لها آثار إیجابیَّه فی أخلاقه وأعماله تجعله یشتاق إلى ما سیحقَّق من النصر وتمکین الحق وهکذا سوف یزداد الاشتیاق إلى أن ینقلبَ إلى قرارٍ حاسمٍ ومن ثمَّ إراده جدِّیه وطلب مؤکَّد وحینئذ سوف یراه المهدی علیه السلام (متى ترانا) ومثل هذا الإنسان سوف یتفاجأ برؤیته علیه السلام فلا یرى نفسَه إلاّ ویعیش دولته العظیمه وظلَّه الملکوتی المبارک (..ونراک وقد نشرت رایه الحق تُرى)
الرفض من العبادات الاجتماعیه
إنَّه من النتائج الخبیثه والآثار السیِّئه التی نشأت جرّاء عزل الدین عن المجتمع و فصله عن الحُکم خلال قرونٍ متوالیهٍ، هو تحریف المفاهیم الدینیه وتفسیرها تفسیراً مؤطَّراً بإطار الفرد لا یتخطاه قید أنمله وکأنَّ الدین لا یمسُّ المجتمع بصله، وهذه الآفه قد تسرَّبت بشدّه فی تقییم المفاهیم الأخلاقیه الوارده فی القرآن الکریم والأحادیث الشریفه،فقد فُسرَّت جمیعها أو أکثرها تفسیراً فردیاً وکأنها لا علاقه لها بالمجتمع ولا مساس لها بالأمَّه وکأن الغایه من بعث الرسل وإنزال الکتب هو إیصال الأفراد کأفرادٍ إلى الکمال المطلوب لیس إلاّ.
ومن المؤسف أنَّ هذا النوع من التفسیر مع غایه بعده عن روح الإسلام صار کالبدیهی عند أکثر المسلمین حتى عند علماء الإسلام، وقد ترکزت هذه الأفکار فی المجتمع-من خلال هؤلاء الجهله- ترکیزاً شدیداً بحیث أصبح کلُّ من یخالفها من جمله الشاذِّین عن الدین وفی زمره المنحرفین عن الصراط المستقیم!! وبالنتیجه من المطرودین والخارجین عن ربقه الإسلام والمسلمین.
هذا والقرآن بصریح العباره یبیِّن السرّ فی بعث الرسل بقوله:
(لقد أرسلنا رسلنا بالبینات وأنزلنا معهم الکتاب والمیزان لیقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحدید فیه بأس شدید ومنافع للناس ولیعلم الله من ینصره ورسله بالغیب إن الله قوی عزیز)(۳۰)
ومن الواضح أنَّ للحدید الذی هو کنایه عن القدره دورٌ مهم وأساسی فی بناء المجتمع فهو الساعد الآخر الذی یضمن تنفیذَ قوانین الدین بعد الإیمان بالله. ولم یکتف القرآن بذلک بل حرَّضَ کافه المؤمنین بالقیام بالقسط فقال:
(یا أیها الذین آمنوا کونوا قوامین بالقسط شهداء لله)(۳۱)
وعلى ضوئه: ینبغی أن لا ننظر إلى المفاهیم الإسلامیه من منظار فردی فحسب بل لا بد أن یکون المنظار الاجتماعی هو الحاکم و هو المخیم على التحلیلات الإسلامیَّه والمفاهیم الأخلاقیه.
فمثلا: التقوى لیس هو مفهوم أخلاقی فردی فحسب بل هو مفهوم اجتماعی أیضا فهناک تقوى فی الإنسان کفرد و هناک تقوى أهمّ وهو التقوى بمفهومه الاجتماعی الذی یرجع إلى الأمه المؤمنه ولکلٍ منهما أثره الخاص به ولکل جزاءه المترتب علیه وثوابه المنسجم معه.
وکذلک مفهوم الإیثار و الإخلاص و الکرم و الجود و الغیره و الشجاعه وغیرها من القیم الإنسانیه الإسلامیه.
نفس الحدیث یتأتّى فی المفاهیم اللا إنسانیه و القیم اللا أخلاقیه و اللا إسلامیه..کالبخل و الریاء والنفاق و الخیانه والشره و الجبن وغیرها من المفاهیم.
نعم هناک بعض المفاهیم (وهی قلیله) یتغلب علیها الجانب الفردی کما أن هناک مفاهیم یتغلب علیها الجانب الاجتماعی، و لکن هذا لا یعنی أن نتمسک بها کمفاهیم خاصّه فردیَّه.
والمتأمل فی القرآن الکریم والأحادیث الشریفه سوف یذعن بما قلناه. ولا بأس بذکر مثال واحد فنقول:
مثلا قوله تعالى فی سوره الشعراء فی ثمان آیات عن لسان الأنبیاء (فاتقوا الله و أطیعون)(۳۲) وکذلک فی سوره الزخرف(۳۳)، هو خطاب للمجتمع الذی کانوا یعیشونه، ذلک المجتمع المبتعد عن واقع الدین. ولیس الخطاب متوجِّهٌ إلى الأفراد خاصَّهً.
ومن هذا المنطلق نقول لو أن القیم الأخلاقیه أو المفاهیم الاعتقادیه رسخت فی عدد من الأفراد حق الرسوخ ولکن لم تتجسد تلک المفاهیم فی الأمه الإسلامیه کأمه فهل یجدى ذلک نفعا للأمه؟ وهل یرتفع الضرر عن الأمه؟ من الواضح أن ذلک لا یجلب منفعه للأمَّه کما أنه سوف لا یدفع شراً عنها بل المصیبه سوف تشمل الأفراد أیضا مهما کانوا یتحلَّون بالصلاح والخیر قال تعالى:
(فلما نسُوا ما ذکّروا به أنجینا الذین ینهون عن السوء وأخذنا الذین ظلموا بعذاب بئیس بما کانوا یفسقون)(۳۴)(واتقوا فتنه لا تصیبن الذین ظلموا منکم خاصّه واعلموا أنَّ الله شدید العقاب)(۳۵)
وذلک حیث لا استثناء فی القانون الإلهی الذی یتعلَّق بالأمَّه.
بل لو دققنا النظر وتعمقنا فی الأمر لوصلنا إلى حقیقه أخرى قد استترت عن الکثیر وهی: أنه من الصعب أن نحکم بصلاح فرد وهو یعیش فی أمه فاسده ذلک الفرد الذی لم یوصل نفسَه إلى مستوى القیاده والإشراف على أمَّته أو لم یهجرهم هجراً جمیلاً کی یسلم من آفاتهم!!
وربما نستلهم هذا الأمر من الآتیین السابقتین:
فبالنسبه إلى الآیه الأولی نلاحظ أنَّ الذین نجَوا هم الذین (ینهون عن السوء) وأمّا الذین ظلموا الذین هم الفسّاق سواء المظهر فسقه أو الساکت عن الجریمه فإنَّ الله قد أهلکهم .
وبالنسبه إلى الآیه الثانیه نشاهد أنَّ غیر الظالمین أیضاً قد شملتهم الفتنه حیث أنَّ استسلامهم للظلم هو ظلمٌ فی القاموس الإلهی.
صفات المنتظِر
صـفاته الاجتماعیـه
الأحادیث الشریفه قد ذکرت صفات للمنتظر وهی (الحزن -التسلیم-الیأس-وطول السجود وقیام اللیل واجتناب المحارم – والدعوه إلى دین الله سراً و جهراً-وحسن العزاء وکرم الصحبه-وحسن الجوار وبذل المعروف وکف الأذى وبسط الوجه و النصیحه والرحمه للمؤمنین وأداء الأمانه إلى البر والفاجر)
ولکن:
على ضوء ما شرحنا ینبغی أن نعرف بأن صفات المنتظر لیست هی صفات فردیَّه فحسب بل ینبغی أن ینطلق الفرد منها فی بادئ الأمر لتستوعب کافَّه زوایا المجتمع الذی یعیشه وتتفاعل به الأمَّه حتى تعمُّ فائدتها، فالانتظار وما یترتب علیه من الصبر والحزن وحسن العزاء والیأس ووو.. کلها لا بد أن تتجسد فی المجتمع ولا تنحصر فی الفرد ومع تجسُّدها فی المجتمع سوف یقترب الفرج وینکشف الضرّ إنشاء الله.
الرفض الاجتماعی
وهاهنا وبصریح العباره نقول:
أنَّ التکلیف الرئیسی الذی یُمثِّل أهم التکالیف فی عصر الغیبه هو ما أشرنا إلیه سابقاً وهو الرفض ولکن هذا التکلیف لیس هو تکلیفاً فردیاً فحسب بل هو تکلیفٌ اجتماعی فیلزم على المؤمن أن یکون رفضُه رفضاً ینطلق من منطلق شرعی الهی حتى یتقرب به إلى الله فیکون عبادهً من نمط العبادات الاجتماعیه التی تخیِّم على جمیع العبادات الفردیه.
ولأجل أن یتَّسم الرافض للمجتمع الفاسد بوسامٍ إلهی ینبغی له أن یمارس الأمور التالیه:
الأول: البناء الفردی وأعنی به السعی للتقرب إلى الله بالتلبس بلباس التقوى الذی هو خیر لباسٍ حتَّى یرتفع مستوى رفضه هذا من السلب المطلق الذِّی هو (لا) إلى سلبٍ یتضمَّن إیجاباً. وعندئذ سوف یکون رفضُه رفضاً مقدَّساً له معنى ومفهوم رسالی عمیق فلیست کلُّ لاءٍ هی بالفعل لاء، بل هذا النمط من اللاء أفضل من ملایین نعم إن صحَّ القیاس بینهما.
فهذا الرفض لیس من السکوت المذموم الذی هو حالهٌ سلبیهٌ جوفاءُ تُعرقل الإنسان والمجتمع. کلاّ! بل هو حالهُ صراخٍ لیس مثلها صراخ (ویکفیک نموذجاً سکوت علیٍّ علیه السلام طوال خمسه وعشرین سنه) وهذه الحاله هی الحاله التکاملیه التِّی تبنی الإنسان وترفع من مستواه إلى الأعلى وتجعله یتکامل شیئاً فشیئاً من دون الوقوف عند حدٍّ.. وکذلک تُنمِّی المجتمع وترفع مستواه وتجعله یعیش عیشه عزیزه لا یتسرب إلیها ذلٌّ وهوان ولا تعتریها آفهٌ وخذلان. فلِمَ لا تکون هذه الحاله أفضل العباده؟ ولِمَ لا یکون أفضل الجهاد؟ ولم لا یصل هذا الإنسان المتحلِّی به إلى مستوى المتشحط بدمه فی سبیل الله؟
الصـبر:
الثانی: إنَّ هذا الرفض لا یمکن أن یستقرَّ فی ضمیر الإنسان إلا بعد تعزیزه بخصال حمیده أخرى وهی:
ألف: الصـبر
وهذه الصفه هی أهم تلک الصفات لأنَّها فی الواقع الضمان لتلک الحاله ، والصبر هاهنا یختلف عن الصبر فی المواطن الأخرى بل الصبر الحقیقی الذی هو کالأم لسائر المصادیق هو هذا النوع من الصبر حیث اشتماله على جمیع أنواع الصبر التی نطقت بها أحادیثنا الشریفه وهی ثلاثه کما فی الحدیث الذی نقله المحدِّث الکلینی قدِّس سرُّه:
(بإسناده عن على علیه السلام قال: قال رسول الله صلى الله علیه وآله وسلَّم الصبر ثلاثه: صبرٌ عند المصیبه، وصبرٌ على الطاعه، وصبرٌ عن المعصیه…)(۳۶)
وقد ذکرت هذه الروایه درجاتٍ أخرویه لکلٍّ من تلک الأصناف الثلاثه
ولکنَّ الصبر الملازم للانتظار قد استوعب هذه المراحل الثلاثه وذلک لأنَّه:
*هناک أعظم مصیبه ابتلى بها المؤمن المنتظر وهی مصیبه فقدان قائده الروحی وإمامه الثانی عشر الحجَّه بن الحسن المهدی عجَّل الله تعالى فرجه الشریف، فهو یعیش حاله الیتم وهذه المعضله العظمى بطبیعتها تتطلَّب الصبر.
*هناک طاعه تتجسد فی التبری من کل ما و من هو یزاحم هذه الروحیَّه(أعنی روحیَّه الانتظار) (فإنهم عدولی إلاّ ربّ العالمین).
*وهناک معاصی محیطه بهذا الإنسان المؤمن إحاطه کامله، تلک الأمور التی تقصم الظهر من المُغریات المادِّیه والتسویلات الشیطانیه المنتشره على مستوى وسیع بحیث لا یلتفت الإنسان یمیناً أو یساراً إلاّ وهی بارزه أمامَه خصوصاً فی عصرنا الحالی حیث الأقمار الصناعیه وحیث الشبکات الدولیَّه مثل الإنترنت والأجهزه الإعلامیّه التّی مهمَّتُها الرئیسی نقل الفساد إلى العالم الثالث.
فالمنتظر للدوله المبارکه سوف یعیش کلَّ تلک المغریات طوال حیاته فیشاهد بأمّ عینیه أنَّه یسیر إلى جهه والعالم بأجمعه یسیر إلى جهه أخرى مضادَّه له تماماً ومن ناحیه أخرى یشاهد أنَّ جنود الشیطان وأهل الدنیا یمثِّلون السواد الأعظم فهم الملأ الذین یملئون الأعیُن.
ومن المؤسف جدّاً أنَّ أرباب الدنیا ربَّما ینطلقون من منطلق النصیحه والإصلاح والحب فی مسیرتهم الباطله حیث یُترائى أنهّا حرکه إصلاحیه بل إسلامیه یتقرب بها إلى الله، ومن الصعب أن یقتنعوا بخطأهم أو یحتملوا ذلک، ومن الواضح أنَّ هذا الأمر سوف یجعل المؤمن المنتظر الصابر یعیش حاله صعبه أخرى وهی حاله: (الغربه) ولا تتلخَّص هذه الغربه فی الغربه الاجتماعیه بل هناک غربه أصعب من ذلک ألا وهی الغربه الفکریه والأیدیولوجیه التی تؤکد علیها الأحادیث الشریفه وتجعلها من صفات وعلائم المنتظر الحقیقی کالحدیث التالی:
(..على بن موسى الرضا علیه السلام… قال بدأ الإسلام غریبا وسیعود غریبا فطوبى للغرباء قیل یا رسول الله ثم یکون ما ذا قال ثم یرجع الحق إلى أهله)(۳۷)
التصابر:
فماذا یفعل إذاً هذا الصابر کی یستمرَّ فی صبره ولا یهون؟ لابدّ وأن ینتقل من مرحله الصبر إلى مرحله أرقى وهی التصابر کی یخلق الصبر فی الآخرین حتَّى ینسجموا معه فیستمرَّ فی مسیرته ویصمد فی مواقفه حتى تحقق تلک الدوله العالمیَّه المبارکه،وسوره العصر هی التِّی ترسم الطریق للمؤمنین المنتظرین قال تعالى:
(بسم الله الرحمن الرحیم والعَصر)
أی قسماً بالعصر وربَّما یکون المقصود من العصر فی هذه السوره هو عصر الحجَّه عجلّ الله تعالى فرجه الشریف.
أو ما ذکره الإمام قدِّس سرُّه حیث قال: (یقال:أن العصر هو الإنسان الکامل، وهو إمام الزمان سلام الله علیه أی عصاره جمیع الموجودات أی قسماً بعصاره جمیع الموجودات قسما بالإنسان الکامل) ولا منافاه بین التفسیرین.
(إنَّ الإنسان لفی خُسر)
هذا الإنسان الذی قد حُکم علیه بالخسران المطلق هو الإنسان الذی یعیش خارج العصر أی یعیش حاله الغیبه.
والإنسان المذکور هنا یشمل جمیعهم
(إلاّ الذین آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)
والاستثناء بطبیعته یدلُّ على النُدوره والغربه فالنادر من الناس والقلیل منهم یتَّسمون بهذه السمات الأربعه المتوالیه والتِّی ترجع بالأخیر إلى صفه فارده وهی (انتظار الفرج) على ضوء ما قدمنا.
إلى متى
والجدیر بالذکر أنَّ التواصی بالحق والتواصی بالصبر هی حاله ثابته للمؤمن مادام هو مؤمن .
فمن الأحرى أن یُسأل إلى متى هذا التواصی؟ وفی آخر المطاف هل لمجتمع أن یعیش الراحه والطمأنینه والهدوء ؟ وإن کان الجواب سلبیاً فأین حکمه الله البالغه وأین لطفه الشامل وأین کرمه الجمیل؟
أقول: لابدَّ من وصول الإنسان المؤمن المتَّسم بتلک الصفات إلى مرحله نهائیه وهی مرحله الکمال، وهی مرحله العیش فی العصر لا خارجه على ما تدلُّ علیه السوره المبارکه.
الانتظار والرجاء
قلنا أنَّ هناک بُعدین للانتظار أحدها الرفض والثانی الرجاء وفصَّلنا الحدیث فی البعد الأوَّل وحان الآن التحدُّث عن البعد الثانی فنقول:
هناک أحادیث تؤکِّد على أنَّ أمر الأئمَّه علیهم السلام هو الشیء المُنتَظَر.
فهل هناک طریقٌ یوصلنا إلى أمرهِم علیهم السلام؟
وهل من السهل أن نعرفَ أمرَهُم؟
أمرُهم صعبٌ مُستَصعَبٌ
وردت أحادیث کثیره جدّاً تؤَّکِّد :
(إنَّ أمرَنا صعبٌ مستصعبٌ لا یَحتمله إلا مَلَکٌ مقرَّب أو نبیٌّ مُرسلٌ أو عبدٌ امتَحَن اللهُ قلبَه للإیمان)
فلا بدَّ إذاً من التعمُّق فی مثل هذه الأحادیث حتَّى نعرف المقصود منها ثمَّ نعرِف کیفیَّه تسهیل هذا الأمر المُستصعب؟
فنقول:
الکلام حول هذه الأحادیث یتلخَّص فی جانبین:
الأوَّل: من ناحیه الصدور:
ویشتمل على:
ألف-مصادر الأحادیث.
ب- المعصومون الذین نقلت عنهم تلک الأحادیث.
ألف-المصادر
نقل الحدیث کلٌّ من :
۱-الکلینی رحمه الله علیه فی کتابه الکافی وقد جعل لذلک باباً مستقلاً وهو باب (فیما جاءَ أنَّ حدیثَهم صعبٌ مستصعبٌ)(۳۸)
۲-الشیخ المفید فی إرشاده واختصاصه .
۳-الصدوق فی توحیده وخصاله وأمالیه وکتابه معانی الأخبار.
۴-وأیضاً فی کتاب بصائر الدرجات ورجال الکشى.
وکُتبٍ أخرى ذکرها العلامَّه المجلسی فی بحاره من أراد الإطلاّع علیها فلیراجع.
ب-عمَّـن نُقلـت
عن رسول الله صلى الله علیه وآله وکلٍّ من أمیر المؤمنین على بن أبی طالب علیه السلام والإمام زین العابدین علی بن الحسین علیه السلام والإمام أبی جعفر الباقی علیه السلام والإمام أبی عبد الله الصادق علیه السلام.
الثانی: من ناحیه الدلاله
ویشتمل على: (عبارات الحدیث المختلفه والجمع بینها)
وینبغی لنا أن نَذکر کافه العبارات التِّی صدرت عنهم علیهم السلام فی هذا المجال کی نفهم المراد الصحیح من کلامهم بالجمع بینها فنقول:
ألف: أمّا بالنسبه إلى الشیء الذی هو صعبٌ مستصعب:
وردت العبارات التالیه:
(قال رسول الله صلى الله علیه وآله إنَّ حدیثَ آل محمد صعب مستصعب) وعن الأئمَّه علیهم السلام (إنَّ أمرَنا..)(إنَّ حدیثنا…)(إنَّ علم العالم …)(إنَّ کلامی…)
ب:الأوصاف المختلفه:
وأیضاً بالنسبه إلى أوصاف ذلک الأمر فقد وردت بِصُوَرٍ مختلفهٍ:
أهمُّها:
(عن أبی جعفر علیه السلام قال إنَّ حدیثنا صعبٌ أجردٌ ذکوانٌ وَعِرٌ شریفٌ کریمٌ) (..عن الاصبغ بن نباته عن أمیر المؤمنین علیه السلام قال سمعته یقول إنَّ حدیثنا صعبٌ مستصعبٌ خَشِن مخشوشن)
وفی حدیث أبی جعفر علیه السلام یخاطب جابر بن یزید:
(یا جابر حدیثنا صعب مستصعب أمرد ذکوان وعِر أَجرد)
وأیضاً فی حدیث أبی الجارود عن الإمام الباقر علیه السلام:
(سمعته یقول ان حدیث آل محمد صعب مستصعب ثقیل مقنع اجرد ذکوان..)
وفی حدیثٍ آخر قال الراوی :
(قلت فسر لى جعلت فداک قال ذکوان ذکیٌ أبداً قلت أجرد قال طریٌ أبَداً قلت مقنَّع قال مستور)
وفی خصوص الکلمه الأخیره ورد حدیث فی الکافی:
(عن محمد بن یحیى عن احمد بن محمد بن عیسى عن على بن الحکم عن خالد بن نجیح عن أبی عبد الله علیه السلام قال إنَّ أمرَنا مستور مُقَنَّعٌ بالمیثاق فمن هتک علینا أذلَّه الله)
ویمکن تقسیم هذه الصفات إلى قسمین رئیسیین:
ألف: صعبٌ مستصعبٌ وعِر خَشِن مخشوشن. ثقیل.
ب: اجرد ذکوان ذکیٌ قال (طری أبداً)
ج: مقنَّع قال مستور .
د: لا یعرفه إلاّ ؟
ومن هو الذِّی یَعرِفُ أمرَهم و یُقرُّ به و یُؤمنُ به ویَعیه ویَصبر علیه ویعمل به ویحتمله ویعقله على حسب الروایات؟؟
الأحادیث فی هذا المجال تؤَّکِّد على أنَّهم ثلاثه وهم:
(مَلَکٌ مقرَّب أو نبیٌ مُرسَلٌ أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإیمان)
ولکن هناک حدیث أضاف إلى هذه الثلاثه أمراً رابعاً وهو "مدینه حصینه". وفی بعضها "مؤمن ممتحن" وورد فی بعضها "إلاّ من کتب الله فی قلبه الإیمان" ووردت صُوَر أخرى وهی:
(إلا صدور منیره أو قلوب سلیمه و أخلاق حسنه)(إلا صدور مشرقه وقلوب منیره وأفئده سلیمه وأخلاق حسنه)(ولا تعی حدیثَنا إلا صدور أمینه وأحلام رزینه)(لا یعی حدیثنا إلا حصون حصینه أو صدور أمینه أو أحلام رزینه)(لا یعمل به ولا یصبر علیه إلا ممتحن قلبه للإیمان)
وفی حدیث عمرو بن الیسع عن شعیب الحداد بعد ما نقل ذکر الصادق علیه السلام الصفات الثلاثه وأضاف (أو مدینه حصینه) قال عمرو فقلت لشعیب یا أبا الحسن (وأی شئ المدینه الحصینه قال فقال سالت الصادق علیه السلام عنها فقال لی القلب المجتمع)
أقـول:
و من خلال الأحادیث السابقه نستنتج النتائج التالیه:
۱- إن المعرفه و العمل متلازمتان لا تنفکان أبدا.
۲- إن هناک تسلسل طولی بین کل من الأمرین :
الف: الإیمان و المعرفه و الوعى و التعقل.
ب: الاحتمال (أی التحمُّل) والعمل والصبر على ذلک.
فلا یمکن للإنسان أن یحتمل الصعب المستصعب إلا بعد أن أذعن به وتعرَّف علیه حق المعرفه.
۳- إن أمرهم علیهم السلام هو شئ مجرد صافٍ نورانی خارج عن عالم الکثره و الماده (ذکوان أجرد) وبطبیعته یکون(مقنعا) أی مستوراً.
۴- إن الأمور النورانیه مهما کثرت فهی واحده لتجرُّدها و بساطتها.. فلا تناقض و لا تخالف بین (الحدیث والکلام والأمر) مادام کلها تنطلق من ذلک النور بل فی الواقع کلُّها ترجع إلى شیءٍ واحد وهو الأمر
وهناک نتیجه خامسه وهی:
دوله المهدی دوله النور:
إن الصفات المذکوره فی الأحادیث للمؤمن الذی یحتمل أمرهم کلَّها صفاتٌ تنبئ عن واقع نورانی قد استولى على ذلک الإنسان المتَّصف بتلک الصفات ککونه ملک مقرب أو نبیٌّ مُرسل أو عبد ممتحن أو صدور منیره أو قلوب سلیمه… الخ وهذا إن دلَّ على شئ فإنما یدل على أن الواقع الذی سوف یحققه ولى الأمر عجل الله تعالى فرجه الشریف هو واقع یختلف تماماً عمّا نعیشه نحن فی عصرنا الحالی من العیشه المادیه الصرفه التی لا تتحلى بالمعنویه والنورانیه أصلاً.. وقد مَلئَت هذه الدنیا أفکارَنا وأذهاننا بحیث لم تسمح لنا أن نتصور تلک الدوله تصوراً صحیحاً ناهیک عن التصدیق بها کما هی وبالفعل صار هذا الأمر أمراً صعباً مستصعباً علینا.
وعلیه:
یتأکد علینا أن نجدد نظرنا فی فهم و معرفه دوله المهدی کی نرغب فیها وننتظرها..
وفی زیاره الجامعه الکبیره:
(عارف بحقکم مقر بفضلکم محتمل لعلمکم محتجب بذمتکم معترف بکم مؤمن بإیابکم مصدق برجعتکم منتظر لأمرکم مرتقب لدولتکم)
وفی زیاره أخرى:
(السلام علیکم یا أئمه الهدى السلام علیکم یا أعلام التقى السلام علیکم یا أولاد رسول الله أنا عارف بحقکم مستبصر بشأنکم موقن بإیابکم مصدق برجعتکم منتظر لأیامکم مرتقب لدولتکم).
۱ ـ هود ۱۱۹
۲ ـ التوبه ۱۰۷
۳ ـ بحار الأنوار ج ۷۷ ص ۳۷۳ روایه ۳۵باب ۱۴
۴ ـ بحار الأنوار ج ۵ ص ۳۲۲ روایه ۳ باب ۱۷
۵ ـ هود ۹۳
۶ ـ بحار الأنوار ج ۶۸ ص ۳۴۷ روایه ۱۷ باب ۲۷
۷ ـ بحار الأنوار ج ۸۳ ص ۱۴ روایه ۲۵ باب ۶
۸ ـ الإنسان ۲۴
۹ ـ بحار الأنوار ج ۱۰ ص ۹۹ روایه ۱ باب ۷ و ج ۵۲ ص ۱۲۲ روایه ۲ باب ۲۲
۱۰ ـ بحار الأنوار ج ۵۲ ص ۱۲۲ روایه ۳ باب ۲۲و ج ۵۲ ص ۱۲۵ روایه ۱۱ باب ۲۲
۱۱ ـ بحار الأنوار ج ۷۷ ص ۱۴۳ روایه ۱ باب ۷
۱۲ ـ بحار الأنوار ج ۵۲ ص ۱۲۳ روایه ۷ باب ۲۲
۱۳ ـ بحار الأنوار ج۵۲ ص۱۲۸
۱۴ ـ بحار الأنوار ج ۳۶ ص ۳۸۷ روایه ۱ باب ۴۴
۱۵ ـ بحار الأنوار ج ۸۶ ص ۳۲۳ روایه ۶۹ باب ۴۵
۱۶ ـ بحار الأنوار ج ۳۶ ص ۲۰۵ روایه ۸ باب ۴۰
۱۷ ـ بحار الأنوار ج ۸۶ ص ۲۳۵ روایه ۵۹ باب ۴۴
۱۸ ـ أعراف ۸
۱۹ ـ الأعراف ۹
۲۰ ـ یونس ۲۳
۲۱ ـ بحار الأنوار ج ۸۶ ص ۲۱۶ روایه ۳۰ باب ۴۴
۲۲ ـ بحار الأنوار ج ۹۰ ص ۱۶۴ روایه ۱۵ باب ۹
۲۳ ـ بحار الأنوار ج ۴۷ ص ۳۶ روایه ۳۵ باب ۴
۲۴ ـ بحار الأنوار ج ۵۳ ص ۹۶ روایه ۱۱۱ باب ۲۹
۲۵ ـ بحار الأنوار ج ۵۲ ص ۱۲۲ روایه ۴ باب ۲۲
۲۶ ـ الإسراء ۸۴
۲۷ ـ بقره ۲۱۴
۲۸ ـ یوسف ۱۱۰
۲۹ ـ النمل۶۲
۳۰ ـ الحدید ۲۵
۳۱ ـ النساء ۱۳۵
۳۲ ـ الشعراء ۱۰۸،۱۱۰،۱۲۶،۱۳۱،۱۴۴،۱۵۰،۱۶۳،۱۷۹
۳۳ ـ الزخرف ۶۳
۳۴ ـ الأعراف۱۶۵
۳۵ ـ الأنفال ۲۵
۳۶ ـ الکافی ج ۲ ص ۹۱ روایه ۱۵
۳۷ ـ بحار الأنوار ج ۲۵ ص ۱۳۴ روایه ۶ باب ۴
۳۸ ـ الکافی ج ۱ ص ۴۰۰