استراتیجیه الصلح عند الإمام الحسن ( علیه السلام )

0

لماذا الصلح ؟
قَبِل الإمام الحسن ( علیه السلام ) الصلح مع معاویه للأسباب التالیه :
السبب الأول :
إنّ نظره أهل البیت ( علیهم السلام ) إلى الحُکم کانت تنبع من أنّه وسیلهً لتحقیق قیم الرساله . فإذا مالَ الناس عن الدین الحق ، وغلبَت المجتمع الطبقات الفاسده ، وأرادت تحویل الدین إلى مطیه لمصالحهم اللاَّمشروعه .  فلیذهب الحکم إلى الجحیم ، لتبقى شعله الرساله متّقده ، ولتصب کلُّ الجهود فی سبیل إصلاح المجتمع أوّلاً ، وبشتى الوسائل المُتاحه .  وقد أشار الإمام علی ( علیه السلام ) عن أسلوب الحکم قائلاً :
( والله ما معاویه بأدهى منِّی ، ولکنه یغدر ویفجر ، ولولا کراهیه الغدر لکنت من أدهى الناس . ولکن کلّ غُدره فُجره وکلّ فُجره کُفره ، ولکلِّ غادرٍ لواءٌ یُعرف به یوم القیامه ، والله ما استُغفِل بالمکیده ، ولا استُغمِز بالشدیده ) .
أمّا عن نظرته ( علیه السلام ) إلى الحکم ذاته ، فقد رُوی عن عبد الله بن العبّاس أنّه قال : دخلت على أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) وهو یخصف نعله ، فقال ( علیه السلام ) لی : ( مَا قِیمَه هذا النعل ؟ )
فقلت : لا قِیمَه لها .
فقال ( علیه السلام ) : ( والله لَهِیَ أحبُّ إلیَّ من إمرتکم ، إلاَّ أن أُقیم حقّاً أو أدفع باطلاً ) .
السبب الثانی :
لقد عاش الإمام الحسن ( علیه السلام ) مَرحله هبوط الروح الإیمانیه عند الناس ، وبالذات فی القبائل العربیه التی خرجت من جَوِّ الحجاز ، وانتشرت فی أراضی الخیر والبرکات ، فنسیت رسالتها أو کادت . فهذه کوفه الجند التی تأسست فی عهد الخلیفه الثانی لتکون حامیه الجیش ، ومنطلقاً لفتوحات المسلمین الشرقیه ، أصبحت الیوم مرکزاً لصراع القبائل ، وتسیس العسکر ، وأخذ یُتبَع من یُعطِی أکثر .
فبالرغم من وجود قبائل عربیه حافظت على ولائها للإسلام والحق ، ولخط أهل البیت ( علیهم السلام ) الرسالی ، إلاَّ أنَّ مُعظم القبائل التی استوطَنَت أرض السواد حیث الخصب والرفاه بدأت تبحث عن العطاء .  حتى أنَّهم تفرّقوا عن القیاده الشرعیه ، وبدأوا یراسلون المتمرّدین فی الشام حینما عرفوا أنَّ معاویه یبذل أموال المسلمین بلا حساب .  بل إنَّک تجد ابن عمِّ الإمام الحسن ( علیه السلام ) عبید الله بن العبّاس قائد قوَّات الطلیعه فی جیشه ( علیه السلام ) یلتحق بمعاویه طَمَعاً فی دراهمه ، البالغه ملیون درهمٍ .
ونجد الکوفه تَخون مرّه أخرى الإمام الحسین ( علیه السلام ) ، حینما یبعث إلیهم ابن عَمِّه مسلم بن عقیل ، فیأتیهم ابن زیاد ویمنِّیهم بأنّ یَزید فی عطائهم ( عشره ) . فإذا بهم یمیلون إلیه ، ویُقاتلون سِبط رسول الله وأهل بیته ( صلوات الله وسلامه علیهم أجمعین ) بِأبْشَع صوره . ودون أن یسألوا ابن زیاد عمَّا یعنیه بکلمه ( عشره ) ، فإذا به یزید فی عطائهم عشره تُمیرات فقط ، ولعلَّهم کانوا یمنون أنفسهم بعشره دنانیر . لقد تعبت الکوفه من الحروب ، وبدأت تفکر فی العیش الرغید ، وغاب عنهم أهل البصائر الذین کانوا یحومون حول أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ( علیه السلام ) ، ویذکِّرون الناس بالیوم الآخر ، ویبیِّنون للناس فضائل إمامهم الحقّ .  لقد غاب عنهم الیوم عمَّار بن یاسر الذی کان ینادی بین الصفیْن فی معرکه صِفِّین : الرواحَ إلى الجنه . ومالک الأشتر الذی کان لعلیٍ ( علیه السلام ) مثلما کان علیٌّ لرسول الله ( صلى الله علیه وآله ) بطلاً مقداماً ، وقائداً میدانیّاً مُحنَّکاً . وغاب ابن التیهان الذی یعتبره الإمام علی ( علیه السلام ) أخاً له ، ویتأوَّه لغیابه .
بلى ، لقد غاب أهل البصائر من أصحاب الرسول ( صلى الله علیه وآله ) وأنصار علی ( علیه السلام ) ، الذین کان أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) یعتمد علیهم فی إدارته للحروب .  وغاب القائد المقدام ، البطل الهمام ، الإمام علی ( علیه السلام ) أیضاً ، بعد أن أنهى سیف الغدر حیاته الحافله بالأسى .  فإنّه ( علیه السلام ) کان قد صعد المنبر قبیل استشهاده ، وقد نشر المصحف فوق رأسه ، وهو یدعو ربّه ویقول : ( مَا یُحبَس أَشقاکم أن یَجیء فیقتلنی ، اللَّهُمَّ إنی قد سئِمتُهم وسئِمُونی ، فأَرِحْهم منِّی ، وأَرِحْنی مِنهم ) .
وبالرغم من أنّ الإمام علیّاً کان قد جهَّز جیشاً لمقارعه معاویه قبیل استشهاده ، وهو ذلک الجیش الذی قاده من بعده الإمام الحسن ( علیه السلام ) .  إلاَّ أنَّ خَور عزائم الجیش ، واختلاف مذاهبه ، وخیانه قُوَّاده ، کان کفیلاً بهزیمته ، حتى ولو کان الإمام علی ( علیه السلام ) هو الذی یقوده بنفسه .  إلاَّ أنّ التقدیر کان فی استشهاد البطل ، وأن یتمَّ الصلح على ید نَجلِه العظیم الذی أخبر الرسول ( صلى الله علیه وآله ) ، أنَّ الله سوف یُصلح به بین طَائِفَتین من أُمَّته .  ویشهد على ذلک ما جاء فی حدیث مأثور عن الحارث الهمدانی ، قال :
لمّا مات علی ( علیه السلام ) جاء الناس إلى الحسن ( علیه السلام ) وقالوا : أنت خلیفه أبیک ووصیِّه ، ونحن السامعون المطیعون لک ، فمرنا بأمرک . فقال ( علیه السلام ) :
( کَذبتُم ، والله ما وفیتُم لِمَن کان خیراً منِّی ، فکیف تَفُون لی ؟ ، وکیف أطمئنُّ إلیکم ولا أثق بکم ؟ إن کنتُم صادقین فموعدٌ ما بینی وبینکم مُعَسکر المدائن ، فَوافوا هناک ) .  وماذا کان یمکن للإمام الحسن ( علیه السلام ) أن یصنعه فی مثل هذه الظروف المعاکسه ؟
فهل یسیر فی جیشه بسیره معاویه ، ویوزع علیهم أموال المسلمین ، فمن رغب عنه عالجه بالعسل المسموم ؟
أم یسیر ( علیه السلام ) بسیره أبیه حتى ولو کلَّفه ذلک سُلطته .
لقد ترک ( علیه السلام ) السلطه حین علم بأنّها لم تعد الوسیله النظیفه لأداء الرساله ، وأنّ هناک وسیله أفضل وهی الانسحاب إلى صفوف المعرضه ، وبَثِّ الروح الرسالیه فی الأمّه من جدید ، عبر تربیه القیادات ، ونشر الأفکار ، وقیاده المؤمنین الصادقین ، المعارضین للسلطه ،
وتوسیع نطاق المعارضه ، وهکذا فعل ( علیه السلام ) .
السبب الثالث :
إنّ شروط الصُلح التی أملاها الإمام ( علیه السلام ) على معاویه ، وجعلها مقیاساً لسلامه الحکم ، تشهد على أنه ( علیه السلام ) کان یخطط لمقاومه الوضع الفاسد ، ولکن عبر وسائل أخرى .
لقد جاء فی بعض بنود الصُلح ما یلی :
۱ – أن یعمل معاویه بکتاب الله وسُنَّه رسوله ، وسیره الخلفاء الصالحین .
۲ – لیس لمعاویه بن أبی سفیان أن یعهد إلى أحد من بعده عهداً بل یکون الأمر من بعده له ( علیه السلام ) ثمّ لأخیه الحسین ( علیه السلام . 
۳ – الناس آمنون حیث کانوا من أرض الله ، فی شَامِهِم ، وعِرَاقِهم ، وحِجَازهم ، ویَمَنِهم . 
۴ – أنَّ أصحاب علیٍّ وشیعته آمنون على أنفسهم ، وأموالهم ، ونسائهم ، وأولادهم . 
۵ – أن لا یبغی للحسن بن علی ولا لأخیه الحسین ولا لأحدٍ من أهل بیت رسول الله ( صلوات الله وسلامه علیهم أجمعین ) غائله ، لا سِرّاً ولا جهراً ، ولا یخیف أحداً منهم فی أفق من الآفاق  . 
فإنّ نظره خاطفه لهذه الشروط تهدینا إلى أنّها اشتملت على أهم قواعد النظام الإسلامی من دستوریه الحکم على هدى الکتاب والسُّنَّه .
وأنّه مسئول عن توفیر الأمن للجمیع ، وبالذات لقیاده المعارضه ، وهم أهل بیت الرسول ( صلى الله علیه وآله )  .
وقد قبل معاویه بهذه الشروط ، ممّا جعلها أساساً للنظام عند الناس ، وقد وجد الإمام ( علیه السلام ) بذلک أفضل طریقه لتبصیر الناس بحقیقته ، وتألیب أصحاب الضمائر والدین علیه ، حین کان یخالف بعض تلک الشروط .
وقد تحمَّل الإمام الحسن ( علیه السلام ) عناءً کبیراً فی إقناع المسلمین بالصلح مع معاویه ، حیث أنَّ النفوس التی کانت تلتهب حماساً ، والتی کانت معبأه نفسیّاً ضد معاویه ، کانت تأبى البیعه معه . على أنَّ القشریین من طائفه الخوارج کانت ترى کفر من أسلم الأمر إلى معاویه ، وقد قالوا للإمام الحسن ( علیه السلام ) : کَفَرَ والله الرَّجُلُ .
 
مُعارضه الصحابه :
خطب الإمام الحسن ( علیه السلام ) بعد صلحه مع معاویه فی الناس قائلاً : ( أیُّها الناس ، إنّکم لو طلبتم ما بین جابلقا وجابرسا رَجُلاً جَدُّه رسول اللـه ( صلّى الله علیه وآله ) ما وجدتم غیری وغیر أخی . وإنَّ معاویه نازعنی حقّاً هو لی ، فترکتُه لصلاح الأمّه ، وحقن دمائها .  وقد بایعتمونی على أن تسالموا من سَالَمتُ ، وقد رأیت أن أُسالمه ، وأن یکون ما صنعتُ حجهً على من کان یتمنَّى هذا الأمر ، وإنْ أَدری لعلَّه فتنه لکم ، ومتاع إلى حین ) .
ومع ذلک فقد عارضه بعض أفضل أصحابه فی ذلک ، فقال حجر بن عدی له : أما والله لَوَددتُ أنک مُتَّ فی ذلک الیوم ، ومتنا معک ولم نَرَ هذا الیوم ، فإنّا رجعنا راغمین بما کرهنا ، ورجعوا مسرورین بما أحبُّوا .
ویبدو أنّ الإمام ( علیه السلام ) کره أن یجیبه فی الملأ ، إلاَّ أنّه حینما خلا به قال ( علیه السلام ) :  ( یا حجر ، قد سمعتُ کلامک فی مجلس معاویه ، ولیس کلُّ إنسان یُحب ما تُحب ، ولا رأیه کرأیک ، وإنِّی لم أفعل ما فعلتُ إلاَّ إبقاءً علیکم ، والله تعالى کلَّ یوم هو فی شأن ) .
وکان سفیان من شیعه أمیر المؤمنین والحسن ( علیهما السلام ) ، ولکنَّه دخل على الإمام ( علیه السلام ) وعنده رهط من الناس فقال له : السلام علیک یا مُذِلَّ المؤمنین . فقال ( علیه السلام ) له : ( وعلیکَ السَّلام یا سفیان ) . یقول سفیان : فنزلتُ فعقلت راحلتی ، ثمّ أتیته فجلست إلیه ، فقال ( علیه السلام ) : ( کیفَ قُلتَ یا سفیان ؟ ) .  قال : قلتُ : السلام علیک یا مُذِلَّ المؤمنین . والله بأبی أنت وأمِّی أذلَلْتَ رقابنا حین أعطیت هذا الطاغیه البیعه ، وسَلَّمت الأمر إلى اللَّعین ابن آکله الأکباد ، ومعک مئه ألف کلُّهم یموت دونک ، وقد جمع الله علیک أمر الناس .
فقال ( علیه السلام ) :  ( یا سفیان ، إنَّا أهل بیت إذا علمنا الحقَّ تمسَّکنا به ، وإنّی سمعت علیّاً ( علیه السلام ) یقول : سمعت رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) یقول :  لا تذهب الأیَّام واللَّیالی حتَّى یجتمع أمر هذه الأمه على رجل واسع السرم ، ضخم البلعوم ، یأکل ولا یشبع ، لا ینظر الله إلیه . ولا یموت حتى لا یکون له فی السماء عاذر ، ولا فی الأرض ناصر ، وإنَّه لمعاویه ، وإنّی عرفتُ أنَّ الله بالغ أمره ) .  ثم أذَّن المؤذِّن ، فقمنا إلى حالبٍ یحلبُ ناقته ، فتناول الإناء فشرب قائماً ، ثمَّ سقانی ، وخرجنا نمشی إلى المسجد ، فقال ( علیه السلام ) لی : ( ما جاء بک یا سفیان ؟ ) .
قلت : حُبُّکم والذی بعث محمدّاً بالهدى ودین الحق . فقال ( علیه السلام ) : ( فأبشِرْ یا سفیان ، فإنِّی سمعت علیّاً ( علیه السلام ) یقول : سمعت رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) یقول :  یرد علیَّ الحوض أهل بیتی ومَن أحبَّهم من أُمَّتی کهاتین – یعنی السبّابتین – ، أو کهاتین – یعنی السبابه والوسطى – ، إحداهما تفضل على الأخرى .  أبشِرْ یا سفیان ، فإنَّ الدنیا تسع البرَّ والفاجر ، حتَّى یبعث الله إمام الحقِّ من آل محمَّد ( صلى الله علیه وآله ) .
وفی بعض الأحیان کان الإمام الحسن ( علیه السلام ) یصد على أصحابه ببیعه معاویه .  فحین دخل قیس بن سعد بن عباده الأنصاری – صاحب شرطه الخمیس الذی أسَّسَه الإمام علی ( علیه السلام ) – على معاویه ، قال له معاویه : بایع . فنظر قیس إلى الحسن ( علیه السلام ) ، فقال : یا أبا محمَّد ، بایعت ؟ فقال له معاویه : أما تنتهی ؟ أما والله إنِّی … .  فقال له قیس : ما شئت ، أَمَا والله لَئِن شئت لتناقضت به . فقام إلیه الحسن ( علیه السلام ) ، وقال له : ( بَایِعْ یا قیس ) . فبایَعَ .
ما أکرم أبا محمَّدٍ الحسن المجتبى ( علیه السلام ) ، وأسخى تضحیته حین أقدم على الصلح الذی اعتبره بعض حواریِّه ذُلاًّ ، وزعَمَهُ أعداؤه جبناً واستسلاماً ، ولم یکن إلاَّ أروع صور النصر على الذات ، ومقاومه نزوه الهوى ، والمحافظه على دماء المسلمین ، وتحقیقاً لکلمه الرسول الصادق المصدَّق ( صلى الله علیه وآله ) حین قال :  ( إنَّ ابنی هذا سیِّد ، ولعلَّ الله عزَّ وجلَّ یصلح به بین فئتین من المسلمین ) .
فلولا أنّ الحسن کان قدوه الصلاح ، وأسوه التضحیات ، وجماع المکرمات ، وکان بالتالی الإمام المؤیَّد بالغیب ، لتمزَّقت نفسه الشریفه بصعود معاویه أریکه الحکم ، وهو الذی قال فیه الرسول ( صلى الله علیه وآله ) : ( إذا رأیتُم معاویه هذا على منبری فاقتلوه ، ولن تفعلوا ) .  ولولا اتِّصال قلبه الکبیر بروح الربِّ إذاً لمات کمداً ، حیث کان یرى تقهقر المسلمین ، وصعود نجم الجاهلیه الجدیده .
ولولا حلمه ( علیه السلام ) العظیم ، النابع من قوه إیمانه بالله ، وتسلیمه لقضائه ، إذاً ما صبر على معاویه ، وهو یرقى منبر جَدِّه ، ویمزِّقَ منشور الرساله ، ویسبُّ أعظم الناس بعد الرسول ( صلى الله علیه وآله ) .
بلى ، ولکنَّ الحسن ( علیه السلام ) آثر الآخره على الدنیا ، لأنّها – الآخره – دارٌ جعلها الله للذین لا یریدون الفساد والعُلوَّ فی الأرض .
 ــــــــــــــــــــــــ
* مقتبس من کتاب الإمام الحسن (علیه السلام) ، محمّد تقی المدرسی ، اقتباس مؤسّسه الحسنین (علیهما السلام) للتراث والفکر الإسلامی.

Leave A Reply

Your email address will not be published.