الإمام الحسن المجتبى ( علیه السلام ) رجل الثوره الصامته
والأدوار التی قام بها أهل البیت ( علیهم السلام ) رغم اختلافها الظاهری ـ للوَهله الأُولى ـ إلاّ أنّها فی الحقیقه وحده متکامله ومنهجیه متناسقه ؛ حیث کلّ عنصر فیها قام بإکمال دَور العنصر الآخر ، وبالتالی هی سلسله محمدیه واحده تعمل على تحقیق الهدف المنشود ، أَلا وهو إقامه حکومه العدل الإلهی على یدَی صاحب العصر والزمان الإمام الحجّه المهدی ( عجّل الله تعالى فرَجه الشریف ) فی آخِر الزمان .
فاختلاف الأدوار فی السیره الجهادیه العطره لأهل البیت ( علیهم السلام ) ، لا یعنی ـ على سبیل المثال ـ أنّ الإمام الحسین ( علیه السلام ) رجل ثوره وقتال فقط ، بینما الإمام الحسن ( علیه السلام ) رجل مهادنـه وسلـم ، بل الواقع غیر ذلک ، فالسیره الحسینیه الجهادیه غلَب علیها طابع الصلح مع العدوّ لأسباب وظروف اقتضت ذلک ، بینما السیره الحسینیه غلب علیها طابع الثوره والجهاد لأسباب وظروف أخرى مختلفه ، وخیر دلیل على ذلک عند استعراضنا الحیاه الجهادیه للإمام الحسن ( علیه السلام ) ، فهی تاره ملیئه بالمواقـف ، والبطـولات ، والتضحیات ، وتاره تستلزم
الصلح والمسالمه ، ولکن فی کلتی الحالتین یبقى الهدف واحد وهو : مصلحه الإسلام العلیا .
( … وقد یعتقد البعض بأنّ الحسن ( علیه السلام ) صاحب الصلح والمهادنه ، والإمام الحسین ( علیه السلام ) له الثوره والتمرّد ، إلاّ أنّه لو عکسنا الشخصین لقام کلٌّ منهما بنفس الدَور ، أی الظروف هی التی حکمت بأنّ کلّ منهما یتبع نهجاً ما ، أی الظروف هی تحکم بالحرب أو السِلم ، بینما الدافع والهدف هو واحد ، هو فقط المصلحه العامّه لا غیر )(۱) .
وعلى هذا الأساس نلاحظ بأنّه عند الحدیث عن سیره الإمام الحسن ( علیه السلام ) ، فإنّه یتبادر مباشره للذهن صُلحه مع معاویه ، وکأنّ حیاته ( علیه السلام ) کلّها تُختزل فی هذا الصلح ـ وذلک بغضّ النظر عن أهمّیتها ـ وبالتالی هو بعید کلّ البُعد عن ساحات القتال والمواجهه ، لکن سیرته سلام الله علیه تحدّثنا بغیر ذلک .
تحدّثنا بأنّه أعَدّ الجیوش والمقاتلین لقتال معاویه عندما سمحت له الظروف بذلک ، لکن عامل المفاجأه الذی برز فی صفوف جیشه ( علیه السلام ) ـ کبروز حالات الخیانه والغدر ـ دفعه نحو الصُلح مع معاویه ، ألیس هو القائل ( علیه السلام ) مجیباً أحد أصحابه العاتبین علیه بالصلح : ( والله لو وجدت أنصاراً لقاتلت معاویه لیلی ونهاری ) ؟(۲) .
وفی موقع آخر یردّ ( علیه السلام ) على أحد أعدائه ، وهو ( عبد الله بن الزبیر ) ، الذی کان یُعلن مناوئته لآل محمد ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، فکان ممّا أجابه به قوله ( علیه السلام ) : ( وتزعم أنّی سلّمت الأمر ، وکیف یکون وویحک کذلک ؟ ، وأنا ابن أشجع العرب ، وقد ولدتنی فاطمه سیده نساء العالمین ، لم أفعل ذلک ویحک جُبناً ولا ضعفاً ، ولکنّه باغٍ مثلک … ) (۳) .
ومع کلّ هذا وبعد وقوع الصلح مع معاویه ، استمرّ الإمام الحسن ( علیه السلام ) فی مسیرته الجهادیه ضده ، بل عمل على تمهید الأرضیه المناسبه للثوره الحسینیه الکربلائیه ، وشهادته ( علیه السلام ) ، وقتله مسموماً خیرُ دلیل على ذلک ، وإلاّ لماذا قُتل الحسن ( علیه السلام ) لو کان رجل مسالمه وصُلح مع العدوّ ؟! فأیّ تأثیر له على نظام معاویه ما دام کذلک ؟! .
فالجواب : واضح وبدیهی ، هو أنّ الإمام الحسن ( علیه السلام ) هو رجل ثوره ضد الظلم بکلّ ما للکلمه من معنى ، سواء کان ذلک الجهاد بالکلمه أو بالسیف ؛ ولهذا أصبح استمرار جهاد الإمام الحسن ( علیه السلام ) ضد معاویه ونظامه المتغطرس عامل خوف ورعب علیهم ، بل شکّل خطراً یهدّد کیان النظام الأموی ، ما دفع معاویه لوضع حدٍّ له ، فکانت الشهاده المبارکه .
وبناءً على ذلک ، هو أنّ الکثیر من البحوث والدراسات ، یلاحظ بأنّ غالبیّتها تتناول الجانب الفکری والأخلاقی لأئمه أهل البیت ( علیهم السلام ) ، بینما الجانب الجهادی والقتالی یبقى غامضاً فی
کثیر من الأحیان ، ومثال على ذلک سیره الإمام الحسن ( علیه السلام ) ، حیث أغلَب الدراسات والبحوث التی تناولت حیاته المبارکه ، تحمِل عنوان ( صلح الإمام الحسن ( علیه السلام ) ) ـ وذلک بغضّ النظر عن أهمیه تلک الدراسات ـ ممّا یوحی بأنّ الحسن ( علیه السلام ) رجل صلح ومهادنه فقط .
ولکن واقع وحقیقه سیرته الجهادیه أعظم وأشمل من ذلک ، بل هو کما عند بقیه الأئمه ( علیهم السلام ) ، کسیره الإمامین السجّاد والصادق ( علیهما السلام ) ؛ حیث برزت التکتّلات والتشکیلات السرّیه تحت إشرافهم وتوجیهاتهم ، رغم أنّ عصر الإمام السجاد ( علیه السلام ) تمیّز بنشر الفکر الأخلاقی والعبادی لمدرسه أهل البیت ( علیهم السلام ) ، وتمیّز عصر الإمام الصادق ( علیه السلام ) بنشر فقه وعلوم أهل البیت ( علیهم السلام ) .
ویشیر إلى تلک الحقیقه سماحه السید القائد الخامنئی ( دام ظلّه الوارف ) بقوله : إنّ غُربه الأئمه ( علیهم السلام ) لم تقتصر على الفتره الزمنیه التی عاشوها فی حیاتهم ، ولکنّها استمرّت ولعصور متمادیه من بعدهم ؛ والسبب فی ذلک یرجع إلى إهمال الجوانب المهمّه ، بل والأساسیه من حیاتهم .
من المؤکّد أنّ هناک کتُباً ومؤلّفات کثیره قد حظِیَت بمکانهٍ رفیعه وقدیره وذلک ؛ لِما حملته بین طیّاتها من روایات تصف حال الأئمه ( علیهم السلام ) ، ولِما نقلته للأجیال المتعاقبه من أخبار تصف سیرتهم ، ولکن عنصر المواجهه والجهاد المریر ، والذی یمثّل الخطّ الممتد للأئمه ( علیهم السلام ) طوال ۲۵۰ سنه من حیاتهم ، کان قلیل الذِکر فی هذه الروایات التی تضمّنت فقط عناوین أخرى کالجوانب العلمیه أو المعنویه من سیرتهم .
یجب علینا أن ننظر إلى حیاه الأئمه ( علیهم السلام ) کأسوه وقدوه نقتدی بهم فی حیاتنا ، لا کمجرّد ذکریات قیّمه وعظیمه حدثت على التاریخ ، وهذا لا یتحقّق إلاّ بالاهتمام والترکیز على المنهج والأسلوب السیاسی من سیره هؤلاء العظماء ( علیهم السلام ) …
إنّ مواجهه الأئمه ( علیهم السلام ) کانت واجهه ذات هدف سیاسی ، فما هو هذا الهدف ؟ إذن الهدف هو عباره عن تشکیل حکومه إسلامیه ، ولا نستطیع أن نقول إنّه کلّ إمام کان بصدد تأسیس حکومه فی زمانه وعصره ، ولکن هدف کلّ إمام کان یتضمّن تأسیس حکومه إسلامیه مستقبلیه ، وقد یکون المستقبل البعید أو القریـب .
مثلاً کان هدف الإمام المجتبى ( علیه السلام ) تأسیس حکومه إسلامیه للمستقبل القریب ، فقوله ( علیه السـلام ) : ( ما ندری لعلّه فتنه لکم ومتاع إلى حین ) فی جوابه للمسیب بن نجیه ولآخرین عندما سألوه عن سبب سکوته ، هو خیر دلیل وإشاره إلى هذا المستقبل (۴) .
ولذا کان هذا البحث المتواضع لیُسلِّط الضوء على الجانب العظیم من سیره الإمام الحسن ( علیه السلام ) ، أَلا وهو الجانب الجهادی لأعداء الإسلام طیله فتره حیاته المبارکه ، وسوف نرى ذلک ـ مع القارئ العزیز ـ من خلال عَرْض أبرز المحطّات الجهادیه من سیرته ( علیه السلام ) .
أَوّلاً : الملامح الشخصیه للإمام الحسن ( علیه السلام ) :
وُلد الإمام أبو محمد الحسن بن علی بن أبی طالب ثانی أئمه أهل البیت ( علیهم السلام ) ، وأَوّل السبطین ، فی المدینه المنوره ، لیله النصف من شهر رمضان المبارک من السنه الثالثه للهجره .
وأُمّه هی سیده نساء العالمین فاطمه الزهراء ( علیها السلام ) بنت رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) .
وُلد ونشأ ( علیه السلام ) فی کنف جدّه النبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، وفی رعایه أبیه علی ، وأُمّه فاطمه ، وهو أَوّل ولَد یولد من سلاله الرساله ؛ لیحفظ الله به وبأخیه الإمام الحسین ( علیه السلام ) نموّ تلک الشجره الطیبه ، التی أصلها ثابت ، وفرعها فی السماء .
ورعاه جدّه العظیم ، بعینه وقلبه ، فهو قطعه من وجوده ، وومضه من روحه ، وصوره تحکیه ، أَورثه هیبته وسؤدده ، حتى فَرِقَ منه أعداؤه ، وأعظمه مخلصوه وأحبّاؤه ، وأَعظِم بإنسانٍ جدّه محمد ، وأبوه علی ، وأُمّه فاطمه ، وأیّ فخر بعد هذا المفتخر ، وأیّ مجدٍ بعده لإنسان .
فلهذا کان المقام المقدّس الذی حظیَ به الإمام الحسن ( علیه السلام ) على لسان جدّه رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، والذی یدفعنا لمزید مِن التأمّل فی سیرته المبارکه ، بکلّ ما تحتویه من جوانب عظیمه وکمال ذاته وحِکمته ، وسدادٍ رسالیّ ، والذی نراه ینسجم تماماً مع وصف رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) له وموضعه منه ، فیما ورد عنه ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) فی حقّه ( علیه السلام ) منها :
عن زینب بنت أبی رافع عن أُمّها قالت : ( قالت فاطمه ( علیها السلام ) یا رسول الله ، هذان ابناک فانحلْهما ، فقال رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) أمّا الحسن فنحلتُه هیبتی وسؤددی ، وأمّا الحسین فنحلتُه سخائی وشجاعتی ) (۵) .
ویقول الرسول الأعظم ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) أیضاً فی حقّه ( علیه السلام ) : ( لو کان العقل رجلاً لکان الحسن ( علیه السلام) ) (۶) .
وقد نصّ رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) على إمامه الحسن المجتبى ( علیه السلام ) بقوله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) : ( یا علی أنا وأنت وابناک الحسن والحسین ، وتسعه مِن وُلد الحسین أرکان الدین ودعائم الإسلام ، مَن تبِعنا نجا ، ومَن تخلّف عنّا فإلى النار ) (۷) .
وکان أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) یوجّه الأنظار إلى إمامه ولَده الحسن ( علیه السلام ) ومقامه السامی ، حیث کان ( علیه السلام ) یسأله عن المسائل المختلفه أمام مرأى ومسمع الملأ من أصحابه ، وقد ترکّزت أسئلته على : الزهد والسداد ، والکرم والإخاء والمنَعه وغیرها ، وکان الإمام ( علیه السلام ) یجیب علیها بأجوبه مختصره شافیه (۸) .
وکان ( علیه السلام ) یکلّف الإمام الحسن ( علیه السلام ) بالمهام الصعبه ، ویبعثه لحلّ الأزَمات ، ویُشرکه فی المواقف الحرجه ، فقد بعثه إلى أهل الکوفه لعزل الأشعری ، وأمره بإجابه عبد الله بن الزبیر فی الجَمَل ، وأمره بنقْض حُکم الحکَمَین ؛ لمخالفتهما القرآن .
وقد عهد أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) بالإمامه لابنه الحسن ( علیه السلام ) ، فی الیومین الأخیرین من حیاته ( علیه السلام ) ـ وبعد أن ضربه ابن ملجم ـ حیث أدناه وأوصى إلیه قائلاً : ( یا بنیّ إنّه أمرنی رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) أن أوصی إلیک ، وأدفع إلیک کتُبی وسلاحی ، کما أوصى إلیّ ودفع إلیّ کتُبه وسلاحه ، وأمَرنی أن آمرک إذا حضرک الموت أن تدفعها إلى أخیک الحسین … ) (۹) .
وأمّا مبایعه الحسن ( علیه السلام ) بالخلافه فقد کانت بعد استشهاد والده ( علیه السلام ) ودفْنه ، حیث وقف الإمام الحسن ( علیه السلام ) خطیباً بین الناس وقال : ( قد قُبض فی هذه اللیله رجل لم یسبِقه الأوّلون ، ولا یدرکه الآخِرون بعمل … ) ، ثمّ خنقته العبره فبکى وبکى الناس معه ، ثمّ قال : ( أیّها الناس ، مَن عرفنی فقد عرفنی ، ومَن لم یعرفنی فأنا الحسن بن محمّد رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) أنا ابن البشیر ، أنا ابن النذیر … ) ، ثمّ قام عبد الله بن العبّاس بین یدیه ، فدعا الناس إلى بیعته ، فاستجابوا ، وقالوا : ( ما أحبّه إلینا وأحقّه بالخلافه ! فبایعوه ) (۱۰) .
وکان عدد المبایعین له أکثر من أربعین ألفاً ، کانوا قد بایعوا أباه على الموت (۱۱) .
وبقی نحو سبعه أشهر خلیفه بالعراق ، وما وراءه من خراسان والحجاز والیمن (۱۲) .
وقد جاءت اعترافات معاصریه ( علیه السلام ) بمؤهّلاته وفضائله لتؤکّد استحقاقه للخلافه ، وخصوصاً أنّ بعض هذه الاعترافات کانت من قِبل شخصیات مخالفه لأهل البیت ( علیهم السلام ) بشکلٍ عام ، والفضل ما یشهد به الأعداء .
قال واصل بن عطاء : کان الحسن بن علی ( علیه السلام ) علیه سیماء الأنبیاء وبهاء الملوک (۱۳) .
وقال عنه ( علیه السلام ) مروانُ بن الحکم : أحلَم مِن هذا ـ وأشار إلى الجبل ـ (۱۴) .
وأما مدح معاویه للحسن ( علیه السلام ) فقد کان یقول :
أمّا الحسن فابن الذی کان قبله ، إذا سار سار الموت حیث یسیر (۱۵) .
فتمیّز الإمام الحسن ( علیه السلام ) بخصائص قیادیه فریده ، جعلت معاویه یوصی أصحابه باجتناب محاورته (۱۶) ؛ لأنّه ( علیه السلام ) کان أحسن الناس منطقاً فی زمانه ، وکان معاویه یخشاه ویتخوّف من عوده الخلافه إلیه ؛ لتمتّعه بخصائص لا یتّصف بها غیره (۱۷) ؛ لذا کبّر عند موته ( علیه السلام ) وقال : والله ما کبّرت شماته لموته ، ولکن استراح قلبی ، وصَفَت لی الخلافه .
وکان ( علیه السلام ) دائم الارتباط بالله تعالى وأکثر الناس خشیه منه ، إضافه لتمیّزه سلام الله علیه بالزهد والخیر والکرم والحِلم ، وفوق کلّ ذلک کان شجاعاً لا یخشى إلاّ الله تعالى ، فقد قال لمعاویه ( إنّ الخلافه لمَن سار بسیره رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) … ولیست الخلافه لمَن عمَل بالجود وعطّـل الحـدود ) (۱۸) .
ومن کفاءاته ( علیه السلام ) أنّه وجد أنّ مصلحه الإسلام تکمن فی الصلح ، فصالح
معاویه ، وحقَن دماء أنصاره وأتباعه وسائر المسلمین ، ولم یدخل فی معرکه خاسره لا تُحسم لصالحه ولصالح الوجود الإسلامی .
وعندما یُسأل الإمام الحسن ( علیه السلام ) عن رأیه فی السیاسه ، یقول ( علیه السلام ) : ( هی أن تراعی حقوق الله ، وحقوق الأحیاء ، وحقوق الأموات ، فأمّا حقوق الله ، فأداء ما طلَب ، والاجتناب عمّا نهى . وأمّا حقوق الأحیاء ، فهی أن تقوم بواجبک نحو إخوانک ، ولا تتأخّر عن خدمه أُمّتک ، وأن تخلص لولیّ الأمر ما أخلص لأُمّته ، وأن ترفع عقیرتک فی وجهه إذا حادَ عن الطریق السویّ . وأمّا حقوق الأموات ، فهی أن تذکر خیراتهم ، وتتغاضى عن مساوئهم , فإنّ لهم ربّاً یحاسبهم ) (۱۹) .
ثانیاً : مواقف وتضحیات الإمام الحسن ( علیه السلام ) فی أهمّ مراحل سیرته المبارکه :
* فی عهد جدّه رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) :
عاش الإمام الحسن ( علیه السلام ) فی عهد رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) سبع سنوات من عمره الشریف ، وکانت تلک السنوات على قلّتها کافیه لأن تجعل منه الصوره المصغرّه عن شخصیه الرسول الأکرم ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، حتى لیصبح جدیراً بذلک الوسام العظیم ، الذی حباه به جدّه ، حینما قال له ـ حسبما روی ـ ( أشبهتَ خَلقی وخُلُقی ) .
فشِبهه ( علیه السلام ) لجدّه فی الخَلق ، هو أمر واضح ، من ناحیه التشابه بالملامح والمنطق … أمّا شِبهه فی الخُلُق یُعدّ وسام الجداره لذلک المنصب الإلهی ، الذی هو وراثه وخلافه النبی الأعظم ( صلّى الله علیه وآلـه وسلّـم ) ، ثمّ وصیّه علی بن أبی طالب ( علیه السلام ) ، نعم من هنا نعرف السرّ والهدف الذی یرمی إلیه النبی الأعظم ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) فی تأکیداته المتکرره ، تصریحاً ، وتلویحاً على ذلک الدَور الذی ینتظر الإمام الحسن وأخاه ( علیهما السلام ) ، وإلى المهمّات الجلیّه التی یتمّ إعدادهما لها ، حتى یصرّح ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) بأنّهما ( علیهما السلام ) ( إمامان قاما أو قعَدا ) (۲۰) .
وروی أنّه ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) أخبر بما یجری على الإمام الحسن ( علیه السلام ) من بعده ، فیقول : ( إنّ ابنی هذا سید ، وسیُصلِح الله على یدیه بین فئتین عظیمتین ) (۲۱) (**) .
وممّا یدخل فی الحیاه السیاسیه للإمام الحسن ( علیه السلام ) فی عهد جدّه النبی ( صلّى الله علیه وآلـه وسلّـم ) ، قضیه المباهله مع علماء نصارى نجران الذین ناظروا رسول الله فی عیسى ، فأقام علیهم الحجّه ، فلم یقبلوا… ثمّ اتّفقوا على المباهله أمام الله ؛ لیجعلوا لعنه الله الخالده على الکاذبین ، ففی الیوم
المحدّد خرج إلیهم النبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ومعه علی وفاطمه والحسنان ( علیهم السلام ) ، وأمام ذلک طلب نصارى نجران من رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) أن یعفیهم من المباهله … (۲۲) .
ب ـ فی عهد الخلفاء الثلاثه :
فی عهد أبی بکر
کان للإمام الحسن ( علیه السلام ) موقف هامّ مع أبی بکر ، حیث جاء إلیه یوماً وهو یخطب على المنبر ، فقال له ( علیه السلام ) : ( انزل عن منبر أبی ) ، فأجابه أبو بکر : صدقت والله ، إنّه منبر أبیک ، لا منبـر أبـی ، فبعث علی ( علیه السلام ) إلى أبی بکر : ( إنّه غلام حدث ، وأنا لم آمره ، فقال أبو بکر إنّا لم نتّهمک ) (۲۳) .
مع التأمّل فی ردِّ أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) : أنا لم آمره ، أی أنّه لا یتضمّن أی إنکاراً على الإمام الحسن ( علیه السلام ) ، ولا إدانه لموقفه ، بل الإمام الحسن لا یحتاج إلى أمر ، فهو یدرک کلّ الأحداث التی عایَشها بفِکره الثاقب ، وإنّ علیه مسؤولیه إبقاء حقّ أهل البیت ( علیهم السلام ) على حیویّتها فی ضمیر ووجدان الأُمّه .
فی عهد عُمَر بن الخطّاب :
بعد قضیه الشورى على النحو المعروف ، ودعوه عمَر بن الخطّاب للمرشَّحین ومخاطبته لهم قائلاً : ( وأحضروا معکم من شیوخ الأنصار ، ولیس لهم من أمرکم شیء ، وأحضِروا معکم الحسن بن علی ، وعبد الله بن عباس ، فإنّ لهما قرابه ، وأرجو لکم البرکه فی حضورهما ، ولیس لهما من أمرکم شیء ویحضر ابنی عبد الله مستشاراً ، ولیس له من الأمر شیء … ) فحضر هؤلاء .
فبالنسبه لقبول الإمام الحسن ( علیه السلام ) للحضور فی الشورى ، فهو کحضور علی ( علیه السلام ) فیها … فکما أنّ أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) قد اشترک فیها من أجْل أن یضع علامه استفهام على رأی عُمَر ، الذی کان قد أظهره فی أنّ النبوه والخلافه لا یجتمعان فی بیت واحد أبداً ، بالإضافه إلى أنّه من أجل أن لا ینسى الناس قضیتهم .. کذلک فإنّ حضور الإمام الحسن ( علیه السلام ) فی هذه المناسبه ، إنّما یعنی انتزاع اعتراف من عُمَر بأنّه ممَّن یحقّ لهم المشارکه السیاسیه ، حتى فی أعظم وأخطر قضیه تواجهها الأُمّه (۲۴) .
فی عهد عثمان بن عفان
کان له ( علیه السلام ) مشارکات عدّه ، نذکر منها:
۱ ـ مشارکته فی الکثیر من حروب الدفاع عن بیضه الإسلام ، وفی کثیر من الفتوحات الإسلامیه أیام خلافه عثمان ، منطلقاً من مقوله أبیه أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) فی رعایه مصلحه الإسلام العلیا ، التی کرّرها فی أکثر من موضع : ( والله لأسلمنّ ما سلِمت أمور المسلمین ، ولم یکن جَور إلاّ علیّ خاصّه ) .
وقد نقلت کتُب التاریخ ومرویّاته هذه الحقیقه ، وممّا جاء فی العِبر لابن خلدون : ( وتطلّع المسلمون إلى البصره والفتح متفائلین بوجود صغیر الرسول وحبیبه یجاهد معهم ، وکانت الغزوه ناجحه وموفّقه کما یصفها المؤرّخون ، وعاد الحسن منها إلى مدینه جدّه وقلْبه مفعَم بالسرور ، وعلامه الارتیاح بادیه على وجهه الکریم ؛ لانتشار الإسلام فی تلک البقعه من الأرض ) (۲۵) .
۲ ـ کان موقفه من خلافه عثمان وما آلت إلیه هو موقف أبیه أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) ، معبِّراً فیه عن کامل الطاعه والالتزام بأوامره وتوجیهاته فی تلک الفتره العصیبه والفتنه العمیاء ، خصوصاً بعد أن ملّ المسلمون سیاسه عثمان وعمّاله ، حیث إنّه بعد فشل کلّ المحاولات التی بذَلها المسلمون لإصلاح سیاسه عثمان ، زحفوا إلیه من جمیع الأقطار ، ودخلوا فی مفاوضات معه یطالبونه إمّا بإصلاح ما أفسده ، أو بالتخلّی عن السلطه .
وکان أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) وولَده الحسن ( علیه السلام ) وسیطَینِ بین الخلیفه ، ووفود الأمصار فی محاوله للإصلاح . إلاّ أنّ تدخّل مروان ونقْض کلّ ما أُبرم بین الطرفین من اتّفاقات ، فتعقّدت الأمور أخیراً ، وهاجمه الثوّار بتحریضٍ من عائشه وطلحه والزبیر ، وقالت لهم عائشه : ( اقتلوا نعثلاً فقد کفر ) .
وأثناء ذلک أرسل أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) ـ کما یُذکر ـ ولَدَیه حَسَناً وحسیناً ؛ لیدفعا عن عثمان الثوار ، لدرجه أنّ الحسن ( علیه السلام ) قد أُصیب ببعض الجروح وهو یدافع عنه ، وذلک کما روى ابن کثیر .
ولکن ممّا لا شکّ فیه أنّ أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) وولَدَیه ( علیهما السلام ) ، کانوا کغیرهم من خِیار الصحابه ناقمین على تصرّفات عثمان وعُمّاله ، ومع ذلک لم یبلغ بأمیر المؤمنین ( علیه السلام ) الحال إلى حدود الرضا بقتله والتحریض علیه ، بل وقف منه موقفاً سلیماً وشریفاً (۲۶) .
فی عهد أبیه أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) :
فی هذا العهد کان الإمام الحسن ( علیه السلام ) ظِلاًّ لأبیه ، فی کلّ ما تتطلّبه مسأله الولاء لإمامه خلیفه رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، وجندیاً واعیاً مطیعاً لکلّ أوامره ، ویشهد على ذلک مهمّاته فی تلک الفتره والتی منها :
۱ ـ دَوره فی حرب الناکثین المعروفه بحرب الجَمَل ، وهی الحرب التی استعرت على إثر تمرّد طلحه والزبیر فی البصره ، ورفعهما السلاح بوجه أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) بقیاده عائشه ، فاحتاج الإمام علی ( علیه السلام ) إلى مسانده جماهیر الکوفه للذَود عن الحقّ الذی یمثّله ، فاختار لهذه المهمّه
نجلَه الحسن ( علیه السلام ) ؛ وذلک لشحْذ هِمم أهل الکوفه ، وحمْلهم على دعم الموقف الإسلامی الأصیل .
فانطلق الإمام الحسن ( علیه السلام ) برِفقه عمار بن یاسر إلى الکوفه ، حاملاً کتاب علی ( علیه السلام ) إلى أبی موسى الأشعری عامله على الکوفه ، یبلّغه فیه باستغنائه عن خدماته ؛ بسبب تحریضه الناس على القعود عن نُصره علی ( علیه السلام ) ، وقد نجح الإمام الحسن ( علیه السلام ) فی استنفار الجماهیر لنصره الحقّ والذود عن الرساله ، فخرج معه ( علیه السلام ) إلى البصره اثنا عشر ألفاً کما جاء فی بعض الروایات .
وشارک الإمام الحسن ( علیه السلام ) فی هذه الحرب إلى جنب أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) ، وحمَل رایته وانتصر بها على الناکثین .
۲ ـ دَوره فی حرب القاسطین المعروف بحرب صفّین (۲۷) : وهی حرب البُغاه التی قادها معاویه بن أبی سفیان خروجاً على خلافه أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) ، وهکذا أیضاً کان دَور الحسن ( علیه السلام ) فیها کدَوره فی حرب الجَمَل ، بل زاد علیه ، حیث قام بتعبئه المسلمین للجهاد وبذَل جهده ؛ لإحباط مؤامره التحکیم والاحتجاج على المناوئین به ، بل وقد عبّر الإمام الحسن (علیه السلام) عن ولائه المطلق لأبیه أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) فی محنته هذه ، مستخفّاً بإغراء البُغاه له بالخلافه دون أبیه ، وذلک حین عرَض علیه عبد الله بن عُمَر أن یخلع أباه أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) ، وأن یتولّى هو بنفسه ( علیه السلام ) الأمر ، فأجابه الإمام الحسن ( علیه السلام ) ( کلاّ ، والله لا یکون ذلک أبداً ) .
وبعد النزاع الذی ساد جیش أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) على أثر قضیه التحکیم فی معرکه صفین ، وانقسام الجیش بین مؤیّد ورافضٍ ، استطاع الإمام الحسن ( علیه السلام ) وبتکلیفٍ من أبیه (علیه السلام) ، أن یحکی للقوم حقیقه الأمر فی کون التحکیم فاسداً .
ثالثاً : الإمام الحسن ( علیه السلام ) فی الحُکم
أجمع المؤرّخون على أنّ خلافه الحسن بن علی ( علیه السلام ) کانت فی صبیحه الیوم الذی دُفن فیه أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) ، وبعد الفراغ من إنزال حکم الله بقتْل ابن ملجم ، فقد ضربه ضربهً واحده قضت علیه کما أوصاه أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) .
ومِن ثَمّ تجمّع عنده المسلمون لیبایعوه على الخلافه ـ کما أشرنا مسبقاً ـ وعندما بویع الإمام ( علیـه السـلام ) ، کان فی الجانب الآخر معاویه بن أبی سفیان یترصّد الأخبار ، وعاصمته تحتفل بقتل أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) ، ولکن خبر البیعه للإمام الحسن ( علیه السلام ) هزّه وأرعد فرائصه ، فعمل معاویه على بثّ الجواسیس فی داخل المجتمع الإسلامی ؛ لنشر الإرهاب وإشاعه الدعایات ضد حکم أهل البیت ( علیهم السلام ) لصالح الفتنه فی الشام ، لکن سیاسه الإمام الحسن ( علیه السلام ) کشفت مخطّطات معاویه .
وکثُرت الرسائل المتبادله بین الإمام ( علیه السلام ) و معاویه ، وکان أهمّها کتاب الإمام ( علیه السلام ) له بوجوب التخلّی عن انشقاقه والانضواء تحت لوائه الشرعی ، إلاّ أنّ معاویه رفض ذلک ، وکان جوابه الأخیر لرسولَی الحسن ( علیه السلام ) إلیه ، أنّه قال لهما : ( ارجعا فلیس بینی وبینکم إلاّ السیف ! ) .
وهکذا ابتدأ معاویه العدوان ، ممّا دفع الإمام الحسن ( علیه السلام ) لإعلان التعبئه لحرب الباغیه معاویه بن أبی سفیان ، ولکنّه ( علیه السلام ) أُصیب بخیبه أمل کبیره حینما انکشف له واقع الجماهیر التی یقودها ، والتی أثّرت فیها الدعایات الأُمَویه ، ولکن هذا النداء وصل إلى أسماع بعض المخلصین ، الذین عبّروا عن إخلاصهم بتأنیب الناس ، وتحریضهم على النهوض بمسؤولیاتهم الرسالیه ، وعاهدوا الإمام الحسن ( علیه السلام ) على المضی قُدُماً فی نصره الحقّ ومواجهه الطغیان .
فاستطاع الإمام ( علیه السلام ) أن یسیر بعد ذلک بجیش کبیر ، بلَغ حسب بعض الروایات أربعین ألفاً أو أکثـر ، ولکنّه ضعیف فی معنویاته یستبدّ به التشتّت حتى بلغ النخیله (۲۸) .
فنظّم الجیش ورسم الخطط لقاده الفِرَق ، وتوجّهَ بعد ذلک إلى دیر عبد الرحمن (۲۹) . وهناک قرّر إرسال طلیعه عسکریه کمقدّمه لجیشه إلى ( مَسکن ) (۳۰) ، واختار لقیادتها ابن عمّه عبید الله بن العباس وقیس بن سعد بن عباده کمعاونٍ له ، وأقام هو فی المدائن (۳۱) ، واتّخذها مقرّاً لقیادته العلیا ، وأمّا الطلیعه التی أرسلها إلى ( مَسکن ) بقیاده ابن عمه عبید الله ، فهی المیدان الذی سوف یواجه فیها معاویه وأهل الشام ، ولیس بین المعسکرین إلاّ خمسه عشر فرسخاً ، وکان خیره جنود الحسن ( علیه السلام ) فی الرکْب الذی سبَقه إلى ( مَسکن ) ، وأنّ الفصائل التی عسکر بها الحسن ( علیه السلام ) فی المدائن کانت من أضعف الجیوش معنویه ، ومِن أقرَبها نزعه إلى النفور والقلق والانقسام .
وبما أنّ الإمام وجیشه کانوا فی معزل عن بعضهما ، فقد تمکّن معاویه من بثّ الإشاعات المضلّله فی صفوف جیش الإمام ، فقد أُشیع بین جیش الإمام أنّ الإمام قد صالح معاویه ، فاضطرب جیش الإمام لهذه الإشاعه ، ما دفع عبید الله بن العباس ابن عمّ الإمام إلى الوقوف إلى جانب معاویه وترْک جیش الإمام ، وفی هذه الأثناء أیضاً دارت على الألسُن إشاعهٌ تفید بقبول قیس بن سعد للصُلح ، وهو قوّه المقاومه الوحیده المتبقّیه فی مقابل معاویه .
وکانت هذه بمثابه الضربه القاضیه التی وُجّهت إلى الوضع النفسی المنهار فی جیش الإمام ، ولم یمضِ بعض الوقت حتى طغَت على السطح کلّ العِلَل ، التی تفشّت فی معسکر الإمام ( علیه السلام ) على شکلِ تمزّقٍ وفِتن واضطراب وتآمر على القیاده ذاتها .
وهنا اطمأنّ معاویه بأنّ المعرکه لو وقعت بین أهل الشام وأهل العراق ستکون لصالحه ، وسیکون الحسن بن علی ( علیه السلام ) والمخلصون له من جُنده ، خلال أیام معدودات بین قتیل وأسیر تحت رحمته ، وأنّ السلطه صائره إلیه لا محاله .
ولکن استیلاءه علیها بقوّه السلاح لا یعطیها الصبغه الشرعیه ، ما دفعه إلى التقدّم بعَرض فکره الصلح على الإمام الحسن ( علیه السلام ) ، وترَک للإمام أن یشترط ما یرید ، وکان معاویه عارفاً بأنّ مثل هذه الفکره ستثیر الفِتَن بین صفوف أنصار الإمام ، بل سیفضلونها على الذهاب إلى الحرب والقتال ، وبالفعل أثمرت فکره الصلح نتائجها ، حیث یذکر الشیخ المفید فی إرشاده والطبرسی فی أعلام الورى : ( أنّ أهل العراق کتبوا إلى معاویه السمع والطاعه ، واستحثّوه على السَیر نحوهم ، وضمنوا له تسلیم الحسَن إلیه إذا شاء ، عند دُنوّه من معسکرهم ، أو الفتْک به ) (۳۲) .
لدرجه أنّ الحسن ( علیه السلام ) لمّا بلَغه ذلک ، کان لا یخرج بدون لامَه حرْبِه ( أی الدرع ) ، ولا ینزعها حتى فی الصلاه ، وقد رماه أحدهم بسهم وهو یصلّی فلم یثبت فیه .
فالإمام الحسن ( علیه السلام ) لم یفکّر قطّ بالصلح مع معاویه أو مهادنته ، غیر أنّه بعد أن تکاثرت لدیه الأخبار عن تفکّک جیشه ، وانحیاز أکثر القاده إلى جانب معاویه ، قرّر ( علیه السلام ) أن یدفع بأعظم الضرَرَین :
أوّلهما : الاستمرار بحرب خاسره لا محاله فیها فناؤه ، وفناء أهل بیته وبقیه الصفوه الصالحه .
والثانیه : القبول بالصلح وحقن دماء أهل بیت النبوه والعصمه وبقیه الصفوه الصالحه من شیعتهم ؛ لیتّصل حبلهم بحبل الأجیال اللاحقه ، ولیصل إلیها معالم الدین .
وهکذا اضطرّ الإمام الحسن ( علیه السلام ) للصلح ، فی محاوله ناجحه لکشف حقیقه معاویه ، الذی انفرد بالحکم واستأثر بإداره شؤون الأُمّه التی ساندته فرأت طبیعته وحکمه ، ومدى الفرْق الشاسع بینه وبین أیام الأمیر علی بن أبی طالب ( علیه السلام ) ، وبذلک یتحمّل الذین أطاعوا معاویه مسؤولیه هذه المأساه التاریخیه .
فإذاً ، لم یکن الناس قبل توقیع الصلح ینظرون إلى معاویه على أنّه حاکم جائر ، بل کانوا ینظرون إلیه على أنّه رجل طالب للحیاه والسلطه لا أکثر ، والذی کشف معاویه على حقیقته للناس هو ( صُلح الإمام الحسن ( علیه السلام ) ) وشروط الإمام الحسن ( علیه السلام ) .
وقد أثبتت الأیام غدر وخیانه معاویه ؛ وذلک عندما داس على بنود الصلح بقدَمَیه ولم یَعُد یعنی له ذلک شیئاً ، ممّا أدّى ذلک لانتشار التململ بین أصحاب الإمام الحسن ( علیه السلام ) ، بحیث إنّهم تجرّأوا على إمام زمانهم ووصفوه بمُذلِّ المؤمنین ، فصبر سلام الله علیه صبراً جمیلاً ، وطفق یُبیّن لهم الحقائق التی خفِیَت عنهم فی أجواء الانفعال والعاطفه والغضب ، الذی اعتراهم من تحدّی معاویه لهم ، ونقضه لوثیقه الصلح وتوهینه للإمام الحسن ( علیه السلام ) وأصحابه .
فعن الأعمش عن سالم بن أبی الجعد قال : ( حدّثنی رجُل منّا ، قال : أتیت الحسن بن علی ( علیه السلام ) فقلت : یا بن رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) أَذلَلْت رقابنا وجعلتنا معشر الشیعه عبیداً ، ما بقی معک رجُل ، قال ( علیه السلام ) : ومِمّ ذلک ؟ قال : قلت : تسلیمک الأمر لهذا الطاغیه ـ إشاره لمعاویه ـ قال ( علیه السلام ) : ( والله ما سلّمت الأمر إلیه إلاّ أنّی لم أجد أنصاراً ، ولو وجدت أنصاراً لقاتلته لیلی ونهاری حتى یحکم الله بینی وبینه ) (۳۳) .
رابعاً : الشهاده المبارکه
انتقل الإمام الحسن ( علیه السلام ) بعد توقیع الصلح مع معاویه ، إلى مدینه جدّه المصطفى ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، وودّعته الکوفه وأهلها وهُم یرون الذلّه قد خیّمت علیهم ، وتحکّمت الفتنه بهم ، وبوصول الإمام ( علیه السلام ) إلى المدینه بدأت نشاطاته ، وأعماله الفکریه ، والاجتماعیه تأخذ جانباً مهماً فی حیاه المسلمین ، فأنشأ مدرسه وقیاده فکریه کبرى ؛ لتکون محطّه إشعاع للهدى والفکر الإسلامی .
ولکن أجهزه الحکم الأُمَوی لم یکن خافیاً علیها ذلک ؛ ولأجل هذا عقد أقطاب السیاسه المنحرفه اجتماعاً مع معاویه لتداول أمر وضع الحسن ( علیه السلام ) ، فکان حدیثهم : ( إنّ الحسن قد أحیا أباه وذِکره : قال فصُدِّق وأمَر فأُطیع ، وخفقَت له النعال ، وإنّ ذلک لدافعه إلى ما هو أعظم منه ، ولا یزال یبلغنا عنه ما یسـیء إلینـا ) (۳۴) .
وهذا الحدیث على وجازته یُعتبر أخطر تقریر قدّمه أقطاب البیت الأُمَوی وقادته إلى زعیمهم معاویه ، حول نشاط الإمام الحسن ( علیه السلام ) ، بما دفع معاویه إلى ارتکاب إحدى أکبر الجرائم البشعه بحقّ آل محمد ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، وذلک من خلال خطّته الخبیثه التی دبّرها بالاتّفاق مع زوجه الإمام الحسن ( علیه السلام ) ـ جعده بنت الأشعث (۳۵) ـ التی دسّت له السم (۳۶) ، فقضى شهیداً وکان ذلک سنه ( ۴۹ للهجره ) .
وتشیر الروایات بأنّ هذه لیست المرّه الأُولى التی یتعرّض فیها الإمام الحسن ( علیه السلام ) لمحاوله اغتیاله بالسمّ ، حیث ورد عن الیعقوبی : ( ولمّا حضرته الوفاه قال لأخیه الحسین : ( یا أخی إنّ هذه آخِر ثلاث مرّات سُقیت فیها السمّ ، ولم أُسقَه مثل مرّتی هذه ، وأنا میّت من یومی ) .
وقال ابن سعد فی طبَقاته : ( سمَّه معاویه مِراراً ) .
ومِن ثَمّ باشر الإمام الحسین ( علیه السلام ) أمر تجهیزه ، وأخرجه لیُجدّد به عهداً بجدّه رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، ولم یشکّ بنو أمیه ، أنّهم سیدفنونه هناک ، فاجتمعوا لذلک ، ولبسوا السلاح ، وأقبلوا ومعهم عائشه على بَغْل وهی تقول : ( ما لی ولکم ، تریدون أن تُدخلوا بیتی ـ أی عند قبر الرسول ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ـ مَن لا أحبّ ) ، وکادت الفتنه أن تقع ، بین بنی هاشم ، وبنی أمیه ، إلاّ أنّ الحسین ( علیه السلام ) تدارک ذلک ومضى بأخیه الحسن إلى البقیع ، ودفنوه هناک عند جدّته فاطمه بنت أسد .
وأخیراً : الخاتمه :
مَن ینظر فی شخصیه الإمام الحسن ( علیه السلام ) ، وسیرته العملیه سواء فی عصر أبیه أو فی حکمه ، یرى فیه قوّه الشخصیه ، والعزیمه الراسخه وسرعه التحرّک لحسم المواقف ، ولکنّ الظروف الموضوعیه التی ألمّت بالإمام ( علیه السلام ) أحرجَت موقفه بشکلٍ یندر نظیره فی التاریخ .
فهو ( علیه السلام ) لم یسالِم معاویه رضاً به ، ولا ترَک القتال جُبناً وخوفاً من الموت ، ولا تجافى عن الشهاده طمعاً بالحیاه ؛ ولکنّه صالح حین لم یبقَ فی ظرفه احتمال لغیر الصُلح ، وبهذا ینفرد الحسن عـن الحسیـن ، أی الحسن لم یبخل بنفسه ، ولم یکن الحسین أسخى منه بها فی سبیل الله ، وإنّما صان نفسه یجنّدها فی جهادٍ صامت ، فلمّا حان الوقت کانت الشهاده کربلاء ، شهاده حسنیه ، قبل أن تکون حسینیه ، وکان یوم ( ساباط ) أعرف بمعانی التضحیه من یوم الطفّ لدى أُولی الألباب ممّن تعمّق ؛ لأنّ الحسن ( علیه السلام ) ، أعطى من البطوله دَور الصابر على احتمال المکاره فی صوره مستکینٍ قاعد .
وکانت شهاده ( الطفّ ) حسنیه أوّلاً ، وحسینیه ثانیاً ؛ لأنّ الحسن ( علیه السلام ) أنضَجَ نتائجها ، ومهّد أسبابها ، کان نصر الحسن الدامی موقفاً على جَلْوِ الحقیقه التی جَلاها ـ لأخیه الحسین ـ بصبره وحکمته ، وبجَلْوها انتصر الحسین نصره العزیز وفتَح الله له فتْحه المُبین .
وکانا ( علیهما السلام ) کأنّهما متّفقان على تصمیم الخطّه : أن یکون للحسَن منها دَور الصابر الکریم ، وللحسین دَور الثائر الکریم ؛ لتتألّف من الدَورین خطّه کامله ذات غرَض واحد (۳۷) .
ونحن نرى بعد صلح الإمام الحسن ( علیه السلام ) الذی وقع فی سنه الأربعین للهجره ، أنّ أهل البیت لم یلتزموا بالبقاء داخل البیت ، والاقتصار على بیان الأحکام الإلهیه فقط ، بل نجد منذ أَوّل أیام الصلح أنّ برنامج کلّ الأئمه ( علیهم السلام ) ، کان یقوم على تهیئه المقدّمات لإقامه الحکومه الإسلامیه التی یرَونها هُم … وهذا ما یدلّ بوضوح على أنّ الإمام الحسن ( علیه السلام ) کان ینظر للمستقبل ، وهذا الآتی الذی ینظره لیس إلاّ الزوال الحتمی للحکومه الجائره الباطله ، وحلول حکومه العدْل مکانها (۳۸) .
ویشهد على ذلک ، عندما أعلن معاویه أنّ کلّ شروط الصُلح مع الإمام الحسن ( علیه السلام ) صار تحت قدَمَیه ، فجاء بعض وجوه الشیعه إلى الإمام الحسن ( علیه السلام ) وقالوا : یا بن رسول الله ،
لقد أصبح اتّفاق الصلح هذا کأنّه لم یکن بعد أن نقَضه معاویه ، فما تقولون الآن فی القیام ؟ فقال ( علیه السلام ) : ( کلا ، القیام لیس الآن ، ولکن بعد معاویه ) .
فالمحصّله : أنّ الإمام الحسن ( علیه السلام ) لم یمتنع عن الشهاده ، بل الشهاده هی التی امتنعت عنه … وانتصر الحسن ( علیه السلام ) بثورته الصامته ؛ حیث کانت معاهده الصلح عملیه کشف للمطامع الأُمَویه ولأحقادها الضاریه ، وتعریه صریحه لواقِعها البغیض .
ــــــــــــــــــــ
* اقتباس وتصحیح شبکه الإمامین الحسنین (علیهما السلام) للتراث والفکر الإسلامی ، والمقاله مقتبسه من : مجله الکلم الطیب ، العدد ۲۱ ، السنه الخامسه ۲۰۰۵ م .
۱ ـ جوله فی سیره الأئمه الأطهار ، الشهید مطهری ، ص۳۹ .
۲ ـ الاحتجاج ، للطبرسی ، ص۱۵۱ .
۳ ـ المحاسن والمساوئ ، للبیهقی ، ج۱ ، ص۶۰ و ۶۵ .
۴ ـ الدروس العظیمه من سیره أهل البیت ، الإمام الخامنئی ، ص۱۴۳ ـ ۱۴۶ .
۵ ـ البحار ، ۴۳ ـ ۲۶۳ ، ج۱۱ .
۶ ـ فرائد السمطین ، ج۲ ، ص ۶۸ .
۷ ـ أمالی المفید ، ص ۲۱۷ .
۸ ـ تُحف العقول ، ص ۱۵۸ .
۹ ـ أعلام الورى بأعلام الهدى ، ص ۲۰۷ .
۱۰ ـ الکامل فی التاریخ ، ج۳ ، ص ۱۷۰ .
۱۱ ـ شرح نهج البلاغه ، ج۱۶ ، ص۳۰ ـ ۳۱ .
۱۲ ـ أسد الغابه ، ج۱ ، ص ۴۹۱ .
۱۳ ـ تاریخ ابن کثیر ، ج۸ ، ص ۳۷ .
۱۴ ـ تحف العقول ، ص۱۶۶ .
۱۵ ـ ابن أبی الحدید ، ج۴ ، ص۷۳ .
۱۶ ـ بحار الأنوار ، ج۴۳ ، ص ۳۳۸ .
۱۷ ـ وفیات الأعیان ، ج۲ ، ص ۹۹ .
۱۸ ـ ربیع الأبرار ، ج۲ ، ص ۸۳۷ .
۱۹ ـ الحیاه السیاسیه للإمام الحسن ( علیه السلام ) ، السید جعفر مرتضى العاملی ، ص ۷ .
۲۰ ـ الإرشاد للمفید ، ص ۲۲ .
۲۱ ـ أسد الغابه ، ج۲ ، ص ۱۳ .
(**) هنا أشاره لصلح الحسن مع معاویه مستقبلاً .
۲۲ ـ المباهله من البهلیه ، أی اللعنه .
۲۳ ـ تاریخ الخلفاء ، السیوطی ، ص ۸۰ .
۲۴ ـ الحیاه السیاسیه للإمام الحسن ( علیه السلام ) سید جعفر العاملی ، ص ۱۲۵ ـ ۱۲۶ .
۲۵ ـ یراجع تاریخ الأمم والملوک ، ج۵ ، ص ۵۷ . والکامل لابن الأثیر ج۳ ، ص ۱۰۹ . والفتوحات الإسلامیه ، ج۱ ، ص ۱۷۵ .
۲۶ ـ یراجع سیره الأئمه الاثنی عشر ، للحسنی ، ج۱ ، ص ۴۸۵ ـ ۴۸۶ .
۲۷ ـ صفّین: اسم موضع على شاطئ الفرات ، حیث کان میدان لحروب طاحنه بین الکوفه والشام .۴۱
۲۸ ـ النخیله ، موضع قریب من الکوفه ، باتجاه الشام .
۲۹ ـ دیر عبد الرحمن : هو مفرق طرق بین معسکری الإمام ( علیه السلام ) فی المدائن ومسکن .
۳۰ ـ مَسْکن : هی تقع على نهر وجبل ، ویقصد بـ ( مسکن ) القریه الکثیره البساتین والشجر .
۳۱ ـ المدائن : وهی عاصمه الساسانیه ، وفیها مرقد الصحابی الجلیل سلمان الفارسی .
۳۲ ـ المفید ، الإرشاد ، ص ۱۹۰ .
۳۳ ـ الطبرسی ، الاحتجاج ، ج۲ ، ص ۲۹۱ .
۳۴ ـ حیاه الرسول وأهل بیته ، حیاه الإمام الحسن ( علیه السلام ) ، ص ۴۷ .
۳۵ ـ جَعده بنت الأشعث : هی إحدى زوجات الإمام الحسن ( علیه السلام ) ، أقدمت على جریمتها النکراء … بحکم بُنوَّتها للأشعث بن قیس ـ المنافق المعروف ـ الذی أسلم مرّتین ، وفی مقابل ذلک وعَدَها معاویه بتزویجها ابنه یزید ، وإعطائها مِئه ألف درهم ، ولکنّها لم تلقَ من ذلک شیء .
۳۶ ـ السم : وهو عباره عن شربه من العسل بماء رومه .
۳۷ ـ صلح الإمام الحسن ، راضی آل یاسین ، مقدمه الکتاب بقلم السید عبد الحسین شرف الدین .
۳۸ ـ الدروس العظیمه ، سیره أهل البیت ، الإمام الخامنئی , ص ۹۳ ـ ۹۴ .