موقع الأسره فی الإسلام
ولیست الأسره سوى (مؤسسه إنسانیه) تقوم على أکتاف شخصین هما الرجل والمرأه ، وهذه المؤسسه بشبع رغبات ملحه فی ذات کل منهما , وهی : رغبه الجنس ورغبه الإداره ورغبه التربیه ورغبه الأمومه ورغبه الأبوه ، وهی تدفع کل فرد من أفرادها إلى القیام بواجباته دون إرغام , بعد أن تشبع فیهم کافه الرغبات الإنسانیه , فیقوم الأبوان فیها بتدریس أصول الحیاه وکیفیه العشره , لأفراد المجتمع ورجال المستقبل , وهم الأولاد .
وما من نظام یستطیع أن یلغی الأسره بشکل نهائی ؛ لأن أی نظام عاجز عن مقاومه الرغبات التی تشبعها الأسره , وهی رغبات متأصله فی أعماق کل إنسان ، ولهذا فإن الأنظمه التی ألغت الأسره عادت فأوجدتها على شکل أوسع .
فالنظام الشیوعی مثلا ألغى الأسره التی تتألف من رجل و امرأه و أولاد , ولکنه أقام المزارع الجماعیه (۱) ، التی تتکون من عده رجال ، و عده نساء ، و عده أولاد ، هذه المزارع عاجز عن حل مشکلاتها – على عکس الخلیه الحیه التی تقوم بإتماء نفسها وحل مشکلاتها بلا تدخل أجنبی – , فکانت بحاجه إلى تدخل الدوله لحل تلک المشکلات , والمزارع الجماعیه ذات مفعول رجعی ، بینما نجد أن الأسره ترتفع بالإنسان إلى مستواه کإنسان ـ ذی حیاه منتظمه ـ .
أما النظم الغربیه فإنها لم تقدم على إلغاء الأسره عن سابق تخطیط , وإن ما قدمته هذه النظم کبدیل للأسره لم یکن إلا الانحلال , والمیوعه التی أسفرت عنها حرکات الهیبیز والبیتلز والبانک.. الخ (۲) ، ویعرّف علم الاجتماع الأسره بأنها رابطه اجتماعیه تتکون من زوج وزوجه وأطفالهما , وتشمل الجدود والأحفاد وبعض الأقارب , على أن یکونوا مشترکین فی معیشه واحده (۳) .
ویرى الباحث علی عبد الواحد وافی فی کتابه الأسره والمجتمع : أن الزواج الذی لا تصحبه ذریه لا یکون أسره (۴) ، إن الأسره هی إحدى العوامل الأساسیه فی بیان الکیان التربوی ، وإیجاد عملیه التطبیع الاجتماعی ، وتشکیل شخصیه الطفل , واکتسابه العادات التی تبقى ملازمه له طول حیاته , فهی البذره الأولى فی تکوین النمو الفردی وبناء الشخصیه (۵) ، وفی تقویم أسلوک الفردی , وبعث الحیاه والطمأنینه فی نفس الطفل , فمنها یتعلم اللغه ویکتسب القیم الحمید ، وإلیها یعود الفضل فی تعلم الإنسان لأصول الاجتماع , وقواعد الآداب والأخلاق .
واجبات الأسره ووظائفها:
تضطلع الأسره بمسؤولیات أساسیه على جانب کبیر من الأهمیه , وإن أدنى تقصیر فی أداء هذه المسؤولیات لیؤدی ـ ولا شک ـ إلى حدوث خلل اجتماعی وإنسانی ، والى عواقب وخیمه تدفع ثمنه الأجیال المتعاقبه ، وإلى تفشی الجریمه والإدمان على المخدرات.. ، ولا یحسبن أحد أن مسأله الإنجاب أمر ذو أهمیه ثانویه , فهو الوسیله التی تحفظ النوع البشری من الانقراظ ، وهو الذی یرفد المجتمع الدماء الشابه , وقد أدى انخفاض الإنجاب فی بعض البلدان الصناعیه الکبرى ؛ إلى نشوء مخاوف جدیه من أن تصبح بعض هذه البلدان ـ فی بحر عقدین أو ثلاثه من الزمن ـ أمه هرمه ، تفتقر إلى عدد کاف من الشباب ، وهو الأمر الذی یهدد عجله الصناعه والاقتصاد والبحث العلمی والإداره والإنتاج بالتوقف (۶) ، ولا بد للعائله من الإشراف الکامل على تربیه أطفالها : فـ الأسره مسؤوله عن عملیه التنشئه الاجتماعیه التی یتعلم الطفل من خلالها خبرات الثقافه وقواعدها ، فی صوره تؤهله فیما بعد لمزید من الاکتساب , وتمکنه من المشارکه التفاعلیه مع غیره من أعضاء المجتمع ) (۷) .
وإن حرمان الطفل من أبیه ـ مؤقتا أو بصوره دائمه ـ ؛ یثیر فیه کآبه وقلقا مقرونین بشعور الإثم والضغینه , ومزاجا عاتیا متمردا , وخوارا فی النفس ، وفقدانا لحسن العطف العائلی .. ، وقد لوحظ فی معاهد الأطفال أنه إذا کانت صحه الطفل البدنیه , ونموه العضلی , وضبط دوافعه الإرادیه تتفتح وتزدهر بصوره متناسقه فی تلک المعاهد , فإن انفصاله عن والدیه قد یؤدی من جهه أخرى إلى ظهور بعض المعایب کصعوبه النطق , وتمکن العادات السیئه منه , وصعوبه نمو حسه العاطفی (۸) .
أما الواجبات الأخرى للأسره فهی :
۱ـ إعداد الأولاد للمشارکه فی حیاه المجتمع والتعرف على قیمه وعاداته .
۲ـ إمدادهم بالوسائل التی تهیء لهم دواتهم داخل المجتمع .
۳ـ توفیر الاستقرار والأمن والحمایه والحنو على الأطفال ، ففی الدین یجد الشباب الأمان والاطمئنان والسلامه النفسیه فی الحاضر والمستقبل ، وعلینا أن نعلم بأننا سوف نخسر أنفسنا عندما ننکر تراثنا وشخصیتنا الإسلامیه ، أو نبتعد عنها ، بدلا من أن نحاول إثباتها (۹) ، فالدین إحدى الدعامات الرئیسیه التی یرتکز علیها الکیان النفسی لأی إنسان , وهذه الدعامه التی تقیه من الهزات ، التی قد تعتریه فی صراعه مع ظروف الحیاه المتقلبه (۱۰) ، هذا فضلا عن أنه یمنحه قناعه ورضا بما قسم الله تعالى له من رزق وصحه , وقد أرسى الإسلام الحنیف نظام الأسره على أسس راسخه ، تستجیب لمتطلبات الحیاه وتتواءم مع حاجات الناس وسلوکهم ، وقد شاء الله تعالى أن تقوم الزوجیه ـ وهی أس الحیاه العائلیه ونواتها الأولى ـ على أساس من الموده والرحمه ، قال تعالى فی محکم کتابه العزیز: (( وَمِنْ آیَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَکُم مِّنْ أَنفُسِکُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْکُنُوا إِلَیْهَا وَجَعَلَ بَیْنَکُم مَّوَدَّهً وَرَحْمَهً )) [الروم/ ۲۱] .
قال الراغب : یقال لکل واحد من القرینین من الذکر والأنثى من الحیوانات المتزاوجه : زوج , ولکل قرینین فیها وفی غیرها: زوج , قال تعالى : (( فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَیْنِ الذَّکَرَ وَالْأُنثَى )) [القیامه : ۳۹] ، وقال (( َزَوْجُکَ الْجَنَّهَ )) وزوجه لغه ردیئه وجمعها زوجات ـ إلى أن قال ـ وجمع الزوج أزواج .
فقوله : (( أَنْ خَلَقَ لَکُم مِّنْ أَنفُسِکُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْکُنُوا إِلَیْهَا )) [الروم : ۲۱] ، أی خلق لأجلکم ـ أو لینفعکم ـ من جنسکم ، فکل واحد منهما ناقص فی نفسه مفتقر إلى الأخر , ولهذا النقص والافتقار یتحرک الواحد منهما إلى الآخر , حتى إذا اتصل سکن إلیه ، لأن کل ناقص مشتاق إلى کماله ، وکل مفتقر مائل إلى ما یزیل فقره , وهذا هو الشبق المودع فی کل من هذین القرینین .
وقوله: (( وَجَعَلَ بَیْنَکُم مَّوَدَّهً وَرَحْمَهً )) [الروم : ۲۱] ، الموده کأنها الحب الظاهر أثره فی مقام العمل ، فنسبه الموده الحب ؛ کنسبه الخضوع الطاهر أثره فی مقام العمل إلى الخشوع ، الذی هو تأثر نفسانی عن العظمه والکبریاء , والرحمه نوع تأثر نفسانی عن مشاهده حرمان المحروم عن الکمال وحاجته إلى رفع نقیصته ، یدعو الراحم إلى إنجائه من الحرمان ورفع نقصه .
ومن أجل موارد الموده والرحمه المجتمع المنزلی , فإن الزوجین یتلازمان بالموده والمحبه وهما معا ـ وخاصه الزوجه ـ یرحمان الصغار من الأولاد فی حفظهم وحراستهم وتغذیتهم وکسوتهم وإیوائهم وتربیتهم , ولولا هذه الرحمه لا نقطع النسل ، ولم یعش النوع قط .
ویحرص الإسلام کل الحرص على أن یجعل الأسره المسلمه نموذجا رفیعا ، ومثالا یحتذى به بما یمثله من عناصر الریاده والقیاده الصالحه فی المجتمع الإنسانی , قال سبحانه وتعلى فی وصف عباده الصالحین : (( وَالَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّیَّاتِنَا قُرَّهَ أَعْیُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِینَ إِمَاماً )) [الفرقان : ۷۴] ، ومرادهم بکون أزواجهم وذریاتهم قره أعین لهم , أن یسروهم بطاعه الله والتجنب عن معصیته , فلا حاجه لهم فی غیر ذلک ولا إربه , وهم أهل حق لا یتبعون الهوى ، وقوله : (( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِینَ إِمَاماً )) أی متسابقین إلى الخیرات ، سابقین إلى رحمتک ، فیتبعنا غیرنا من المتقین , وکأن المراد أن یکونوا صفا واحدا متقدما على غیرهم من المتقین ، ولذا جیء بالإمام بلفظ الأفراد .
وهکذا نجد أن نظام الأسره الذی شرعه الإسلام مبنی على أساس الحرص الشدید على تأمین السعاده للأسره ، وعلى تمتین أسس تماسکها وترابطها من الناحیه النفسیه والاجتماعیه والجسدیه ؛ کیما ینعم کل فرد من أفرادها بالحب والحنان والدعه والاستقرار والتفاهم والتکافل .
والدوله الإسلامیه مکلفه أن تعنی أعظم العنایه بإنشاء الأسر وحیاطتها ، وتوفیر ضمانات الاستقرار لها , وتعالج ما تلده الظروف الاقتصادیه والثقافیه والسیاسیه من آثار تمسها , نعم هی مسؤوله عن ذلک ، مسؤولیتها عن التموین والتعلیم والدفاع وما أشبه هذه الأغراض التی لا یمکن ترکها للأفراد ، لأنها من صمیم عمل الدوله (۱۱) .
ــــــــــــــــ
۱ـ وهی على نوعین : مزارع حکومیه وتدعى کولخوز ، ومزارع أهلیه وتدعى سوفخوز .
۲ـ انظر کتاب السید هادی المدرسی : کیف تسعد الحیاه الزوجیه ـ مؤسسه الوفاء , بیروت۱۴۰۳ , ص۱۲ـ۱۶٫
۳ـ علم الاجتماع ـ محمد عاطف .
۴ـ ص۱۵ـ۱۶٫
۵ـ النظام التربوی فی الإسلام ـ باقر شریف القرشی ـ دار التعارف ـ بیروت ۱۴۰۳ ص۶۴ـ۶۵ .
۶ـ تدهور نسبه الإنجاب فی فرنسا ـ مثلا ـ إلى ۱٫۷ طفل للعائله الواحده ، وما تزال هذه النسبه مستمره فی ا لانخفاض , علما بأن الحد الادنى الضروری لا یقل عن نسبه ۳ أطفال للعائله الواحده .
۷ـ علم الاجتماع ـ ص۴۸٫
۸ـ اثر الأسره والمجتمع فی الأحداث الذین هم دون الثالثه عشره ـ الیونسکو ـ ص۳۷ .
۹ـ إسلام امرأه : ص۸ .
۱۰ـ الشاب من الطفوله إلى الزواج إعداد محمد رفعت ، مؤسسه عز الدین للطباعه والنشر ـ بیروت ۱۴۰۳٫ ص۲۰۱٫
۱۱ـ حقوق الإنسان ـ محمد الغزالی : ص۱۱۵ـ۱۱۶ .