الإصلاح شعار الثوره
بلا شک فإنّ المتأمّل والقارئ لقضیه کربلاء التی حدثت فی عام ۶۱ للهجره و التی کان بطلها الإمام الحسین علیه السلام، و شارک معه فی أدائها أحرار الأمّه فی ذلک الوقت رضی الله عنهم أجمعین ومازالت تُبَث فی أرجاء المعموره ویشاهدها الآلاف، بل الملایین من أبناء الأمه، یعرف بأن الهدف الرئیس من تلک المعرکه والتی أراد الإمام الحسین علیه السلام تبیانه للأمّه هو الإصلاح: ((إنّی لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً ً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح فی أمه جدّی)).
الإصلاح ضروره:
الإصلاح هو الهدف الرئیس من ثوره الإمام الحسین(علیه السلام)، والإصلاح مفرده یتجدد مضمونها فی کل عصر، وهو مطلب رئیسی فی حیاه الفرد والمجتمع والأمه، فالإنسان فی مسیرته الشخصیه یسعى لإصلاح نفسه وتأمین احتیاجاته ومتطلباته الدنیویه والأخرویه، و المجتمع (الحی) یسعى من خلال أفراده للإصلاح وسد الثغرات الموجوده فیه سواءً کانت اجتماعیه أو سیاسیه، وکذلک الأمّه تسعى من خلال المجتمعات الحیّه لإصلاح ثقافتها وفرض موقعیتها ورمزیتها بین الأمم، وکل ذلک نابع من خلال مفرده الإصلاح التی ضحّى الإمام الحسین علیه السلام بنفسه وأهله وصحبه من أجل غرسها فی أفئده الأمه، لکی تتحول من بعد ذلک إلى واقع ملموس وحرکه حیه منتجه، فالإصلاح لابد من وجوده..
نحن دائماً ما نهتم فی إصلاح الأجهزه الإلکترونیه لکی لا تتلف فما بالنا بالنفس التی تحتاج إلى إصلاح بشکل مستمر و یومی، هذا فضلاً عن المجتمع التی تعیش به هذه النفس وفضلاً عن الأمّه التی تنتمی إلیها ملایین الأنفس، فالإصلاح هو الملجأ الوحید لکی نکون خیر أمّه کما کنّا سابقاً ( کُنتُمْ خَیْرَ أُمَّهٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنکَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ َ).
رکیزتین مهمتین:
والإصلاح یقوم على رکیزتین مهمّتین هما الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر:((أرید أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنکر)).
و یستطیع المجتمع أن ینهض بنفسه، ویکون من أفضل المجتمعات بوجود طلیعه تتحمل على عاتقها هذه المسؤولیه، فهی لا تتطلب إلاّ فئه من المجتمع یأمرون بالمعروف وینهون عن المنکر، مثله مثل العلم الذی لا یحتاج إلاّ إلى فئه من المجتمع ( فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن کُلِّ فِرْقَهٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَهٌ لِّیَتَفَقَّهُواْ فِی الدِّینِ وَلِیُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَیْهِمْ لَعَلَّهُمْ یَحْذَرُونَ )
هذا مع ملاحظه أنّ جمیع أفراد المجتمع یستطیعوا أن ینالوا ثواب الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، فهو لیس بالأمر الذی یحتاج إلى أناس فطاحله فی العلم أو عظماء أزمانهم، فقط یتطلب أن یلتزم الآمر بالمعروف والناهی عن المنکر بما یأمر به وینهى عنه، وأن یکون ما یأمر به معروفاً وما ینهى عنه منکراً..
نتائج الإصلاح:
الإصلاح کلمه شامله، یستفید کلّ من یسعى ولدیه الإراده للاستفاده منها، ونیل نتائجها الإیجابیه، فنجد على فرض المثال لا الحصر فی لبنان کیف تحول وضع الشیعه إلى واقع عز وقوه فقد استطاعوا من خلال نهج الحسین علیه السلام واسم الحسین(علیه السلام) أن یطردوا المحتل، إضافه إلى ذلک بناء القوه الذاتیه من خلال بناء المؤسسات التعلیمیه والطبیه، فقد استخلصوا من ثوره الحسین(علیه السلام) مفرده الإصلاح التی حوّلت حیاه مجتمع بأکمله فأصبح بحق قدوه للمجتمعات..
على العکس تماماً ما نشاهده فی بعض المجتمعات من الشتات والصراع والنزاع والفرقه وکل ذلک تحت اسم الحسین(علیه السلام)، فتجد الفرقه بدل التلاقی وتجد الحرب الإعلامیه بدل السلم الاجتماعی، هذا بالإضافه إلى أنّ بعض المجتمعات تعیش تحت وطأه الظلم وهی تردد أنّ أهل البیت(علیه السلام) عاشوا مظلومین فعلینا الإقتداء بهم وأن نتحمل الظلم، و هذا التفکیر ینسف أهداف ثوره الحسین(علیه السلام) التی کانت فی قبال الظلم والظالمین، فهی کانت فی وجه طاغوت ذلک الزمان وهو یزید بن معاویه لعنه الله وکان الإمام الحسین(علیه السلام) رافضاً أن یعیش تحت حکم یزید ورحمته، لأنّه لم یکن یؤمن بشرعیه ولایته فقال الإمام الحسین علیه السلام: ((إنّا أهل بیت النبوه ، ومعدن الرساله ، ومختلف الملائکه ، وبنا فتح الله وبنا ختم الله ویزید فاسق شارب الخمور ، قاتل النفس المحترمه ومعلن بالفسق ، ومثلی لا یبایع مثله)).
دور علماء الدین :
عالم الدین له الدور الأکبر فی تبیین وتوضیح القضیه الحسینیه، فأفراد المجتمع فی أیام الحسین(علیه السلام) أیام عاشوراء یتوجهون إلى منبر الحسین(علیه السلام) لکی یستضیئوا بنور العلم، وینالوا بذلک ثواب إحیاء وتعظیم شعائر الله، لکی یکتسبوا ویتزودوا من التقوى التی تعتبر من الأهداف الرئیسه للإنسان المؤمن ( ذَلِکَ وَمَن یُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ).
وعاده ما یکون رجال الدین هم المؤهلین لارتقاء ذلک المنبر الحسینی، الذی یعتبر من أکبر المحطات وأکثرها تأثیراً على الأفراد والمجتمع، الذین یعوّلون علیه الکثیر فی حاله تحمل عالم الدین دوره الإصلاحی المؤمّل والمرجو منه.
إذاً على علماء الدین أن یتعمقوا فی فهم الأهداف التی خرج الإمام الحسین علیه السلام من أجلها، لکی یستطیعوا من خلال أصواتهم إیصال هذه الرساله إلى الناس لکی تطبق هذه المفاهیم على أرض الواقع، ویکون لها تأثیر وواقع ملموس، بدل أن تکون شعارات ینادی بها من لا یعمل بها، أو من یحاربها دون علم..
هذا بالإضافه إلى أن یجرد خادم الحسین(علیه السلام) نفسه من الشوائب التی تکون عائقاً دون قبول العمل، وأن یخلص النیّه لله سبحانه وتعالى فی إیصال رساله الحسین علیه السلام دون النظر إلى شهره أو مال..
لأنّ المشروع الإصلاحی یحتاج إلى التخلص من جمیع المعوقات التی تحول بین عالم الدین وبین تأدیه الرساله على أکمل وجه، فلا الخوف من انقطاع الأموال، ولا تدنی الشهره تحول دون واجب إیصال الرساله الحسینیه الصافیه..
ختاماً:
المنبر الحسینی هو الإعلام الذی حفظ ثوره الإمام الحسین علیه السلام وأهدافها على مرّ العصور الغابره، وإن تجدد الإعلام فی هذا العصر وتطورت التکنولوجیا إلا أنّه ینبغی علینا حفظ هذا المنبر، وذلک بالتطویر الذی یجعله یناسب العصر، وهذا لا یعنی تجرید المنبر من صورته الحالیه، وإنمّا القصد العمل على تطویر الخطباء وأسلوب طرحهم، وتحویل الطرح إلى واقع عملی فی المجتمع، من خلال إیجاد لجان تعمل على تطبیق أفکار المنبر على أرض الواقع..
السلام على الحسین وعلى علیّ بن الحسین وعلى أولاد الحسین وعلى أنصار الحسین..