شعائر… ومشاعر… وحناجر
ونحن فی ذکرى استشهادک یا أبا عبد الله … یسألوننا ما سر هذا التدافع ؟ وهذا الزحف الملیونی باتجاه أرض الطف ؟ باتجاه قبرک یا سیدی ؟ .
هذا الحشد الهادر ، وهذه النفوس ، وهذه التجلیات ، مظاهر عجیبه فی المعانی ، ومعان عجیبه فی المظاهر ، لا یمکن لأحد إلاّ أن یکون واقفا اجلالاً لهذه الحشود ، باتجاه سفینه النجاه ، وقارب الخلاص.
حیث مذبح الحسین هناک فی باب قبلته ، وحیث لبّت هذه الحشود النداء إلى سفینه الخلود وشاطیء الرحمه ، یحوط بها عشاق الحسین وزواره ، لیقولوا لأبی الفضل العباس (علیه السلام) ؛ نعم سیدی أنت أسست الفضل والإباء .
جاءوا یبحثون عن کفیک ؛ وهل کفیک إلاّ الجود والعطاء ، وهل کفیک إلاّ محض الحب والولاء ، تمسح على جبین الکون ، ومع هذا الزحف الهادر ، ونحن نشاهد عشاقاً لیسوا ککل العشاق ! وأنصاراً لیسوا ککل الأنصار ! وکرامات لیست ککل الکرامات ! .
ولیس هذا من فیض التعبیر الإنشائی ، أو انشاء التعبیر اللغوی ، إنها حقیقه سرمدیه وصدق ثابت ، ومعنى متجذر ، واُسٌ لا یمکن إلاّ أن یکون قاعده للعلوم ، علوم الریاضیات ، وریاضیات لعلوم الکون ، وفیزیاء الکون والذره والقوانین ، والأواصر والکیمیاء المختصه بها ، کلها علوم محترمه ، لکنها عند الحسین قانون واحد ، إنه قانون الوعی والبصیره ، على امتداد هذه الحشود إلى ما بین الحرمین ، ستقف کل القوانین ، وتنتهی کل الأشیاء ، إنه القانون الطبیعی ، الفیزیائی ، الذری ، الکیمیائی ، هذه الرایات والبیارق ، کلها تعبیرات عن هذا القانون وهذا الفهم وهذا الوعی ، وهذا الصوت وهذه المدرسه وهذه الجامعه ، ترى ماذا فی صدورهم ! وماذا فی خلجات أنفسهم ! وماذا فی مشاعرهم عندما یضربون على الرؤوس ویلطمون الصدور ! حزنا على الانسانیه المعذبه ینادون یا حسین .
على أرض العراق ، عراق الصدق والمبادیء ، عراق الرفعه والعظمه والسمو ، العراق الحسینی الموحد بوحده أبنائه ، بالصوت الذی ینطلق برمز وحدته ، بصدق المخلصین من قادته ، ونحن نسیر الى کربلاء ، کربلاء الحسین .
ها هم أتباعک سیدی أبا عبدالله ، یواسون الرسول الاکرم (صلى الله علیه وآله) بفاجعته ومصیبته ، التی أبکت أهل الأرض والسماء ، ها هم اتباعک سیدی قادمین الیک یطوفون بکعبتک مولای ؛ راسمین لوحه رائعه من الموالاه والبیعه ، تعجز فصاحه اللسان وجمال المعانی والبیان وصف هذه الملحمه الرائده ، التی حوت ما حوت من معانی العزه والشجاعه والشموخ والتضحیه والإیثار ، إنها ترنیمه الحیاه وسمفونیه الدهر .
سائره هذه الحشود إلى باب قبله الحسین وأخیه أبی الفضل(علیه السلام) ، إنها قبله المعانی والحضارات ، قبله الدم الذی لا ینتهی ، وسفینه النجاه ، بقلوب مؤمنه آمنت بالثقلین ، الکتاب والعتره ، ومدرسه محمد (صلى الله علیه وآله) التی تحدت کل الطغاه عبر التاریخ ، وکل طواغیت الأرض ، لأن هذه الحشود الملیونیه هی التی تکتب التاریخ ، بدماء القلوب التی اتصلت وتواصلت مع فاجعه کربلاء وملحمه عاشوراء.
متصله بعطاء مدرسه محمد (صلى الله علیه وآله) ، مدرسه الحسین ، ودم الحسین ؛ الذی قتل ظلما وعدوانا فی صحراء کربلاء على أیدی الطغاه ، أتباع سائرون ، یضربون على الصدور والرؤوس ، دلالات على الرفض والإستنکار لکل جریمه عبر التاریخ وقعت وواقعه الآن وستقع مستقبلا ، یضربون الرؤوس ویلطمون الصدور حزنا على الإنسانیه المعذبه ، منطلقین من أرض العراق المعطر بدماء أبنائه ، بقادته ، بمرجعیاته ؛ الذین وقفوا وتحدوا ، وخاضوا غمار هذا التغییر رغم کل محاولات التزییف ورغم کل الإعلام المضلل ، ورغم کل الأجندات من الکبار والصغار ، لکن العراق ، عراق الإنسانیه ، عراق الحسین ؛ نهض وبقی وبقیت وحدته ، یبنی ویعمر وینشد الأمن والأمان بفضل تضحیات الحسین .
أیها الإمام الشهید ! یا فیض العلم الملکوتی ، وهناک على أرض الطف حیث بقیت رایه أبی الفضل (علیه السلام) ترفرف رغم الکفین القطیعین .
نعم یتیه القلب فی هؤلاء ، مع المشاعر ، من أعماق الحناجر ، مع هذه الشعائر ، إنه قول أصدق من کل قول ، ونشید یحمل کل معانی الإنسانیه المعذبه ، ترانیم وتسبیحات ، تهفو الى الإله العظیم ؛ الذی اشترى من المؤمنین أنفسهم ، وعاشوراء ، والعراق ، وملحمه العطاء المحمدی والوعی الکامل الحقیقی لهذه الأمه ، قضیه الدم المسفوح ! دم السبط الشهید ! دم اتباع النهضه الحسینیه !.
وکیف لنا أن ننسى من وقف بوجه هذا الشعب ، ابان سنوات الظلم والقهر ، لبیک یا حسین ! نشید القلوب ، لأن حبک یا سیدی ربیع المشاعر وسلوه النفوس ، ونهجک طریق للصلاح ، ورؤاک المستقبلیه حددت طریق الخلاص ، والتحرر ، والسعاده ، لأنک أمرت بالمعروف فحققته بدمک الطاهر ، وطلبت الصلاح فنلته فی قلوب الزائرین ، مسیرنا إلیک سیدی صرخه اباء وشموخ ، ونشید یردده الأحرار فی کل زمان ومکان…