عندما یحب اللهُ أحدا
أن تکون محبوبا عند الله، فذلک بلا شک غایه آمال العارفین، ومنتهى طلبه الطالبین، وأعلى رغبه الراغبین. والإنسان کائن «حُبی» یحیا بالحب قبل الخبز، وینمو بالحب وفی بیئه الحب وإن کانت فقیره فی جانبها المادی من طعام وشراب وکساء وغیرها، فالحب یُعوض هذا الفقر ویشبعه بغناه المعنوی الواسع. أما المادیات فإنها مهما تکاثرت، فلا یمکنها أن تعوض لحظه حب حقیقیه، أو أن تغنی عن بیئه حب حاضنه.
الإنسان کائن «حُبی»، وهذا ما ینبغی أن ننتبه له فی علاقاتنا مع أهلنا وأولادنا وبناتنا وکل من حولنا. قد نغرق أبناءنا أو بناتنا فی المادیات، ونبخل علیهم بکلمه حب، مما قد یجعلهم عرضه للابتزاز من قبل الآخرین باسم الحب، إذ المتاجرون باسم الحب کثیرون، خصوصا فی زمننا هذا.
الإنسان کائن «حُبی» یبحث عن الحب لیُحِب ویُحَب. وکما قلنا فإن أسمى الحب أن یشملک الحب الأسمى، وهو حب الله تعالى. وعندما یحب الله أحدا، فإن تعبیرات الحب الإلهی ستغمره بإشراقاتها وتجلیاتها.
یتحدث صاحب تفسیر الفرقان عن آثار الوصول لمقام محبوبیه الله فی قوله تعالى «فَسَوْفَ یَأْتِی اللَّهُ بِقَوْمٍ یُحِبُّهُمْ وَیُحِبُّونَهُ»، فیقول: والذین یحبهم اللّه لا تخلج فیهم خالجه کفر أو فسوق لمکان الحب الطلیق دون طلیق الحب، فقد تقدم حبّه إیاهم على حبهم إیاه، مما یدل على بالغ الحب.
أما صاحب تفسیر المیزان فیتحدث فی نفس الآیه مفصلا عن لازم حب الله للمستحقین من عباده تعالى، والذی یتلخص فی «براءتهم من کل ظلم، وطهارتهم من کل قذاره معنویه من الکفر والفسق بعصمه أو مغفره إلهیه عن توبه». ثم یشرع فی بیان طویل جمیل لشرح کیفیه تحقق هذا اللازم عند المحبوبین لله، فیقول: وذلک أن جمل المظالم والمعاصی غیر محبوبه لله کما قال تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ لا یُحِبُّ الْکافِرِینَ»: «آل عمران: ۳۲» وقال: «وَاللَّهُ لا یُحِبُّ الظَّالِمِینَ»: «آل عمران: ۵۷» وقال: «إِنَّهُ لا یُحِبُّ الْمُسْرِفِینَ»: «الأنعام: ۴۱» وقال: «وَاللَّهُ لا یُحِبُّ الْمُفْسِدِینَ»: «المائده: ۶۴» وقال: «إِنَّ اللَّهَ لا یُحِبُّ الْمُعْتَدِینَ»: «البقره: ۱۹۰» وقال: «إِنَّهُ لا یُحِبُّ الْمُسْتَکْبِرِینَ»: «النحل: ۲۳» وقال: «إِنَّ اللَّهَ لا یُحِبُّ الْخائِنِینَ»: «الأنفال: ۵۸» إلى غیر ذلک من الآیات.
وفی هذه الآیات جماع الرذائل الإنسانیه، وإذا ارتفعت عن إنسان بشهاده محبه الله له اتصف بما یقابلها من الفضائل لأن الإنسان لا مخلص له عن أحد طرفی الفضیله والرذیله إذا تخلق بخلق. فهؤلاء هم المؤمنون بالله حقا غیر مشوب إیمانهم بظلم وقد قال تعالى: «الَّذِینَ آمَنُوا وَلَمْ یَلْبِسُوا إِیمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِکَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ»: «الأنعام: ۸۲» فهم مأمونون من الضلال وقد قال تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ لا یَهْدِی مَنْ یُضِلُّ»: «النحل: ۳۷» فهم فی أمن إلهی من کل ضلاله، وعلى اهتداء إلهی إلى صراطه المستقیم، وهم بإیمانهم الذی صدقهم الله فیه مهدیون إلى اتباع الرسول والتسلیم التام له کتسلیمهم لله سبحانه قال تعالى: «فَلا وَرَبِّکَ لا یُؤْمِنُونَ حَتَّى یُحَکِّمُوکَ فِیما شَجَرَ بَیْنَهُمْ ثُمَّ لا یَجِدُوا فِی أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَیْتَ وَیُسَلِّمُوا تَسْلِیماً»: «النساء: ۶۵».
وعند ذلک یتم أنهم من مصادیق قوله تعالى: «قُلْ إِنْ کُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِی یُحْبِبْکُمُ اللَّهُ»: «آل عمران: ۳۱» وبه یظهر أن اتباع النبی ص ومحبه الله متلازمان فمن اتبع النبی أحبه الله ولا یحب الله عبدا إلا إذا کان متبعا لنبیه .
وإذا اتبعوا الرسول اتصفوا بکل حسنه یحبها الله ویرضاها کالتقوى والعدل والإحسان والصبر والثبات والتوکل والتوبه والتطهر وغیر ذلک قال تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْمُتَّقِینَ»: «آل عمران: ۷۶» وقال: «إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْمُحْسِنِینَ»: «البقره: ۱۹۵» وقال: «وَاللَّهُ یُحِبُّ الصَّابِرِینَ»: «آل عمران: ۱۴۶» وقال: «إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الَّذِینَ یُقاتِلُونَ فِی سَبِیلِهِ صَفًّا کَأَنَّهُمْ بُنْیانٌ مَرْصُوصٌ»: «الصف: ۴» وقال: «إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْمُتَوَکِّلِینَ»: «آل عمران: ۱۵۹» وقال: «إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ التَّوَّابِینَ وَیُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِینَ»: «البقره: ۲۲۲» إلى غیر ذلک من الآیات.
هکذا یتجلى حب الله لعبده فی عبده حتى یکون منزها عن کل رذیله جامعا لکل فضیله. فهل هناک أمسى من هذا التعبیر عن الحب.
للحدیث بقیه نترکها للجمعه القادمه بإذن الله.
أحبکم جمیعا.. جمعه مبارکه.. دمتم بحب.