النّهضه الحسینیّه من منظور مغربی
من مؤلّفاته ؛
1 ـ العرب والغرب أیّه علاقه .. أیّ رهان .
۲ ـ محنه التراث الآخر .
۳ ـ ما بعد الرشدیّه .. ملاّ صدرا رائد الحکمه المتعالیه .
۴ ـ المفارقه والمعانقه .. رؤى نقدیّه فی مسارات العولمه وحوار الحضارات .
۵ ـ حوار الحضارات .. مأزق الحداثه وبؤس آلیّات التثاقف .
۶ ـ الإسلام والحداثه ، إحراجات العصر وضرورات تجدید الخطاب ـ تحت الطبع ـ .
متن الحوار
المحاوِر : کیف نستطیع دراسه الثوره الحسینیّه فی إطار معالجه قضایا الفکر الإسلامی وقضایا الاُمّه فی راهنها ؟
إدریس هانی : إذا ما تعمّقنا أکثر فی المحتوى الحضاری والإنسانی للثوره الحسینیّه ، سوف نجدها بلا شکّ أکبر من کَونها مجرّد ثوره ، لیس کلّ ثوره تمتلک استحقاق الخلود فی لوح التاریخ الممدود .
وحیث ما یمیّزها عن عموم الثورات هو خلود مضمونها الرسالی الکبیر ، وما کان قد کشف عنه هذا الجرح الحسینی المفتوح من دروس وعِبَر ، فإنّنا نفضّل أن نحترز بها عن هذا العموم بعِوَض لفظیّ أکثر تقییداً ، هو ( النّهضه ) بکلّ ما تعنی الکلمه من معنى .
وما یجعلنی أرى أنّ کلمه ( ثوره ) لا بشرط القید الإحترازی المذکور لا تفی بالغرض فی المقام ؛ هو أنّ لا قیمه للثوره إلاّ فیما تحدثه فی الوجدان الجماعی من آثار توقظ العقل وتحرک الروح . کما أنّ الثوره هی أمر عام یمکن أن تقوم به جماعه إنسانیّه فی ظروف مختلفه ولغایات لا یتعدّى محتواها إلى الدائره الإنسانیّه .
وکم من نظیر فی التاریخ لثورات قامت ولم تتعدّ حدودها ولا استطاعت أن تتحوّل إلى درس تستلهم منه الأجیال مقوّمات نهضتها . وثوره الإمام الحسین (علیه السّلام) کانت تعبیراً عن نهضه معاقه ، وردّه فعل عن عصور أخذت طریقها نحو الانحطاط ، ثمّ هی ثوره أحرار لا ثوره عبید . فالحسین (علیه السّلام) لم یسمح لقاتلیه بالإذلال . فکان أسرع فی ردّ طغیانهم قبل أن یمسّه عار المذلّه . إنّها ثوره أثمرت وعیاً حیّاً فی نفوس الأجیال المتعاقبه ، تشدّها إلى معنى الکرامه وجمال التحرّر . فهی بما ینضمّ إلیها من إنجازات تمثّل نهضه اُمّه ، وإن کان الحسین (علیه السّلام) صانعَ ملحمتها ، بوصفه الممثّل الشرعی لضمیر الاُمّه ، وهی أیضاً نهضه إذا ما تأمّلناها فی ضَوء المشروع الإصلاحی الکبیر الذی قاده جدّه و أبوه وأخوه ، کما تؤشّر علیه کلمته وهو یتحرّک باتّجاه الکوفه : ( إنّی لم أخرج أشِراً ولا بَطِراً … وإنّما خرجت لطلب الإصلاح فی اُمّه جدّی ، آمر بالمعروف وأنهى عن المنکر ).
إنّها ثوره هیمنت على الوجدان المسلم ، فصنعت کلّ التحوّلات التی شهدتها القرون اللاحقه . وأنت تجد أنّ ما أعقبها من ثورات ـ کثوره التوّابین لسلیمان بن صرد الخزاعی أو المختار الثقفی ، أو حتّى ثوره العلویین المتحالفین فی بدایه نضالهم مع الثوره العبّاسیّه ضدّ المشروع الاُموی المقبور ، والذین رفعوا شعار الرضى من آل محمّد (صلّى الله علیه وآله) ـ کلّها کانت تستحضر الشعار الحسینی . وسواء أنجحت فی ترجمه شعاراتها أم لا ، فإنّها ثورات ملهمه من هذا الروح الحسینی الذی أعاد صیاغه العقل المسلم باتّجاه إمکانیّه التغییر للأفضل .
فی هذا الإطار یمکننا القول بأنّ النّهضه الحسینیّه کانت فی صلب المسأله الإسلامیّه ، فلسنا نحن مَن یحتاج أن یقرّب النّهضه الحسینیّه إلى صلب قضایانا الراهنه ، ومسائل الفکر الإسلامی ، بل لا قیمه لهذا الفکر إذا لم یستحضر تجارب الاُمّه فی النّهضه والإصلاح ، والنّهضه الحسینیّه هی طلیعه هذه التجارب . وهل قضایا الفکر الإسلامی وقضایا الاُمّه الراهنه ، إلاّ الحریّه والکرامه والإحساس بالمسؤولیّه والضمیر الأخلاقی الذی شکّل مقاصد النّهضه الحسینیّه ؟! فهی نهضه حیّه لا تموت من خلال القِیَم التی کانت تنطق من داخل المیدان وترسم للاُمّه نهجاً فی التحرّر وعدم القبول بالذلّ فکلّ کلمه نطق بها أبو الشهداء عبّرت عن منتهى ما یطلبه الأحرار.
إنّ النّهضه الحسینیّه ، کانت اُولى النّهضات التی شَهِدها التاریخ جعلت لها مطلباً للتحرّر والکرامه . لَم تکن ثوره من أجل الخبز على شرف ثورات الخبز ، ولا ثوره ضدّ التمییز العنصری على شرف الثورات التی قامت ضدّ التمییز … فلقد کان بنو هاشم کرام القوم لا یملک أحد إذلالهم إلاّ وذلّ وذاق من کأس الهوان . لکنّها کانت ثوره من أجل الکرامه ومن أجل الحریّه . والذین صمّموا على إذلاله یدرکون أن مغامرتهم تلک جاءت بعد أن حسم الحسین (علیه السّلام) فی موقفه من یزید ، وتموقعه فی صفوف المظلومین . فکان إذلال یزید للحسین (علیه السّلام) إذلالاً لرمز یمثّل ضمیر هذه الفئه المستضعَفه والمستباحه کرامتها .
فسیر الأحداث یؤکّد على أنّ الحسین (علیه السّلام) أبى إلاّ أن یکون درعاً واقیهً لهؤلاء ، ومعبِّراً شجاعاً عمّا لا یقوى التعبیر عنه آخرون . فلقد قدّم الحسین (علیه السّلام) أکبر دلیل على خدعه الإسلام الاُموی . ولَو لا قَتل الحسین (علیه السّلام) بتلک الطریقه الهمجیّه ، لما سمعنا یزید یکشف عن نوایا التیّار الاُموی من خلال تمثّله للأبیات الشهیره ، التی جاء فیها :
لَعِبتْ هاشِمُ بِالمُلکِ فَلا خَبَرٌ جاءَ ولا وَحیٌ نَزَل
فلقد أظهر الحسین (علیه السّلام) أنّه لیس طالب ملک ، بل طالب کرامه . ولیس طالب غلب ، بل طالب تحرّر . ولیس طالب دنیا ، بل طالب آخره . ولیس طالب ثأر ، بل طالب عداله …
فی تصوّری أنّ قضایا الاُمّه الراهنه هی من سنخ قضایا النّهضه الحسینیّه ؛ ذلک لأنّها قضایا إنسانیّه تکررّت على امتداد هذا الزمن المهدور على إیقاع فظاعات الإنسان فی ربوعنا . وما دامت القیم النّبیله التی استشهد من أجلها الحسین (علیه السّلام) لم تتحقّق ، فحتماً سیظلّ کلّ زمانٍ عاشوراء ، وکلّ مکانٍ کربلاء . على أنّه یجب فهم العباره فی عمق محتواها وفلسفه تجادل القیم مع الواقع ، حَیث کلّ بحَسَبه ، فالتاریخ یعید نفسه ، لکن بصوره أکثر تعقیداً وترکّباً . وإذا کانت الثوره الحسینیّه النّهضویّه هی أول ثوره فی تاریخ النّوع جعلت عنوانها التحرّر والکرامه ، فإنّها أول ثوره من داخل التجربه الإسلامیّه ضدّ استغلال الدِّین للإستبداد السّیاسی وإذلال الخلق . وقبل حرکات التنویر والإصلاح الدِّینی الذی شهدته اُوربا الحدیثه ، یُطلَب الإصلاح فی الوعی الدینی . ولعلّه أول من جعل الکرامه والإحساس بالحریّه عنواناً لا بشرط لنهضه الاُمّه .
المحاوِر : کلّما أمعنّا النّظر فی بیان مشروعیّه الثوره الحسینیّه ، نجد أنفسنا فی مواجهه نماذج أکثر تعصّباً ومعاداهً لمدرسه أهل البیت (علیهم السّلام) ، أین الخلل فی نظرکم ؟ هل هو کامن فی اُسلوب خطابنا ؟ أم أنّه فی طریقه تلقّی الآخر لهذا الخطاب ؟
إدریس هانی : ثمّه خلل بلا شکّ وهو خلل على تفاوته یظلّ مشترکاً بین الإثنین . خلل فی الخطاب ، وخلل فی ذهنیّه المتلقّی للخطاب .
وأعتقد أنّ مقتضى النّهضه الحسینیّه ومحتوى حرکتها الرسالیّه ، هو الإنصاف والعداله والاعتراف ؛ لذا یتعیّن الحدیث عن خلل یصیب الجهتَین معاً . حیث أنّ ثمّه أمر آخر یشکّل مقصداً مؤطّراً وموجّهاً لکلّ قراءتنا ، وهو المقصد نفسه الذی فجّر الثوره الحسینیّه ( أعنی وحده الاُمّه ، وإحساس أبنائها بأنّ أمراً کبیراً شغل وجدان رموزها ) ، وهو الوحده التی تتعالى على الخلاف ولا تصل إلى حدود القطیعه . ونعتقد أنّ آثار القطیعه التاریخیّه لا زالت رابضه على العقول والقلوب ؛ ومن هنا فإنّ الحدیث عن المسؤولیّه المشترکه ـ على التفاوت فی النیّات والمقاصد ـ هو أمر ضروری . ونحن نعتقد أنّنا مطالبون أکثر من غیرنا بالتنازل فی العوارض ؛ لِما یخفّف من وطأه هذا الشرخ الذی جعل الاُمّه فی أرذل عمرها تبدو کالرجل المریض . ونعتقد أنّ منطق الاُبوّه للاُمّه الذی وسم معالم النّهضه الحسینیّه بمیسمه الخاص ، یفرض على شیعته مواقف مسؤوله وصبراً أکبر وتشبّثا بمصلحه الاُمّه لا یحرّکه الاستفزاز ، وطلباً لرأب الصدع لا یخفّف من باعثیّته إزعاج ، وذلک فی نظری نابع من حاله الجهل وغیاب معطیات کثیره على مَن یتلقّى الخطاب فی زحمه التهریج والحصار التاریخی الذی جعل کلّ ما یقال عن شیعه أبی عبد الله الحسین (علیه السّلام) هو ما تنسجه حولهم أیادی خصومهم . تاره بجهل بسیط ، وتاره بجهل مرکّب .
أعتقد أنّ معالجه الخلل ینبغی أن یتمّ خارج هذا التراکم التاریخی المهول من المسبقات والخلفیّات التی حکمت العقول والأذهان ، واستمرّت ترفد العقل المسلم الیوم بکل فظاعاتها . وأعتقد أنّ العصر بما یشهده من نضج حضاری ومن إمکانیّات هائله للبحث عن جذور الأزمه ومعوقات العقل الإسلامی ، یمکننا من تدبیر أمثل لخلافنا لقد عاش المجتمع الإسلامی عبر تاریخه على إیقاع ثقافه الاستئصال . وقد لحق أتباع مدرسه أهل البیت (علیهم السّلام) من الظلم ما لم یلحق مدرسه من المدارس . ولا أدری کیف أنّ کلّ المدارس التی کان على رأسها فقهاء وعلماء من عموم الاُمّه نالت من الاحترام والتقدیر ما لم تناله مدرسه کان رموزها هم أکبر رموز الاُمّه بلا منازع ! إنّها لمفارقه حقّاً ، وحتماً إنّنا فی المجتمع المغلق المحکوم بفوبیا الاستئصال سیتشکّل لدَیه إحساس خاص بمعتقداته .
وحیث أنّ المجتمع المغلق ـ بخلاف المجتمع المفتوح ـ یطوّر لنفسه تجربه طقسیّه ، تستمدّ تعبیراتها من الراموز الشعبی والظواهر والأذواق السّوسیو / ثقافیّه ؛ وهذا ما یجعل هویّه المجتمع المغلق تزداد ابتعاداً عن الآخر ، وتتضخّم مظاهر غربه المجتمع المغلق عن الآخر . إنّ ما نجده من مظاهر طقوسیّه عاشورائیّه هو نتیجه هذه العزله التاریخیّه والحصار الذی فرضته السّیاسه الاستئصالیّه . إنّ الموقف الاستغرابی من الظاهره الشیعیّه فی طقوسیّاتها العاشورائیّه مسأله طبیعیّه بالنّسبه للآخر المسلم الذی یکتفی بالفرجه ولا یشارک إخوانه الاحتفال بالذکرى . وهو إلى حدّ ما معذور تاریخیّاً ؛ لأنّه لم یتمثّل عمق المحنه وعمق الجرح الحسینی المفتوح . وتلک هی المشکله .
المحاوِر : بین تفریس الشیعه ـ ولَو کانوا عرباً ـ وتعجیم عاشوراء إذا استحضرها الإیرانیّون ، نلاحظ أنّ الثوره الحسینیّه ظلّت عرضه لتجاذبات طائفیّه وقومیّه یسوقها أعداء الاُمّه . کیف السّبیل لتجاوز هذه الإشکالیّه باتّجاه توحید المسلمین على الخطاب الحسینی العاشورائی من جهه ، وعَولَمه هذا الخطاب من جهه اُخرى ؟
إدریس هانی : إنّ مقاصد الثوره الحسینیّه أوسع من المدى الذی تردّت إلیه بفعل الاختزال الطائفی لها . وهو وضع یستدعی وقفه تأمّل قصوى . والحاله الطائفیّه الاختزالیّه لیست صناعه شیعیّه محضه ، بل هی نتاج أزمه قطیعه داخل الاُمّه تعدّت إلى مستوى الاختلاف فی اعتبار الرموز وکیفیّه استحضارها فی الوجدان المسلم . فالحسین (علیه السّلام) وقضیّته یحضران فی الوجدانیّه الشیعیّه على خلاف ما یحضران فی الوجدانیّه السنیّه . وطبیعیّ أنّ المجتمع السنّی لم تتوفّر له الشروط الکافیه ، ولا عاش الظروف الموضوعیّه لتطویر ثقافه حسینیّه ، لأسباب تاریخیّه مشهوده . وهذا لا یعنی أنّهم قتله الحسین (علیه السّلام) ، ففی اعتقادی لا وجود لقتله الحسین (علیه السّلام) بیننا . إنّ الحسین (علیه السّلام) أکبر من أن یکون رمزاً لطائفه أو لقومیّه ما .
وأمّا خطاب التفریس والتعجیم لکلّ مظاهر التشیّع فهو یقوم على مغالطه کبرى ، تحجب حقیقه أنّ المظاهر الحسینیّه انتقلت إلى فارس من البلاد العربیّه ، وإن تلبّست بمظاهر التجربه الذوقیّه الصفویّه وقبلها البویهیّه ، فتلک ثمره التثاقف الطبیعی . والذین درسوا تاریخ الدوله الصفویّه یدرکون بأنّ التشیّع الإیرانی ساهم فیه أعلام من الأحساء وجبل عامل . هذا من الناحیه التوثیقیّه . وأمّا فی تصوّری ، فإنّ الدعوه المذکوره تحمل فی ثنایاها سخف القول وضحاله التصوّر . فالدارسون للثقافات یدرکون کم هی خاضعه لقانون التبادل والانسیاح والتثاقف . فإیران تؤثّر بقدر ما تتأثّر . واستقباح الثقافات لمجرّد کَونها غیر عربیّه غیر مفهوم من النّاحیه العلمیّه ، ولا مقبول من النّاحیه الأخلاقیّه . هذه النّزعه البالیه التی تحاول تصویر فارس کما لو أنّها شرّ حضاری ، نزعه جاهلیّه مردوده بقول صاحب الدعوه 🙁 لو کان الإسلام فی الثریا لناله رجال من فارس ) . هذا فضلاً عن أنّها مردوده تاریخیّاً ، لجهه کَون الحضاره الإسلامیّه مدینه فی کلّ فنونها وصنائعها للعقل الفارسی المسلم . وحینما تنازع الصحابه یوم الخندق حَول من یفز بفضل نسب سلمان الفارسی ، حیث قال المهاجرون : سلمان منّا . وقال الأنصار : سلمان منّا . حسم صاحب الدعوه (صلّى الله علیه وآله) النّزاع قائلاً : ( سلمان منّا أهل البیت ) . فکان سلمان الفارسی هو سلمان المحمّدی . وکلّ فارسی أسلم واتّقى یکون من سنخ سلمان ، أی بقدَر سلمانیّته یکون أقرب إلى أهل بیت النبوّه . وکما أنقذ سلمان الفارسی المسلمین یوم الأحزاب ـ حین بلغت القلوب الحناجر ـ بفکره الخندق ، فإنّ فارس تستحقّ الیوم احتراماً لقاء ممانعتها ولقاء نصرتها ، فلا ینطق بلغه التفریس والتمییز العنصری البغیض فی المعتقد الإسلامی إلاّ مغالط . لا یجوز الحکم على اُمّه من خلال مواقف نشاز وانفعالیّه تنطلق من هنا أو هناک . فنحن العرب لدینا مَن ینزع مثل هذا النزوع إلى حدّ الفحش . لکنّه یظلّ نزوعاً غریباً على فکر الاُمّه ووجدانها . وکان بالأحرى لو شئنا توسیع هذه النّزعه لحکمنا بتفریس کلّ الحضاره الإسلامیّه ، متى ما علمنا بأنّ المدرسه السنیّه فقهاً واُصولاً وحدیثاً هی من نتاج قوم من الفرس . فالبخاری ومسلم وابن حنبل والترمذی وابن باجه والدارقطنی والطبری والغزالی و… و… هؤلاء کلّهم أعاجم وجلّهم من فارس ، فأین یذهبون ؟ ولقد کانت إیران قبل تشیّعها على اعتقاد الاُمویّین فی سبّ علی بن أبی طالب (علیه السّلام) على المنابر . وکانت مناطق منها آخر مَن قَبِل بالتراجع عن هذه البدعه فی زمن عمر بن عبد العزیز .
وأمّا الحدیث عن کیفیّه عَولَمه الخطاب الحسینی ، فأنا أعتقد أنّ المسأله تتعلّق بالمخاطِب قبل المتلقّی . فالخطاب الحسینی رهین بنضج وثقافه الحامل للخطاب . فیمکن أن یرقى الخطاب برقیّ حامله ، ویمکن أن یتقزّم الخطاب فیأخذ شکل حامله حیثما أضفى على الخطاب رؤیته المحصوره أو دثره بخصوصیّته الضیّقه . فالخطاب الحسینی قد یصبح عالمیّاً کونیّاً إذا توفّر الحامل الکَونی والإنسانی ، أی أن یرقى الخطاب لیلامس وعی العالم ونضج العالم . ومن هنا یجب الأخذ بعین الاعتبار ، الذّوق العالمی والثقافه العالمیّه فی تقدیم رساله الحسین ، واستنطاق ملحمه الحسین ، وتأویل ثوره الحسین (علیه السّلام) .
المحاوِر : مع استمرار التوجّه التکفیری ، ورغم الکمّ الهائل من دعوات الحوار ومؤتمرات التقریب بین المذاهب الإسلامیّه ـ وهما مفتاح القرن الواحد والعشرین ـ ما هی فائده طروحاتنا الحسینیّه إذا لم تکن عصریّه ومقنعه مستقبلاً ؟
إدریس هانی : لیست المشکله فی التوجّه التکفیری ، ما دام لم یخل تاریخنا من نظائر لا یزال یحتفظ بها التاریخ الإسلامی . ولا یجب أن نعطی أهمیّه معرفیّه وتاریخیّه لهذا الخطاب ، ما دام أنّه بلغ الأمر بهذه الاُمّه یوماً أنّها کانت تلعن فی المنابر وأعقاب الصلوات أمیر المؤمنین والصدّیق الأکبر لمدّه قرن من الزمن . ولقد کان الإمام علی (علیه السّلام) أول ضحایا النهج التکفیری . وحیث نذکر کیف عقّب الخوارج على جواب الإمام بالقول : کافر ما أفقهه ! وإذا کان ملهم نهج البلاغه وقف مشدوهاً أمام جهل التکفیریین ، حیث قال عن أمثالهم : (( ما حاججت جاهلاً إلاّ غلبنی )) . فأیّ حجّه نستطیع امتلاکها فی وجه المکابر التکفیری ؟! ولکنّنی أعتقد أنّ عصر التکفیر یتراجع تدریجیّاً وأحیاناً بالجمله أمام نضج البشریّه واتّساع رقعه الخطاب العقلانی . فالتکفیریّون لا تزدهر صناعتهم ولا یزدهر فنّهم إلاّ فی عصور الإنحطاط وشیوع الظلامیّه وتمکّنها من الأذهان . والیوم فإنّ التوجّه التکفیری یعیش صدمته الکبرى ولم یعد یملک من حجّه سوى التحریض على قتل النّفس المحترمه .
على هذه المحاولات التقریبیّه والحواریّه أن تتواصل . ولا ینبغی أن ییأس الوحدویّیون والتقریبیّون أمام خطاب التیئیس الذی ینهجه أعداء وحده الاُمّه . وعلى الطروحات الحسینیّه أن تکون حاضناً حقیقیّاً لخطاب الوحده والتقارب بین المسلمین . فالحسین (علیه السّلام) هو للاُمّه جمیعاً ، وعلینا أن نحاسب إخواننا المخالفین على ذلک باعتبار أنّ الحسین (علیه السّلام) لهم أیضاً ، ولیس لنا فحسب .
المحاوِر : کیف لنا أن نطوّر الخطاب الحسینی لجمیع أبناء الاُمّه الإسلامیّه مع احتفاظ أتباع کلّ مذهب بخصوصیّاتهم ؟
إدریس هانی : لا أجد فی الاختلاف الفروعی ولا حتّى الاُصولی ما یمنع من الاشتغال الیقینی بواجب الوحده . فالمسأله فی اعتقادی لیست نافله ، بل هی واجب تکلیفی عینی . یجب أن یوجّه کلّ سلوک ومواقف المسلم المعاصر . إنّ إحتفاظ أتباع المذاهب بقناعاتهم لا یرفع واجب الحرص على الوحده . فالقناعات تابعه لأدلّتها . ولا نطلب من المخالف أن یحید عن أدلّته التی انبنى علیها قطعه بالمرادات . ولا نطلب من أحد أن تکون قناعته عن تقلید أو دون دلیل معتبر . ومثل هذه الریاضه المناظراتیّه یمکن أن تستمرّ بین المسلمین فی أجواء محکومه بفقه للخلاف یستحضر أخلاقیّات الحوار وعقلانیّه المناظره . لکن الخلاف ما دام فی نظری لا یمسّ الاُسس التی بها یکون المسلم مسلماً ، ولا یجرف الحدّ الأدنى الذی جعل الأئمّه أنفسهم یعایشون المخالف لنهجهم ویعتبرونه مسلماً ، فلا حاجه للاسترخاء فی طلب الوحده والتقارب بین المسلمین . ومن هنا یتعیّن تقدیم الخطاب الحسینی باعتباره طلباً لإصلاح الأمه جمیعاً کما یظهر من کلمه الإمام الحسین (علیه السّلام) . علینا أن نعید قراءه المشهد بعیون فوق طائفیّه . وأن نقرأ الحسین (علیه السّلام) کمصلح کبیر للاُمّه ( کلّ الاُمّه ) ولیس متحیّزاً فی حرکته الرسالیّه لطائفه ما . بل قد یصبح توسیع الخطاب الحسینی وجعله عنواناً لوحده الاُمّه أمراً ضروریّاً بهذا اللحاظ . وذلک کلّه یتطلّب وقفه ، وقفه تأمّل قصوى کما قلنا سابقاً .
إنّ الخطاب الحسینی خطاب إسلامی وإنسانی مفتوح . والإمام الحسین (علیه السّلام) طلب من محاصریه أن یسمحوا له بأن یتّجه إلى ثغر من ثغور المسلمین لیدافع عن الاُمّه حتّى یلقى الله . کما أنّ ابنه زین العابدین (علیه السّلام) رغم مواجع الاستضعاف الاُمویّ وجرح ما شاهده من إباده لأهل بیته ، یقدّم نموذجا للهمّ الوحدوی من خلال دعاء أهل الثغور الذی یلامس فیه قضیّه الاُمّه الکبرى ، والقلق على بَیضه الإسلام بما یفوق الاعتبارات الشخصیّه والحسابات السیاسیّه الضیّقه .
المحاوِر : عادهً ما تجدنا نغفل البُعد التبلیغی العصری لأبعاد عاشوراء . وبلحاظ وجود شبکات معقّده من الفضائیّات ، ومن أجل عرض فوائد الثوره الحسینیّه ومکاسبها باُسلوب مقبول من الجمیع ، ماهی مقترحاتکم ؟
إدریس هانی : کما تحدّثت عن توسیع دائره المتلقّی للخطاب الحسینی لیشمل الاُمّه جمعاء ، ویعانق تطلّعات أبنائها ، فإنّنی أدعو إلى مزید من توسیع دائره المتلقّی لتشمل البُعد الإنسانی الکَونی لهذا الخطاب . ولعلّ النّاظر فی مفردات الخطاب الحسینی سیکتشف أنّ أکثر المسائل التی أثارها ـ هی بلا شرط ـ تتّجه نحو الإنسانیّه ، وتخاطب الضمیر الإنسانی من حیث هو إنسان .
ولقد افترض الحسین (علیه السّلام) أنّ خصومه ـ لاسیّما المستمتعین بقتله ـ أنّهم کانوا لا یؤمنون بالمعاد ولا یخافون الله ؛ لذا تقدّم خطوه لیخاطب ما یلزمهم برسم الضمیر الإنسانی : ( فکونوا أحراراً فی دنیاکم إن کنتم عرباً کما تزعمون ) . فهو یتحدّث عن الإنسان وعن الفتى وعن النّفس المحترمه وعن الحقّ والکرامه … ، فکلّ ما نطق به هو مدرج فی الملفّ المطلبی لکلّ حرکات التحرّر والتحریر ، ویستطیع أن یفهمه الإنسان بوصفه إنساناً فی کلّ عصر وفی کلّ جیل .
ولا یخفى علیکم ، کیف التقط ( غاندی ) وهو رمز من رموز حرکه التحرّر الوطنی هذا الخطاب یوم قال ، وهو غیر مسلم : تعلّمت من الحسین کیف أکون مظلوماً فأنتصر .
لکنّنی لا زلت أرى الحسین (علیه السّلام) وقضیّته غیر مقروءه ، ولا مستوفاه بالقراءه على المدى الکَونی . ولا یزال الخطاب الحسینی بوصفه جوهر الخطاب الإسلامی مشخّصاً خیر تشخیص فی المیدان لینقلنا إلى وجه آخر من فهم الإسلام . فالحسین (علیه السّلام) هو أکبر ضحیّه للإرهاب والإقصاء والاستئصال . وفی الخطاب الحسینی نستطیع الوقوف على فکر احترام الآخر واحترام الحیاه ، حیث لیس موت الحسین (علیه السّلام) إلاّ فضحاً لذلک النّهج القائم على قتل النّفس المحترمه . وفی هذا الإطار نعتقد أنّ أتباع مدرسه أهل البیت (علیهم السّلام) تتاح لهم الیوم فرصه لم تتاح لهم منذ قرون . ولیس ذلک إلاّ بتوفیق من الله تعالى ، ومصداق قوله : ( وَنُرِیدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِینَ اسْتُضْعِفُوا فِی الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّهً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِینَ ) . لکنّنی أعتقد أنّ ذلک یضاعف المسؤولیّه . وهو أنّ واجباً علینا استشعار المسؤولیّه والتزوّد بصبر أکبر واحترام الآخر .
علیک أن تقدّم تصوّرک ورأیک بعدل وإحسان ، بعیداً عمّا یخدش کرامه ومقدّسات الآخرین . ما أقوله وهو أنّ الفضائیّات الیوم علیها أن تطوّر من اُسلوبها ، حتّى لا تتحوّل إلى حسینیّات مفتوحه . علیها أن تستحضر ذوق الآخر وعقل الآخر ، وتطوّر خطابها الحسینی بمستوى أنضج وأعمق وأکبر .
المحاوِر : کیف یمکن تقدیم الملحمه الحسینیّه بعیداً عن الإفراط والتفریط أو الترکیز على عرض مظلومیّه أهل البیت (علیهم السّلام) کما تعوّدنا ذلک فی خطاباتنا السابقه غالباً . وما هو تصوّرکم للمواصفات المطلوبه فی الخطباء والمبلّغین العاملین فی حقل المنبر الحسینی فی الوقت الحاضر ؟
إدریس هانی : أحیاناً تکون المسأله أبعد من مجرّد وجود إفراط أو تفریط فی الاُسلوب الذی یقدّمه أتباع أهل البیت (علیهم السّلام) بخصوص الخطاب الحسینی . المسأله فی تصوّری تتعلّق باختلاف فی الأذواق ، واختلاف فی الأنماط . وهذا لیس من حقّ أیّ قارئ للظاهره من الخارج أن یستشکل علیها من ناحیه الإفراط والتفریط ، على أساس أحکام القیمه . وحده علم اجتماع الثقافه یمکنه أن یقف على المعقول الثاوی فی صلب اللاّمعقول فی کلّ ممارسه طقسیّه ذات بعد سوسیو / ثقافی .
وأنا شخصیّاً أستمتع بالفرجه فی کلّ اُسلوب له مرجعیّته فی الثقافه الرمزیّه لشعب من الشعوب . أحیانا أستحسن بعض الأنماط الاحتفالیّه وأحیانا أستقبحها ، لکنّنی أتفهّمها . وأمّا ما یسمّونه ( الحماقه ) فهی أحکام معیاریّه تدلّ على جهل حقیقی بنسبیّه الطقوس والثقافه الاحتفالیّه من وجهه نظر اجتماعیّه وانتروبولوجیّه . لکن ما أرید التنبیه إلیه بهذا الخصوص هو أنّ ضرورات توسیع مدى المتلقی المفترض للخطاب الحسینی وضرورات عالمیّته تفرض نوعاً من التخفیف من وطأه التضخّم فی النّمط الخاص ؛ لأنّنا نرى أنّ الطقس الحسینی فی خصوصیّته الاحتفالیّه المحلیّه أحیاناً یسبق المعطیات الموضوعیّه الملهمه والفلسفه التی تختفی وراء حراره الطقس . وبالتالی أحیاناً ـ ولا أقول دائماً ـ هناک تأثیر سلبی یجعل الوعی بالفلسفه الحسینیّه متأخّراً عن التأثّر اللاّواعی بطقوسیّتها . بل أخشى أن تتحوّل الرساله الحسینیّه فی فلسفتها الإنسانیّه الکلیّه إلى ظاهره سوسیو / ثقافیّه محضه تغطّی على بعدها الأیدیولوجی والتاریخی الموضوعی ومحتواها النهضوی والرسالی الذی یلامس الوعی والعقل بقدر ما یلامس الوجدان واللاوعی .
لکن هل یمکننا الحدیث عن وقف کلّ التعبیرات الشعبیّه والطقوسیّه العاشورائیّه ؟ فی تصوّری المطلوب هو التوازن . أعنی : إعطاء الوعی حقّه مقدار ما نعطی اللاّوعی . أی : أن یوجد نوع من التوازن یؤدّی إلى تعدّد فی الخطاب . المشکله هی إذن ، فی اختلال التوازن . نحن نعلم أنّ المتلقّی المفترض یشکّل القاعده الاجتماعیّه الشعبیّه الأوسع . لکن هذا لا یعنی إغفال الشریحه الواسعه التی تتطلّع إلى تشکیل حاله ارتکازیّه فی منطقه الوعی بالقضیّه الحسینیّه . من ناحیه اُخرى أعتقد أنّ الطقس الحسینی والقالب الذی یقدّم به الخطاب ، لیس مرفوضاً مطلقاً حتّى مع وجود ما یبدو منفراً فی ثقافات اُخرى . فهذا أمر طبیعی إنّنا نفهم الطقس الحسینی فی تعبیره الشعبی والثقافی الرمزی ، حکایه عن انجنان مفرط بمحبّه الحسین (علیه السّلام) ، یترجم أقصى الولاء . والمحبّه للحسین ولعموم أهل البیت (علیهم السّلام) هی أمر بسیط یشتدّ ویضعف ، فلا حدود له . بل کلٌّ یحبّ بطریقته ، والکلّ یتنافس . ( وَفِی ذَلِکَ فَلْیَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) ؛ لقوله (صلّى الله علیه وآله) : ( حسین منّی وأنا من حسین ، أحبّ الله مَن أحبّ حسیناً ) . فهناک مَن یحبّ کثیراً ، وهناک مَن یحبّ قلیلاً ، ومن الحبّ ما قتل .
ویبدو لی أنّ ما لا یفهمه الآخر فی الاُسلوب الذی تقدّم به القضیّه الحسینیّه هو أنّ هناک قیمه فی الوجدان الشیعی تقوم على اعتبار الانجنان بحبّ الحسین (علیه السّلام) ، (حبّ الحسین قد جنّنی ) . فالمظاهر التی تشاهَد فی المناسبات دالّه على أنّ المطلوب هو إظهار الانجنان بحبّ الحسین (علیه السّلام) ، ولیس المقام مقام معالجه برهانیّه أو جمالیّه .
وإذا کان هناک مَن ینعت الشیعه بأنّهم مجانین من خلال طقوسیّات عاشوراء فله الحقّ أن یقول ذلک ما دام هو خارج دائره تأثیر الوجدانیّه الشیعیّه الحسینیّه . وذلک فی اعتقادی دلیل على أنّ الشیعه نجحوا فی تقدیم المراد ، بأنّ حبّ الحسین قد جنّهم . أعتقد أنّ المطلوب هو التوازن فی الخطاب وفی الطقس للکشف عن الوجه الکونی للخطاب . على أنّ الحدیث عن الوجه الکَونی للخطاب لا یعنی القضاء على الجانب الشاعری والطقسی للخطاب ، فللکَونیّه طقوسها المقبوله أیضاً .
الملحمه الحسینیّه هی إنسانیّه متعدّده الأبعاد . وتضخّم الحاله الوجدانیّه واختزالها فی الطقس الاحتفالی راجع إلى سعه القاعده السوسیولوجیه الشعبیّه للمجتمع الذی یتعاطى هذه الاحتفالیّه مقابل محدودیّه النخبه وثقافتها . لکن هذا التنوّع فی الأبعاد العاشورائیّه لا یظهر منه إلاّ الجانب الطقسی . وعلینا أن نوسّع من الجانب التحلیلی والقرائی الذی یدرس الملحمه الحسینیّه من خلال أبعادها وزوایاها الاُخرى .
هذا فی الإطار العام . أمّا من ناحیه المبلّغین وخطباء المنبر الحسینی ، فعلیهم أن یتحلّوا بثقافه عالمیّه ، تمکّنهم من استحضار الوعی العالمی والذَّوق العالمی ، ویکونوا أکثر توازناً . والخطباء فی هذا المقام مطالبون أکثر من غیرهم بتحصیل حدّ أدنى من الثقافه العالمیّه والاجتهاد فی مراعاه الذَّوق المشترک ، وعدم الاستسلام للسّبات الانفعالی والعاطفی الذی یقوم عادهً على حساب منطق المحتوى الرسالی للمادّه الحسینیّه . إنّ القدره على السّیطره على ناصیه الوجدان الشعبی فی العرض العاشورائی أثناء سرد الأطوار الموحیه فی نعی الحسین (علیه السّلام) لا ینبغی أن تسرق وعی الخطیب وتجعله یتسامح فیما أسمیناه ( المحتوى المنطقی و الموضوعی لرساله الحسین ) .
هناک ما یُعرف بـ ( الغوریز ) ـ الکاف المعجمه ـ عند خطباء المنبر الحسینی ، والکلمه فارسیّه ، یعنون بها : الهروب . وهی تقنیّه خطابیّه تنقل ذهن المتلقّی بنکته ینخرم فیها السّیاق بصوره خفیّه إلى المصیبه من دون سابق إنذار ، ولکن بذکاء خطابی . ویحتاج الإنسان أن یکون متمثّلاً للوجدانیّه الحسینیّه حتّى یسامح هذه الانعطافه الخطابیّه ، حیث البعض یبالغ فی التسامح أحیاناً إلى حدٍّ غیر معقول . على الخطیب أن لا یمارس ( الغوریز ) المنطقی فضلاً عن الخطابی ؛ لأنّ ذلک غیر مقبول من المتلقّی العالمی الذی لا زالت تنقصه المعطیات . إنّ الثقافه الحسینیّه کما تمارس فی المجتمع الشیعی ، تجعل المتلقّی المفترض لا یرى فی الأطوار الذی یکاد یحفظها عن ظهر قلب سوى لحظه سماع لاستحضار مصیبه لا تغیب عنه تفاصیلها . ولکن المتلقّی خارج دائره تأثیر الوجدانیّه الشیعیّه تنقصه المعطیات . إنّ التضخّم من الحاله الوجدانیّه لیس هو المشکل ، بل المشکل یکمن فی غیاب حدّ أدنى من فکرنه الملحمه الحسینیّه ، وحدّ أدنى یوازی ذلک من الدراسه الواعیه لمضمونها النّهضوی . هناک خطاب حسینی منبری نشأ وتطوّر وتراکم فی مجال سوسیو / ثقافی معیّن ، کما یفترض متلقّیاً محدّداً سلفاً . لکن المنبر الحسینی لم یطوّر خطاباً مفتوحاً ، ولم یفترض متلقّیاً مختلفاً ، قد تنقصه المعطیات المتعلّقه بالمحتوى التاریخی والمنطقی للمصیبه ، أو قد لا یتمتّع بالحاسّه السّوسیو / ثقافیّه لالتقاط اللغه الرمزیّه والذوقیّه لهذا العرض البکائی الممسرح .
من ناحیه اُخرى یجب التأکید على المحتوى الحضاری الکبیر ، والبُعد المشروعی لملحمه الحسین (علیه السّلام) . إنّ الخطباء یرکّزون بالتفصیل على المقتل ، وعلى إبراز اللحظات الدراماتیکیّه للجریمه . فلا ینسون جزئیّه من جزئیّات المقتل . وهذا أمر مهمّ نجح فیه المنبر الحسینی إلى أبعد الحدود . لکن قضیّه الحسین (علیه السّلام) لیست مجرّد وصف لمقتل ، بل هی وصف لقتل استتبع أشکالاً من القتل لمشروع اُمّه ومشروع نهضه ، أی البُعد الشأنی للإمام الحسین (علیه السّلام) وموقعیّته الرسالیّه داخل الاُمّه . إنّ نضج الخطیب الحسینی وثقافته تنعکس بصوره تلقائیّه على المحتوى ، فتکبّر القضیّه بمستوى ثقافه الخطیب وعلمه . وفی هذا السّیاق یمکننا الحدیث عن نماذج ترکت بصماتها على المنبر الحسینی من أمثال : الشیخ الوائلی (رحمه الله) ، الذی استطاع أن یطوّر نمطاً خاصّاً فی الخطابه الحسینیّه ، استدمج فیها العلم والتحقیق بفنّ الخطابه وما یقتضیه من نکات بیانیّه ، فکان نموذجاً للخطیب الذی یفقه عصره ، ویفقه موقعیّه الخطیب الحسینی ومسؤولیّته . وهناک نماذج کثیره ـ حیث من الأفضل أن لا أتحدّث عن الأحیاء ـ استطاعوا أن یطوّروا اُسلوبهم الخاص ، ویثروا تجربتهم الثقافیّه ، ویعصرنوا خطابهم الحسینی المسؤول ، ویکیّفوه ضمن جغرافیا الحسّاسیّات المختلفه . وأعتقد أنّ المنبر الحسینی یجب أن یتحوّل إلى شعبه تخصّصیّه . وأنّ الخطابه الحسینیّه یجب أن تصبح تخصّصاً ، ومادّه للدراسه یتعلّم فیها الخطیب فنون الخطابه والتزوّد بالمعارف والعلوم الضروریّه للخطیب . فحیثما أبرزنا المشروع الحضاری والنّهضوی الذی قضى فی سبیله أبو الأحرار ، کبرت الملحمه الحسینیّه ، وأصبحت أکثر عقلانیّه ، وبالتالی أصبحت الوجدانیّه نفسها مقبوله بهذا اللحاظ . إنّ الحسین (علیه السّلام) قد فتح صفحه بیضاء ، علینا أن نعرف کیف نکتب علیها أعظم جمله للتعبیر عن ملحمه ، لازلنا نرى أنّها قادره على أن تلهمنا بالشئ الکثیر .
المحاوِر : ما هو الثابت وما هو المتغیّر فی ثوره الإمام الحسین (علیه السّلام) ؟ وهل یمکن لذکرى فاجعه مروعه کهذه الثوره أن تکون أرضیّه لإستقرار السّلم والأمن محلیّاً وإقلیمیّاً ودولیّاً ، وکیف ؟
إدریس هانی : لا یوجد عندی ثابت غیر خاضع لضرب من الحرکه ، بالمعنى الذی تفیده الحرکه الجوهریّه . فکلّ شیء یبدو لک ثابتاً فهو یتحرّک على نحو من الحرکه ، بها یتکامل الثابت وبها تتشکّک أبعاده فیکسب تعابیر شتّى تُدین لذلک الجوهر ؛ ولذا فإنّنی لا أتحدّث عن ثابت فی قبال متحوّل ، بل أتحدّث عن ( ثابت متحوّل ) برفع واو العطف ؛ لاُؤکّد على أنّ ثمّه أحد أحد فقط ، لا یخضع للحرکه ولا للثبات ، وإن کان هو کلّ یوم فی شأن . فهو یتعالى عن الثابت والمتحوّل فی آنٍ واحد ؛ من هنا أرى أنّ کلّ ما فی نهضه الحسین (علیه السّلام) هو ثابت متحرّک . حیث القیم الإنسانیّه العلیا تعبّر عن نفسها بمستویات مختلفه وتتحرّک فی مدیات النّفوس والاجتماع بمراتب شتّى . فالقیم کالأفکار تسبح فی أنساق اجتماعیّه وشروط موضوعیّه هی ما یمنحها الشکل الأکثر قابلیّه للتطبیق والتشخّص . وأعتقد أنّ القِیَم التی صدرت عنها مواقف وشعارات النّهضه الحسینیّه ، تشکّل تعالیم قابله للتکیّف بأشکال مختلفه مع الأنساق الاجتماعیّه والمنظومات القیمیّه التی دان بها الإنسان فی أوج نضجه الحضاری .
نعم ، إذا کان ولا بدّ أن نتحدّث عن ثوابت ، ولَو بالمعنى العام ، فإنّنی أعتقد أنّ رعونه یزید لم تعد مقبوله فی هذا العصر . وأعتقد أنّ آخر أرعن کان یملک وقاحه یزید ، هو ( صدّام ) المخلوع ، الذی کان یقتل العلماء والفضلاء من مواطنیه صبراً ومن دون أی مبرّر . وأعتقد أنّ هذه الرعونه التی فرضت التحدّی على الحسین (علیه السّلام) وأهله ، لم یعد لها وجود الیوم . وحتّى لو ظلّت مظاهر الظلم ساریه فإنّها لم تعد قادره على ممارسه الطغیان العاری . وفی مثل هذه الحاله ، فإنّ اُسلوب التعبیر عن المطالب العادله للشعوب أمسى ممکناً دون هذه التراجیدیا السوداء التی خلّدتها ذکرى شهاده أبی الأحرار . أنا لا أخاف من المستقبل على صفاء القضیّه الحسینیّه کما لا أخاف من المستقبل على الإسلام ؛ لثقتی فی عظمه المحتوى وممانعه القضیّه العادله فی وجه طوفان التزییف .
المحاوِر : بین عاشوراء الحزن والعزاء فی المشرق الإسلامی وعاشوراء العید والفرح فی المغرب الإسلامی تنطرح إشکالیّه الازدواجیّه فی تخلید هذه المناسبه . فما هو الطریق للخروج من هذه الأشکال تعریفاً بالماهیّه الحقیقیّه لعاشوراء ؟
إدریس هانی : عاشوراء التی أصبحت مناسبه للتذکیر بمقتل أبی الأحراروأهله ، وبمصابهم الجلل لا یمکنها إلاّ أن تکون عاشوراء الحزن .
وأعتقد أنّه لا بدّ من التدقیق أکثر فی السؤال . فلیست عاشوراء حزینه عند کلّ المشارقه ، کما أنّها لیست عاشوراء عید الفرح عند کلّ المغاربه . ففی المغرب هناک ثقافه متعدّده وطقوس متعدّده تعبّر عن نفسها فی عاشوراء بأسالیب متعدّده . وأنا شخصیّاً لا أعرف من فلسفه حقیقیّه وتبریر معقول للحاله العیدیّه لعاشوراء فی بعض الطقوس الغرائبیّه فی المغرب الإسلامی .
إنّ للحسین (علیه السّلام) وعموم البیت العلوی فی الوجدان المغاربی مکانه خاصّه ، هی نفسها التی جعلت منّا حسینیین ، لم تزدنا تجربتنا المعرفیّه الاُخرى سوى بصیره فی هذا الإحساس . وأنا شخصیّاً لم أکسب وجدانیّتی الحسینیّه سوى من فطرتی المغربیّه ولیس من جهه اُخرى . ثق تماماً ، فالذین یحتفلون ویضربون الدفوف فی بعض مناطق المغرب مثلاً ، لا یتصوّرون الموضوع ، ولا تحضر عندهم مصیبه الحسین (علیه السّلام) کما تحضر عند أغیارهم . ولا هم یحتفلون بمقتل الحسین ، حاشا أحداً یفعل ذلک فی مغاربنا المعروفه بحبّها لآل البیت الأطهار ، بل هم یجهلون عاشوراء ولا یعرفون مصدر هذه الاحتفالیّه العیدیّه ولا موضوعها . وحتّى لو عرفوا أنّ فی هذا الیوم قُتل الإمام الحسین (علیه السّلام) فلا یستطیعون الربط . فالمسأله لیست منطقیّه أو معرفیّه ، بل هی سوسیولوجیّه وثقافیّه ؛ ومن هنا مفارقتها .
إنّ عاشور عند هؤلاء هی مجرّد عید یتعلّق بمکانه ( الیوم ) المذکور فی ذاته ، کیوم له قدسیّته ؛ ولهذا الجهل والغفله بعاشوراء بمدلولها الکربلائی سبب تاریخی ، لا أخفی أن تکون آثاره یزیدیّه . وبما أنّ المغاربه لا یمکنهم أن یقبلوا بالاحتفال والشماته بمقتل الحسین (علیه السّلام) ، فإنّ سیاسه التجهیل التی استبعدت الموضوع الحقیقی للاحتفال ، وأبقت علیه کطقس غامض یمارَس بلا وعی کانت تدرک بأنّ محاوله إقناع المغاربه بجعل یوم مقتل الحسین (علیه السّلام) عیداً للفرح والأهازیج دونه خرط القتاد . لکن هناک تعبیرات اُخرى وإن لم تکن فی حراره الطقس الأول ، إلاّ أنّها تستحضر الوعی بالموضوع العاشورائی ، والحزن على مقتل ابن النّبی (صلّى الله علیه وآله) . وهذه الشرائح الواسعه لا تظهر ؛ لأنّها تکون فی حاله انزواء وحزن ولا تخرج إلى الشارع ولا تشعل ناراً ولا تصبّ ماءاً .
المهمّ المسأله هی مجرّد طقس ثقافی یمارَس هنا من دون استحضار لموضوعه التاریخی . إنّها مسأله وعی مرّه اُخرى . وهی المفارقه التی تجدها فی تعبیر آخر ، حیث تتقاطر شرائح واسعه فی المولد النّبوی على إحدى الأضرحه ، وبدل أن یکون یوماً للفرح والأهازیج یتحوّل إلى یوم ضرب الرؤوس بالسکاکین ، واستقبال القدور بالهامات ، وأکل الشوک ، وافتراس الماشیه وما شابه من ألوان الطقوس . فهل یقال أنّها حاله دمویّه لاستقبال ذکرى المولد النّبوی ؟ لقد قلت سابقاً أنّها طقوس اجتماعیّه تستقی رمزیّتها من الوجدان الشعبی والثقافی ، وفی هذا الإطار ، یغلب اللاّوعی على الوعی وتستبدّ المفارقه .
إنّنی أعتقد أنّ المخرج من اللاّمعنى فی الطقس الاجتماعی هو بتکثیف الوعی بمضمونه وفلسفته . وهذا فی ظنّی أمر ممکن الیوم . والشعوب العربیّه سوف تتعلّم الکثیر عن عاشوراء ، وستخرج من سبات اللاّوعی واللاّمعنى فی ممارستها وطقوسها الشعبیّه . وهذا أمر ممکن .
المحاوِر : هل ینبغی لتجسید أهداف ثوره الحسین (علیه السّلام) الخروج على الحکّام والأنظمه فی بلداننا ، کما فعل الإمام الحسین (علیه السّلام) ، مع ملاحظه أنّ التهدید الأکبر الذی هو الکیان الصهیونی یقع بین ظهرانینا وهو محمی بلا حدود بالاستکبار العالمی ؟
إدریس هانی : قلنا أنّ ثوره الإمام الحسین (علیه السّلام) متعدّده الأبعاد . وإذا ما رأى فیها البعض أنّها إیحاء باللون الأحمر بدیلاً عن اللون الأسود ، فإنّنی لا أقبل بهذه القراءه الإستبدالیّه التی تختزل ثوره الإمام الحسین (علیه السّلام) فی اللون الواحد . إنّها بالأحرى تختزل کلّ هذا التعبیر الممتد امتداد المعنى ، والمتعدّد باللون الأسود والأحمر ، بل أضیف هنا اللون الأبیض ( لون السّلام ) الذی عبّر عنه الإمام الحسین (علیه السّلام) من خلال الکلمه والموقف . إنّها ثوره من أجل الکرامه والحریّه ، حیث لا استقرار للإنسان إلاّ فی مجتمع کریم وحرّ یتمتّع بکامل حقوقه . وهی الدعوه التی عبّر عنها الإمام زین العابدین (علیه السّلام) ، وهو یلخص کلّ رساله عاشوراء التی شهدها وهو على فراش المرض : ( اللهمّ ، إنّا نرغب إلیک فی دوله کریمه ) . إنّ المشهد الحسینی بکلّ تعابیره صرخه حیّه من أجل السّلام والعیش الکریم . فهو الذی خطب فی النّاس أنّه لم یخرج أشراً ولا بطراً ، وإنّما خرج طلباً لإصلاح اُمّه جدّه یأمر بالمعروف وینهى عن المنکر .
ثوره الحسین (علیه السّلام) لم تکن فی غایتها القصوى سوى ما تطلّعت إلیه أفئده الأحرار ؛ ولهذا جاء نداؤه إنسانیّاً .
لقد قدّم الإمام الحسین (علیه السّلام) کلّ ما فی وسعه لیتجنّب المعرکه . وقد التمس فی مفاوضاته مع محاصریه أن یخلّوا سبیله ، وأن یسمحوا له بأن یذهب ویرابط فی ثغر من ثغور المسلمین ، فیصوّب سیفه ذَوداً عن حمى الإسلام وحدود الدوله الإسلامیّه کواحد من جنود الإسلام . فلم یقبلوا منه إلاّ أن یقبل بالذلّه ، فقال لهم حینئذ : (( هیهات منّا الذلّه )) . ومع أنّهم أکثر النّاس معرفه بجدیّه وصدق الحسین (علیه السّلام) ، فلا هو من أهل الغدر ولا من منبته ، لکن القَوم رأوا أن یصفوا القضیّه الحسینیّه فی العراء ، ویطووا صفحه هذا التحدّی الحسینی . وبدل أن یمضوا فی المفاوضات إلى الحدّ الذی یحولوا فیه جریمه قتل بقایا آل محمّد إلى ما یجعلهم یفیدون من الحسین (علیه السّلام) فی إصلاح الاُمّه ، جعلوا من الحسین العدو الأول .
ویکفی أن الجیش الذی قاتلوا به الحسین (علیه السّلام) هو جیش اُعدّ لمواجهه الدیلم ، أربعه آلاف جندی معدّ لمحاربه بقایا الأمبراطوریّه الرومانیّه ، یوجّه للفتک بسبعه عشر ممَّن تبقّى مع الحسین (علیه السّلام) . فقاتلی الحسین هم من حاد عن المشروع الکبیر من مواجهه تحدّی خارجی إلى إباده الحسین (علیه السّلام) ومَن معه . إنّها هزیمه اُمّه ، وهی تفوق کلّ البدع التی ابتدعها بنو اُمیّه فی تاریخهم الأسود بدعه أن تقاتل حفنه من المعارضین بجیش نظامی جرّار . وکان دون ذلک مندوحه لو شاؤوا .
الحسین (علیه السّلام) قاتَل بعد أن لم یترکوا له خیاراً آخر ، ولو وجد خیاراً لکان موقفه کأخیه الحسن (علیه السّلام) ، ولو أنّ أخاه الحسن (علیه السّلام) انقطعت به الأسباب ولم یجد فی الصلح مخرجاً لکانت کربلاء الحسن قبل کربلاء الحسین (علیهما السّلام) .
الحسین (علیه السّلام) لم یخرج على نظام ، بل خرج على منطق الإذلال ؛ ومن هنا أعتقد أنّه آن الأوان لتطویر فهم أعمق بمحتوى رساله الحسین (علیه السّلام) .
الحسین (علیه السّلام) کان یطلب الإصلاح فی اُمّه جدّه ، وکان کما أخیه قد یقبل بالحدّ الأدنى ، کما یخبر دعاء ابنه زین العابدین (علیه السّلام) : (( اللهمّ إنّا نرغب إلیک فی دوله کریمه )) . لکنّهم لم یسمحوا حتّى بالحدّ الأدنى وغلّقوا الأبواب فی وجه کلّ الخیارات الممکنه ؛ ومن هنا یجب أن ننطلق فی قراءتنا لنهضه الحسین (علیه السّلام) واستیعابنا لفلسفه عاشوراء ، على أساس فقه الأولویّات والأهم والمهمّ وتأویل الحدث والسموّ برمزیّته إلى ما یخدم نهضه الاُمّه وتقدّمها ووحدتها .
حوار مع المفکّر المغربی إدریس هانی أجرى الحوار : حمید حلمی