فلسفه تشریع الجهاد
لا ریب أنّ الإنسان وانطلاقاً من غریزه حب النوع، یعتبر الحرب عملاً وحشیاً بعیداً عن قیم الإنسانیه، بنحو حینما یتذکّر الحرب وما تجرّه من المصائب والویلات والعواقب الوخیمه تعتریه الدهشه ویهتز من الأعماق، ولذلک یدین فی الظروف الاعتیادیه الحرب ویعتبرها عملاً مستهجناً، انّ هذا هو الإحساس البشری تجاه الحرب وإراقه الدماء، وبما أنّ الإسلام دین الفطره والواقعیه نراه یعترف بذلک الواقع وهذا الإحساس ویبیّن الرؤیه البشریه للحرب والقتال حیث یقول سبحانه:
( کُتِبَ عَلَیْکُمُ القِتال وَهُوَ کُرْهٌ لَکُمْ ) .( [۱]) ولکن لابدّ من النظر إلى هذه المسأله البالغه الحساسیه نظره فاحصه، وبدقّه متناهیه لنرى هل أنّ العقل ینظر إلى الحرب ـ و تحت مختلف الظروف والشروط ـ نظره ذامّه؟ وهل الموقف العقلی من الحرب هو موقف الإدانه دائماً بحیث لا یحق لأمّه من الأُمم ـ مهما کانت الظروف ـ أن تحمل السیف والجهاد وتخوض غمار الحرب؟
أو أنّ العقل یرى فی بعض الحالات وتحت سلسله من الشروط الموضوعیه انّه لا مفرّ ولا طریق أمام الأُمّه إلاّ حمل السلاح والتوسّل بالحرب لإعاده حقوقها المهدوره وکرامتها المنتهکه، ویرى أنّ الإعراض والنکوص عن الحرب فی مثل تلک الظروف یُعدّ لوناً من ألوان الذلّ والهوان والجبن الذی لا ینبغی للإنسان الحر الاتّصاف به؟
لا شکّ أنّ الأُمّه أو المجتمع إذا تعرض کلّ منهما للاعتداء والتجاوز على حقوقه وهدرت کرامته، فحینئذ یحکم العقل والفطره أنّه یحق لذلک المجتمع وتلک الأُمّه الدفاع عن حقوقها، بل یرى العقل أنّ الحرب فی هذه الحاله أمرٌ لازم لا یمکن التنصّل منه، وانّه الحق الطبیعی لذلک المجتمع أو تلک الأُمّه.
ونحن إذا نظرنا إلى جمیع الأُمم وعلى مرّ التاریخ، لا نراها تنظر إلى الحرب نظره ذامّه حینما تستنفد جمیع الحلول السلمیه ویصرّ الخصم على التمادی فی غیّه ولم یبق أمام هذه الأُمّه إلاّ طریقان: إمّا القتل والإباده، أو الدفاع عن نفسها وإشهار السلاح بوجه المتجاوز لردعه عن تجاوزه.
ومن هذا المنطلق وعلى أساس هذا الدلیل نرى أنّ العالم المعاصر ـ بالرغم من ذمّه للحرب وسفک الدماء ـ قد اعتبر الحرب فی بعض الحالات أمراً مشروعاً وعملاً قانونیاً. کذلک الأمر بالنسبه للإسلام الذی هو دین الفطره والذی تقوم أحکامه على أساس التناسق بین قانون الخلقه والفطره، یرى أنّ «الجهاد» وفی بعض الظروف والمتغیّرات أمرٌ واجب یلزم المسلمین القیام به والنهوض بأمره.
إذا اتّضح ذلک فلابدّ من البحث عن مسأله أُخرى، وهی معرفه الغایه والهدف الذی یتوخّاه الإسلام من خلال تشریع الجهاد.
ما هی فلسفه الجهاد؟ وما هو الهدف منه؟
أوّل الآیات التی وردت فی تشریع حکم الجهاد هی الآیات الأربعه التی وردت فی سوره الحج، وانّ الإمعان والدقّه فی مفاد تلک الآیات یرشدنا إلى أنّ الهدف الحقیقی من وراء تشریع الجهاد هو الدفاع عن النفوس والأموال.
لا ریب أنّ المسلمین عاشوا فی مکه تحت ظروف قاهره حیث تعرضوا إلى أنواع الضرب والتعذیب والتنکیل من قبل خصومهم المشرکین، وکذلک تجاوز المشرکون على أرواحهم وأموالهم، ثمّ اضطرارهم للهجره والنزوح وترک الأهل والأوطان والعیش فی بلاد الغربه بعیداً عن الأحبه والأصدقاء، فلمّا استقر المسلمون فی المدینه وتشکّل المجتمع الإسلامی الذی یمتلک الوسائل الکافیه للدفاع عن نفسه وعن حقوقه المهدوره، فی تلک الأثناء صدر الأمر الإلهی للمسلمین فی القیام بالمطالبه واسترداد حقّهم الضائع، ومواجهه العدو فی میادین الوغى وساحات القتال، ولا ریب أنّ هذا الأمر من الحقوق الطبیعیه للأُمّه الإسلامیه التی لا یشک فیها منصف أبداً، والآیات التی وردت فی هذا الصدد هی قوله تعالى:
( إِنَّ اللّهَ یُدافِعُ عَنِ الَّذِینَ آمَنُوا إِنَّ اللّهَ لا یُحِبُّ کُلَّ خَوّان کَفُور ) . ثمّ قال سبحانه:
( أُذِنَ لِلَّذِینَ یُقاتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُوا وَإِنَّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدیرٌ ) .
وقال سبحانه:
( الَّذِینَ أُخْرِجُوا مِنْ دِیارِهِمْ بِغَیْرِ حَقّ إِلاّ أَنْ یَقُولُوا رَبُّنا اللّهُ وَلَولا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعَضَهُمْ بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِیَعٌ وَصَلواتٌ وَمَساجِدُ یُذْکَرُ فِیهَا اسْمُ اللّهِ کَثیراً وَلَیَنْصُرنَّ اللّهُ مَنْ یَنْصُرُهُ إِنَّ اللّهَ لَقَوِیٌّ عَزیزٌ ) .( [۲])
وجاء فی آیه أُخرى:
( الَّذِینَ إِنْ مَکَّناهُمْ فِی الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاهَ وَآتُوا الزَّکاهَ وأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوا عَنِ الْمُنْکَرِوَللّهِ عاقِبَهُ الأُمُورِ ) .( [۳])
إنّ هذه الآیات الأربعه هی الآیات الأُولى التی شرّعت أمر الجهاد، وقد أُشیر فیها إلى فلسفه الجهاد والغرض المتوخّى من تشریع ذلک الحکم، ولذلک یکون الإمعان فی تلک الآیات أمراً ضروریاً لمعرفه هدف الجهاد وفلسفته، وهی:
أوّلاً: أنّ الآیات تبیّن وبوضوح أنّ المسلمین لم یکونوا هم الذین اختاروا طریق الحرب والقتال وشهر السلاح فی وجه خصومهم، بل انّ المسلمین اضطروا إلى الدفاع عن أنفسهم وأموالهم ومعتقدهم، فهم فی الواقع مدافعون لا مهاجمون، ولا شکّ أنّ الدفاع عن النفس والمال والمعتقد حق طبیعی وأمر مشروع، بل واجب بحکم العقل، وإلاّ فانّ النکوص والهروب من الحرب لا یعنی إلاّ الذل والهوان، الذی تأباه النفوس الأبیّه والرجال الأحرار.
ثانیاً: الدلیل الآخر على تجاوز العدو وتمادیه فی غیّه، هو انّهم إنّما واجهوا المسلمین وأخرجوهم من دیارهم وأموالهم بسبب إیمان المسلمین واعتقادهم باللّه الواحد القهار، وکأنّ الاعتقاد باللّه ـ بنظر هؤلاء المشرکین ـ یُعدّ جرماً وذنباً کبیراً لا یحق لمعتقده أن یعیش بین أوساط المشرکین بل یجب علیه أن یترک وطنه وداره ویفارق الأهل والأحبّه، وإلاّ فسیواجه القتل والإباده.
ثالثاً: أنّه یجب على المؤمنین باللّه والیوم الآخر أن یطهّروا الأرض من لوث المشرکین وفسادهم، وإلاّ تکون عاقبه الأمر ما أشارت إلیه الآیه المبارکه:
( وَلَولاَ دَفْعُ اللّهِ الناسَ بَعضَهُمْ بِبَعض لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِیَعٌ وَصَلواتٌ وَمَساجِدُ یُذْکَرُ فِیهَا اسْمُ اللّهِ کَثیراً ) .
رابعاً: إنّ اللّه تعالى إنّما وعد المجاهدین بالنصر والغلبه، وإنّ عاقبه الأُمور ستکون من نصیبهم، بسبب أنّهم إذا امتلکوا مقالید الأُمور وأسباب النصر من العدّه والعدد وأصبح زمام الأُمور بأیدیهم، فإنّهم حینئذ یستغلّون هذه القدرات والإمکانات المادیه فی سبیل اللّه وتعبید الطریق أمام الناس للتوجّه إلى التوحید ونشر القیم والمعارف الحقّه، لا استخدامها فی القتل وسفک الدماء وإشاعه الفحشاء والظلم والمنکر فی المجتمع، وهذا ما أشارت إلیه الآیه المبارکه حیث قال سبحانه:
( الَّذینَ إِنْ مَکَّناهُمْ فِی الأَرْض أَقامُوا الصَّلاه و آتَوا الزَّکاه وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنْکَر وَللّهِ عاقِبَهُ الأُمور ) .
لقد سلّطت هذه الباقه العطره من الآیات المبارکه الضوء على جانب من جوانب ذلک التشریع الإلهی، وبیّنت الأهداف السامیه والقیم العلیا التی یتوخّاها الإسلام من وراء ذلک التشریع، واتّضح کذلک انّ الإشکالات الواهیه ـ التی أثارها المسیحیون، والحمله الشعواء التی أقاموها فی وجه ذلک التشریع الحیوی ـ لا أساس لها من الصحّه، ولا تمتلک القدره على الصمود أمام الحقّ الإسلامی فی هذا الخصوص، لأنّه لا یوجد عاقل ـ على وجه الأرض وفی جمیع الشعوب والأقوام ـ یحترم نفسه ولا ینطلق من التعصب الأعمى والحقد الدفین، یرى أنّ دفع المتجاوز واسترجاع الحقوق الضائعه والکرامه المهدوره، أمرٌ غیر مشروع ومخالف للوجدان والقیم.( [۴])
[۱] . البقره: ۲۱۶٫
[۲] . الحج:۳۸ـ ۴۰٫
[۳] . الحج: ۴۱٫
[۴] . منشور جاوید:۳/۹ـ ۱۲٫