الحکومه والدوله

0

هناک بعض النظریات التی تذهب إلى أنّ الحریه لا تجتمع مع قیام الدوله وتشکیل الحکومه للتناقض الموجود بینهما، فمن أجل الحفاظ على الحریه الفردیه وتأمین تلک المنافع لابدّ أن تحذف الحکومه من قاموس الحیاه.
وهناک اتّجاه آخر یتصوّر أنّ الحکومه تقع دائماً وسیله فی خدمه الأقویاء والمتنفّذین وسحق الطبقه العامه فی المجتمع وهدر حقوقهم وعدم الاهتمام بهم.
واتّجاه ثالث یذهب إلى أنّ الإنسان خلق عاقلاً ویحمل غریزه حب الخیر والإحسان، ومع ذلک فلا حاجه إلى تشکیل الحکومه وإقامه النظام.
أمام هذه النظریات الواهیه التی لا تقوم على أساس رصین من العلم والمعرفه والتی تنطلق من الرغبه فی إشاعه الهرج والمرج فی المجتمع، وتمثّل فکراً سوفسطائیاً بعیداً کلّ البعد عن المنهج العقلی، أو تنطلق من السذاجه فی التفکیر، هناک اتّجاه یرى أنّ ضروره إقامه الدوله وتشکیل الحکومه فی المجتمع بدرجه من البداهه بحیث لا تحتاج إلى قیام الدلیل والبرهان لإثباتها. وانّ هاجس سحق الحریه الفردیه لا مبرر له، لأنّ هذه الحریات سوف تُؤمّن ضمن إطار القوانین التی ترعى المصالح الاجتماعیه والفردیه على السواء، بل أنّ الدوله تقوم بتنمیه وتقویه الکفاءات والقدرات الذاتیه وتعریف الناس بمهامهم ووظائفهم اتّجاه المجتمع واتّجاه اللّه سبحانه، إضافه إلى القیام بتنفیذ تلک القوانین الإلهیه والاجتماعیه وإنزالها إلى حیّز التطبیق.
من هنا ذهب کبار المفکّرین والفلاسفه فی العالم من أمثال «إفلاطون»( [1]) و «أرسطو»( [2]) و«ابن خلدون»( [3]) وغیرهم إلى أنّ تشکیل الحکومه وإقامه الدوله ظاهره ضروریه ولابدّ منها.
نعم هناک اتّجاه آخر ذهب إلیه «مارکس» و مؤیّدوه ـ انطلاقاً من تفکیرهم الفلسفی المبنی على الصراع الطبقی ـ إلى أنّ ضروره وجود الدوله وتشکیل الحکومه قائمه مادام المجتمع یعیش حاله «الصراع الطبقی»، ولکنّه إذا وصل إلى مرحله «الشیوعیه» وزالت جمیع الفوارق الطبقیه وعولجت جمیع المشاکل الاقتصادیه، فحینئذ تنتفی الحاجه إلى وجود الحکومه وتشکیل الدوله.
ولکن غاب عن أصحاب هذه النظریه ـ التی ثبت زیفها ـ انّ حصر الهدف من تشکیل الدوله والغایه من إقامه الحکومه فی حلّ المشکله الاقتصادیه وإزاله الفوارق الطبقیه فی المجتمع یمثّل رؤیه آحادیه الاتجاه بمعنى النظر إلى القضیه من زاویه واحده، ولا ریب أنّ هذا النحو من التفکیر لا یبتنی على أُسس علمیه وقواعد برهانیه محکمه، لأنّه وفی الحقیقه لا تنحصر الدوافع إلى وجود الدوله فی الأمرین المذکورین ـ المشکله الاقتصادیه والطبقیه ـ حتّى تزول بزوالهما، بل هناک دوافع أُخرى وحاجات أُخرى تفرض إقامه الدوله، فلابدّ للمفکّر الاجتماعی أو الفلسفی أن ینطلق من ثوابت موضوعیه وینظر إلى القضیه من جمیع الزوایا ثمّ یصدر حکمه فی مثل هذه القضایا الحسّاسه جداً.
ونحن إذا نظرنا إلى حقیقه الإنسان نجده یمثل خلیطاً من العقل والغرائز المتنوّعه ، کغریزه حب الجاه والتسلّط والأنانیه وغیرها من الغرائز الفاعله فی حرکه المجتمع، الأمر الذی یقتضی وجوب إقامه الدوله وتشکیل الحکومه لتعریف الناس بوظائفهم وحقوقهم وواجباتهم،ومعاقبه المخالفین والمتجاوزین على القانون وإعاده الحقوق المهدوره إلى أصحابها، وإقامه النظم والانضباط فی المجتمع، ولا ریب انّ هذه المهام التی تقوم بها الدوله تهیّئ الأرضیه المناسبه لإقامه الحضاره الإنسانیه وتطوّر الإنسان على جمیع الأصعده المادّیه منها والمعنویه.
ونحن هنا نسأل مارکس وأتباعه، هل یمکن للمجتمع ـ حتى على فرض إقامه النظام الشیوعی فیه ـ أن یستغنی عن تأمین السکن، أو الصحه أو الاتصالات الهاتفیه أو الطاقه الکهربائیه أو الماء و…؟ولا ریب أنّه لا یوجد عاقل مهما کان مکابراً أن ینفی حاجه المجتمع إلى کلّ تلک الأُمور الضروریه.
وهنا یطرح التساؤل التالی نفسه وهو: مَن الذی یستطیع أن ینظم کلّ ذلک ویوزّع الأدوار ویقسّم المسؤولیات وینظّم المجتمع بالنحو الذی یحصل على کلّ ما یبتغیه ویحتاجه؟
لا ریب انّه لابدّ من وجود جهه تشرف على هذا الأمر وتقوم به، وما هذه الجهه إلاّ الحکومه والدوله لا غیر.
من هنا نصل إلى هذه النتیجه القطعیه: انّ المجتمع مهما وصل إلیه من الرقی والرفعه ولو بنحو المدینه الفاضله التی دعا إلیها إفلاطون، لا یستغنی عن إقامه الحکومه وتشکیل الدوله، لأنّه لابدّ لحفظ النظام الاجتماعی والحضاره الإنسانیه وتعریف الناس بمهامّهم ومسؤولیاتهم وحقوقهم وفصل الخصومات وحلّ المنازعات فی المجتمع من وجود سلطه قویه تقوم بذلک لتصون النظام الاجتماعی وتحفظ المجتمع وتؤمّن بقاءه واستمراره وإداره دفّه الأُمور.( [۴])
[۱] . الجمهوریه.
[۲] . السیاسه:۹۶، ترجمه أحمد لطفی.
[۳] . مقدمه ابن خلدون:۴۱ـ ۴۲٫
[۴] . منشور جاوید:۲/۳۲۶ـ ۳۳۰٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.