أسئله یوم القیامه

0

من المسلّم به انّ السؤال یوم القیامه یکون عن أعمال العباد وانّ کلّ إنسان ینال نتیجه أعماله التی اقترفها فی الحیاه الدنیا، ولکنّ هناک سؤالاً یلاحق الذهن البشری دائماً، وهو: ما هی الأعمال التی یُسأل عنها؟ وما هی الأعمال التی لابدّ أن نجیب عنها؟
ولقد اهتمت الآیات الکریمه والروایات الشریفه بهذه المسأله اهتماماً کبیراً وأولتها عنایه خاصه، وبیّنت لنا الجواب بطریقه خاصه.
ویمکن تقسیم الآیات الوارده فی هذا المجال إلى طائفتین:
الطائفه الأُولى: الآیات التی تؤکد على أنّ الإنسان یُسأل عن عامّه أفعاله، ومن هذه الآیات المبارکه:
ألف. ( …وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .( [۱]) ب. ( لا یُسْئَلُ عَمّا یَفْعَلُ وَهُمْ یُسْئَلُونَ ) .( [۲])
ج. ( …ثُمَّ إِلى رَبِّکُمْ مَرْجِعُکُمْ فَیُنَبِّئُکُمْ بِما کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِیمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) .( [۳])
د. ( یَومَئِذ یَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لیُرَوْا أَعْمالَهُمْ ) .( [۴])
کذلک تدلّ على الشمول والعمومیه الآیات المتعلّقه بالعقاب والثواب وجزاء الأعمال.
وأمّا الطائفه الثانیه: فإنّها تدلّ على أنّ الإنسان یُسأل عن بعض الأُمور خاصه، ومنها:
ألف. النعم الإلهیه
( ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ یَوْمَئِذ عَنِ النَّعیمِ ) .( [۵])
والسؤال هنا و إن کان عن النعم الإلهیه، ولکن بالالتفات إلى أمرین: الأوّل: أنّه ورد فی الآیه کلمه «النعیم» الذی یشمل جمیع النعم الإلهیه، والثانی: انّ جمیع ما یستفید منه الإنسان فی حیاته یُعدّ من النعم الإلهیه، إذاً على هذا الأساس یقع السؤال عن جمیع أفعال الإنسان وأعماله، وذلک لأنّ کلّ عمل یقوم به الإنسان یُعدّ ـ وبنحو من الأنحاء ـ تصرّفاً فی النعم الإلهیه، وبالنتیجه لابدّ أن تدرج هذه الآیه فی ضمن الطائفه الأُولى من الآیات التی تدلّ على عمومیه وشمولیه السؤال.
ب. القرآن الکریم ( [۶])
( وَإِنَّهُ لَذِکْرٌ لَکَ وَلِقَوْمِکَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ) .( [۷])
ج. الشهاده
( …سَتُکْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَیُسْئَلُونَ ) .( [۸])
د. القتل من دون ذنب
( وَإِذَا الْمَوْؤُدَهُ سُئِلَتْ * بِأَیِّ ذَنْب قُتِلَتْ ) .( [۹])
هـ. الکذب والتهمه
قال سبحانه: ( …تَاللّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا کُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ) .( [۱۰])
و. الصدق
قال سبحانه: ( لِیَسْئَلَ الصّادِقینَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَ أَعَدَّ لِلْکافِرینَ عَذاباً أَلیماً ) .( [۱۱])
وبالطبع أنّ تخصیص هذه الأُمور بالسؤال عنها لا ینافی السؤال عن عامّه الأفعال، وانّما ذکرت تلک الأُمور لأهمیتها من باب ذکر الخاص بعد العام.
ثمّ إنّ هذا التقسیم نجده أیضاً فی الروایات، فهناک طائفه من الروایات تؤکد أنّ السؤال سیکون عن جمیع الأفعال والأعمال، وفی مقابلها طائفه أُخرى ترى أنّ السؤال سیکون عن بعض الأفعال المخصوصه، ونحن نذکر نماذج من تلک الروایات:
قال أمیر المؤمنین(علیه السلام) :
«وأعمال العباد فی عاجلهم نصب أعینهم فی آجلهم».( [12])
وکتب (علیه السلام) إلى بعض عمّاله الذی خانه واستولى على بیت المال وذهب به إلى الحجاز: «فکأنّک قد بلغت المدى، ودفنت تحت الثرى،وعرضت علیک أعمالک بالمحل الذی ینادی الظالم فیه بالحسره، ویتمنّى المضیع فیه الرجعه، ولات حین مناص».( [13])
وطائفه أُخرى من الروایات تخصّص السؤال عن بعض الأُمور منها:
۱٫ عمر الإنسان.
۲٫ الشباب.
۳٫ أعضاء الإنسان.
۴٫ الثروه التی اکتنزها، وفی أیّ شیء صرفها.
۵٫ محبه أئمّه أهل البیت(علیهم السلام) .
۶٫ القرآن الکریم.
۷٫ فریضه الصلاه.
۸٫ النبوه والولایه.
وها نحن نذکر بعض النماذج من تلک الروایات التی تتعلّق بالعناوین التی ذکرناها:
ألف. روى الصدوق فی «الخصال» و «الأمالی» بسنده عن موسى بن جعفر(علیه السلام) ، عن آبائه قال: «قال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) : لا تزول قدم عبد یوم القیامه حتى یسأل عن أربع: عن عمره فیما أفناه، وشبابه فیما أبلاه، وعن ماله من أین کسبه وفیما أنفقه، وعن حبّنا أهل البیت».( [14])
ب. روى أبو بصیر عن الإمام الباقر (علیه السلام) أنّه قال: سمعت أبا جعفر(علیه السلام) یقول:
«أوّل ما یحاسب به العبد الصلاه فإن قبلت قبل ما سواها».( [15])
ج. روى الصفار فی «بصائر الدرجات»، عن أبی شعیب الحداد، عن أبی عبد اللّه(علیه السلام) قال: «قال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) : أنا أوّل قادم على اللّه، ثمّ یقدم علیّ کتاب اللّه، ثمّ یقدم علیّ أهل بیتی، ثمّ یقدم علیّ أُمّتی فیقفون فیسألهم: ما فعلتم فی کتابی وأهل بیت نبیّکم».( [16])
د. روى القمی فی تفسیره، عن جمیل، عن أبی عبد اللّه(علیه السلام) قال: قلت: قول اللّه: ( ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ یَوْمَئِذ عَنِ النَّعیم ) ؟ قال: «تسأل هذه الأُمّه عمّا أنعم اللّه علیهم برسول اللّه، ثمّ بأهل بیته».
هـ. رو( [۱۷])ى الصدوق فی «عیون أخبار الرضا»، عن الرضا(علیه السلام) أنّه قال: «قال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) : یا علی! إنّ أوّل ما یسأل عنه العبد بعد موته شهاده أن لا إله إلاّ اللّه، وانّ محمّداً رسول اللّه وأنّک ولیُّ المؤمنین بما جعله اللّه وجعلته لک، فمن أقرّ بذلک وکان یعتقده صار إلى النعیم الذی لا زوال له».( [18])
النعم الدنیویه والسؤال عنها فی لسان الروایات
من البحوث المتعلّقه بالحساب یوم القیامه والتی ذکرت فی الروایات بحث النعم الإلهیه الدنیویه، ویمکن تصنیف تلک الروایات إلى طوائف، هی:
۱٫ السؤال عن جمیع النعم الدنیویه، حلالها وحرامها.
قال أمیر المؤمنین(علیه السلام) فی هذا المجال:
«فِی حَلالِها حِسابٌ وَفی حَرامِها عِقابٌ».( [19])
وقال أیضاً:
«اتَّقُوا اللّهَ فی عِبادِهِ وَبِلادِهِ فَإِنَّکُمْ مَسْؤُولُونَ حَتّى عَنِ الْبِقاعِ وَالبَهائِمِ».( [20])
۲٫ یسأل عن کلّ شیء سوى ما بذل فی سبیل اللّه، قال:
«کلّ نعیم مسؤول عنه یوم القیامه إلاّ ما کان فی سبیل اللّه».( [21])
۳٫ أنّ الإنسان لا یُسأل عن ثلاثه أُمور:
أ. لا یسأل عن الطعام الذی أکله.
ب. والثوب الذی لبسه.
ج. والزوجه الصالحه.
روى الحلبی عن الإمام الصادق(علیه السلام) أنّه قال: «ثلاثه أشیاء لا یحاسب العبد المؤمن علیهنّ: طعام یأکله، وثوب یلبسه، وزوجه صالحه تعاونه ویحصن فرجها».( [22]) ونحن إذا حللنا الروایات وفسّرناها بإمعان تتّضح لنا النکات التالیه:
النکته الأُولى: انّ الروایه الثانیه واضحه جداً، لأنّها تؤکد أنّ الإنسان لا یُسأل عن النعم التی تبذل فی سبیل اللّه سبحانه، ولا تقع تلک النعم موضوعاً للمساءله والعقاب والمؤاخذه.
النکته الثانیه: کذلک الأمر بالنسبه إلى الروایه الثالثه فإنّها أیضاً واضحه حیث تؤکّد أنّ بعض الأُمور لا یُسأل عنها الإنسان یوم القیامه، وذلک لأنّ هذه الأُمور المستثناه تمثّل فی الواقع اللطف والکرم الإلهی والرحمه الإلهیه والتی تتوقف علیها ضروره الحیاه.
النکته الثالثه: وحینئذ یمکن معرفه المستثنیات من عموم الروایه الأُولى الدالّه على شمولیه الحساب لکلّ شیء، وهذا الشمول یمکن تصوّره فی أمرین:
۱٫ السؤال عن کلّ شیء سواء أُنفق فی سبیل اللّه أو أُنفق فی غیر سبیل اللّه.
۲٫ ولا فرق بین العمل الصادر من المؤمن أو من غیر المؤمن.
وبما أنّ هذین القسمین قد ورد، فی الروایتین الثانیه والثالثه، استثناؤهما من المحاسبه والمؤاخذه والعقاب، وبالنتیجه انّ المعنى الکلّی والعام للطائفه الأُولى یخصّص بالمستثنیات الوارده فی الروایات الأُخرى.( [۲۳])
[۱] . النحل: ۹۳٫
[۲] . الأنبیاء: ۲۳٫
[۳] . الزمر: ۷٫
[۴] . الزلزله: ۶٫
[۵] . التکاثر: ۸٫
[۶] . انظر سوره الحجر:۹۲ـ ۹۳٫
[۷] . الزخرف: ۴۴٫
[۸] . الزخرف: ۱۹٫
[۹] . التکویر:۸ـ ۹٫
[۱۰] . النحل: ۵۶٫
[۱۱] . الأحزاب: ۸٫
[۱۲] . نهج البلاغه: قصار الحکم، رقم ۷٫
[۱۳] . نهج البلاغه، الخطبه ۴۱٫
[۱۴] . البحار:۷/۲۵۸، باب محاسبه العباد، الحدیث ۱٫ ولاحظ الأحادیث: ۳، ۱۱و ۳۱٫
[۱۵] . البحار:۷/۲۶۷، باب محاسبه العباد، الحدیث ۳۳٫
[۱۶] . البحار:۷/۲۶۵، باب محاسبه العباد، الحدیث ۲۲٫
[۱۷] . البحار:۷/۲۷۲، باب محاسبه العباد، الحدیث ۳۹٫
[۱۸] . البحار:۷/۲۷۲ باب محاسبه العباد، الحدیث ۴۱٫
[۱۹] . نهج البلاغه: الخطبه ۸۲٫
[۲۰] . نهج البلاغه: الخطبه ۱۶۷٫
[۲۱] . بحار الأنوار:۷/۲۶۱، باب۱۱، الحدیث ۱۰٫
[۲۲] . بحار الأنوار:۷/۲۶۵، باب۱۱، الحدیث ۲۳٫
[۲۳] . منشور جاوید:۹/۲۸۵ـ ۲۹۱٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.